مقال عن لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب

لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب

إننا في زمننا الحالي نلمح التطور الملحوظ لدول الغرب وتفوقها في شتى أمور الحياة، ورقيها الكبير وتمسكها بأخلاقيات نفتقدها في زمننا الحالي في البلاد العربية.

وفي نفس الوقت لدينا ملمح ولو بسيط عما كانت عليه الدولة الإسلامية في الأزمان القديمة، وما توصلت إليه منذ بعث الله الرسول “صلى الله عليه وسلم” وهاجر إلى المدينة وأقام فيها أول حجر للدولة الإسلامية، حتى صارت إمبراطورية كبيرة لها عزة وكرامة وقوة بين الأمم المختلفة.

ونعرف جيدًا أن الدولة الإسلامية كادت تغزو العالم كله وتنشر فيه تعاليمها على يد الصحابة “رضي الله عنهم” بدايةً من أبو بكر الصديق حتى مقتل عثمان بن عفان “رضي الله عنه”

وما كان في الدولة الإسلامية على كثرة بقاعها في العالم من علماء أجلاء وكبار صدروا علومًا وثقافات إلى العالم الغربي الذي كان يعاني انحدارًا وانحطاطًا في تلك الآونة، ما كان يسمى عندهم (العصور الوسطى).

ولابد أن يكون هناك أسبابًا واضحة تبين لنا أسباب ما توصل إليه الغرب في زماننا الحالي، وما توصل إليه المسلمون في زمننا الحالي من الانحدار والانحطاط والتفكك، وهذا ما أتناوله في المقام؛ حيث أعرض فيه الدوافع التي تمسك بها المسلمون في العصور القديمة والتي دفعت بهم إلى التقدم، والأمور التي تخلى عنها المسلمون حتى عم التفكك والانحدار في الدولة الإسلامية، والتي تتوازى مع الدوافع التي تمسك بها الغرب حتى يتقدموا، وما في هذه الدوافع من ملمح إسلامي.

أسباب تقدم المسلمين

كان العرب في الأزمنة السابقة يعيشون في شبه الجزيرة العربية، يعبدون الأصنام والأوثان إلى جانب ديانات عديدة كانوا يدينون بها ليس لها أي معنى قبل مجيء الرسول “صلى الله عليه وسلم” بالإسلام.

وحين بعث الرسول “صلى الله عليه وسلم” كان أول كلمة في الوحي الذي تنزل عليه من الله “سبحانه وتعالى” على لسان الروح الأمين جبريل “عليه السلام”: (اقرأ). وفي ذلك دعوة واضحة جلية بأن يتمسك الرسول “صلى الله عليه وسلم” بما يعلمه الله إياه ويما ينزله عليه ويؤمن به.

والرسول “صلى الله عليه وسلم” كان أمينًا في حمل رسالة الإسلام إلى العرب؛ فعانى الكثير من طرق الأذية والابتلاءات على أيدي المشركين الذين لم يصدقونه رغم برهان الرسول “صلى الله عليه وسلم” لهم، لكن الرسول “صلى الله عليه وسلم” لم ييأس وإنما تمسك بالدين ودعى من أسلم معه أن يتمسكوا بالدين الإسلامي لما فيه من الخلاص والفوز العظيم.

وبعد هجرة الرسول “صلى الله عليه وسلم” ومواجهاته مع المشركين مع إرساء قواعد الإسلام في المدينة المنورة (يثرب) وضع الرسول “صلى الله عليه وسلم” الحجر الأول لبناء الدولة الإسلامية؛ فدعى إلى الوحدة في مجتمع واحد، ونبذ القبائل والعصبية التي كانت تسودها في القبائل، وبالتدريج نهى وقطع العادات السيئة عن العرب، ودعى إلى ضرورة التمسك بالأخلاق الحميدة، والإيمان القوي بالله “عز وجل”، وأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وبهذا وضع الرسول “صلى الله عليه وسلم” الأسس والقواعد الأساسية لبناء الدولة الإسلامية وتوسع رقعتها في بقاع الأرض، بالرحمة والتسامح والحسنى والمعاملة الطيبة المزينة بالأخلاق الكريمة، وليس بالسيف كما يتوهم البعض الذين يتعمدون مواجهة الإسلام بأي طريقة.

وسار على نهجه الصحابة “رضي الله عنهم” محافظين على الدين الإسلامي وحدود القواعد الإسلامية، والعمل من أجل مصلحة الدولة الإسلامية، وما دعى إليه الإسلام، متبعين نهج الرسول “صلى الله عليه وسلم” على أكمل وجه، ونذكر جهود أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة الكرام الذين دافعوا عن الدولة الإسلامية بالحق، فتقدمت بذلك الدولة الإسلامية وصارت ذا شأن عظيم بين الأمم على كل الأصعدة: الاجتماعية، والعسكرية، والعلمية.

أسباب تأخر المسلمون

إن ذلك يذكرني بكتاب أمير البيان (شكيب أرسلان): (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟)؛ ففيه يعرض المشكلة من كل صورها ويوضح الأسباب التي أدت إلى انحدار المسلمين والأسباب التي أدت إلى تقدم الغرب، ويمكن إجمال أسباب تأخر المسلمون تبعًا لما جاء في كتابه على النحو الآتي:

  • انتشار الجهل ونقصان العلم: إذ انتشر في الدولة الإسلامية بعد تقدمها الجهلاء يقولون ما لا يستوعبون، ويتباهون بعلمهم وهم فارغون من أي علم، مما أدى إلى انحدار مستوى العلماء لنقصان العلم في عقولهم وتباهيهم الفارغ.
  • فساد أخلاق الأمراء والعلماء: وهو من العوامل التي أدت إلى تدهور الدولة الإسلامية، فقد ساد في الدولة الإسلامية متأخرًا ما نهى عنه الرسول “صلى الله عليه وسلم” من العصبية بين الناس، غير أن العلماء كانوا يكذبون من أجل أن ينالوا مصلحة لهم، وكثُر النفاق، وزاد الأمراء في فسادهم مغترين بما ملكوا من الملك.
  • اليأس والجبن: إذ أصبح المسلمون متأخرًا يخافون من قوة الأعداء المواجهة، ويولوهم اهتمامًا كبيرًا، ويحرصون على عدم مجابهتهم، ناسين بذلك ما كان على أيام أسلافهم في زمن الرسول “صلى الله عليه وسلم” حين كان يواجه المسلمون الأعداء على كثرة عددهم، لكن النصر يكون من عند الله “سبحانه