مصالحة مع التاريخ

مصالحة مع التاريخ

عاش شبابنا في فترة الاحتفال بمرور نصف قرن علي ثورة 23 يوليو 52 جوا غريبا لا أعرف كيف استقبله داخليا بعد أن شاهد فجأة كمية مركزة جدا من الصور والشخصيات التي بدأ أصحابها وكأنهم هابطون عليه من كوكب آخر.. فهاهو فجأة يكتشف أن هناك رجلا اسمه محمد نجيب كان صاحبه هو الذي صافح وجوه المصريين يوم 23 يوليو 52 بإعتباره قائد الثورة وفي خلال الأسابيع والشهور التي تلت كانت المظاهرات تحيط به.

وقد عاصرت هذه الفترة التي ظهر فيها محمد نجيب كغلاف لثورة يوليو وشاهدت مشاعر الحب الكبيرة التي أحاطت بالرجل بسبب أولا ملامح الطيبة التي كان ينطق بها وجهه، وثانيا لأنه كان في سن متكاملة (كانت في ذلك الوقت 52 سنة) بينما الضباط الآخرون كانوا مازالوا شبابا وكان أكبرهم – وهو عبد الناصر – في رتبة بكباشي بينما كان محمد نجيب في رتبة لواء وهي رتبة كان علي عبد الناصر مثلا كي يصل إليها أن يرقي إلى عقيد وعميد.. بالإضافة إلى ذلك فقد كان اسم نجيب قد تردد في الحياة المصرية عندما اكتسح في إنتخابات نادي الضباط قبل بضعة شهور وانتخبه الضباط كرئيس علي غير رغبة الملك فاروق الذي كان له مرشح آخر..

وكما عرف الشباب ربما لأول مرة فقد كان محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر ولكن رئاسته استندت إلى قرار من مجلس قيادة الثورة صدر يوم 18 يونيو 1953 عندما ألغت الثورة النظام الملكي وبدأت نظاما جمهوريا فعينت محمد نجيب رئيسا للجمهورية.. وبعد ذلك بدأت الخلافات بين جمال عبد الناصر القائد الحقيقي للثورة وبين محمد نجيب الذي أصبح رئيسا وانتهي الصراع بإزاحة نجيب من الطريق في نوفمبر 1954 وانفرد عبد الناصر بالسلطة منذ ذلك التاريخ..

ولكن الذي أخذ علي عبد الناصر قسوته السابقة في معاملة محمد نجيب وتحديد إقامته في قصر قديم في المرج ظل خلالها محروما من الاتصال بأحد، ويلقي أسوأ معاملة، ولم يخرج نجيب إلي النور إلا بعد وفاة عبد الناصر وتولي السادات ومن مفارقات الأقدار أن يمتد العمر بنجيب ويشهد وفاة عبد الناصر والسادات قبل أن ينتقل إلى رحمة الله في عام 1984.

علم مصر الأخضر

وإذا كان محمد نجيب من بين الشخصيات التي فاجأت الشباب فمن المؤكد أن كثيرين من الذين تابعوا الإحتفالات بالثورة قد فوجئوا بظهور علم أخضر يتوسطه هلال بداخله ثلاث نجوم… وقد كان هذا العلم يوم قيام الثورة هو علم مصر.

والأعلام استخدمت منذ وقت بعيد كرموز للقبائل والجماعات وخاصة في خلال المعارك الحربية. والأرجح أن أول اعلام عرفها التاريخ استخدمها الصينيون القدامي والهنود ولكن المصريين القدماء كانوا أول من ثبت العلم في أعلي سارية أو عمود.

وإذا كانت الأعلام قد بدأت كرموز تشير إلي القبائل فقد أصبحت بعد إنشاء الدول رموزا ضرورية للدولة، ولكن إلي جانب الاعلام للدولة فقد ظهرت عشرات بل مئات الاعلام في داخل الدولة الواحدة.. فكل سلاح من أسلحة الجيش له علمه، وكل ناد له علمه، والمهن المختلفة أصبح لها أعلامها.. وكثير من الشركات الكبيرة لها أعلامها الخاصة التي ترفعها إلى جانب علم الدولة الرسمي الذي يبقي له الولاء والانتماء من كل مواطني الدولة.. ولهذا يبقي علم الدولة ثابتا بدون تغيير وهو الأمر الذي لم يكن موجودا أيام الفراعنة إذ كان العلم الموجود خاصا برئيس الدولة أو الفرعون ولهذا كان العلم يتغير شكله مع تغير الفرعون.

وعندما سيطر محمد علي باشا علي الحكم في مصر عام 1805.

فقد أصبح العلم المستخدم في مصر هو علم الدولة العثمانية الأحمر اللون نظرا لأن مصر كانت في هذه الفترة تابعة للدولة العثمانية.

أما الخديوي إسماعيل (حكم اسماعيل مصر في الفترة من 1863 إلي 1879) وكانت من أحلامه أن تكون مصر قطعة من باريس أو فرنسا، فإنه من بين أعماله تغيير علم مصر بحيث يشتمل علي ثلاثة أهله بداخل كل هلال نجمة خماسية من اللون الأبيض ولكن كل ذلك علي أرضية حمراء. ولكن عندما احتل الإنجليز مصر في عام 1882 عادت مصر إلى العلم القديم العثماني وظل هذا العلم العثماني إلى عام 1914 وهو العام الذي شهد قيام الحرب العالمية الأولي وإعلان بريطانيا الحماية علي مصر بما يعني فصل مصر عن السيادة العثمانية.. عند ذلك أعيد استخدام علم الخديو اسماعيل مرة أخري كعلم رسمي لمصر..

وفي خلال ثورة 1919 التي قام بها شعب مصر بطريقة عفوية ضد الإحتلال الإنجليزي وفي مواجهة بنادق الإنجليز التي تصدت لهذه المظاهرات أفرزت الثورة علما جديدا حمله المصريون بعد أن توصلوا إلى شكله من تلقاء أنفسهم وكان هذا العلم عبارة عن أرضية خضراء بداخلها هلال يتوسطه صليب باللون الأبيض تعبيرا عن وحدة أبناء مصر مسلمين وأقباطا في هذه الثورة..

وفي سنة 1923 كانت مصر قد خطت خطوة إلى الاستقلال بعد أن أضطرت ثورة 19 الإنجليز إلى إعلان مصر كدولة مستقلة ذات سيادة (وإن كانت منقوصة) وإعطاء اسم الحاكم لقب ملك، فقد صدر مرسوم بين شكل العلم الجديد للمملكة المصرية وهو العلم الأخضر الذي يتوسطه الهلال وثلاثة نجوم بيضاء اللون إشارة إلى مصر والنوبة والسودان التي كانت تعتبر حدود مصر.

وقد ظل استخدام هذ العلم الأخضر إلى ما بعد قيام ثورة يوليو 52 وكان من الممكن أن يستمر هذا العلم إلى اليوم إلا أنه في عام 1958 عندما جرت الوحدة بين مصر وسوريا وأعلنت الجمهورية العربية المتحدة فقد أصبح للدولة الجديدة علم جديد ثلاثي الألوان: أحمر وأبيض وأسود يتوسط شريحته البيضاء نجمتان خضراوان تشيران إلى إقليمي مصر وسوريا.

وكان هذا العلم في الواقع رمزا لثورة يوليو 52، واستخدم لأول مرة في الإحتفال بمرور 6 أشهر علي حركة الجيش إلا أن العلم الأخضر ظل مستخدما إلي أن أقيمت الجمهورية العربية المتحدة..

وفي سنة 1971 تغير علم مصر مع إعلان اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا وحل الصقر محل النجمتين..

وتحت هذا العلم خاض جيش مصر حرب 6 أكتوبر المجيدة عام 1973 وهو العلم الذي ارتفع فوق الضفة الشرقية للقناة بعد نجاح العبور.. ولكن في عام 1984 تغير الشعار الموجود في العلم وحل النسر محل الصقر..

ومع الإحتفال بنصف قرن علي ثورة يوليو جرت مصالحة مع التاريخ من خلال إبراز أدوار كل الذين شاركوا في هذه الثورة وعلي رأسهم محمد نجيب وأيضا التذكير بعلم مصر الأخضر الذي كان علم مصر في ذلك الوقت.

بقلم: صلاح منتصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: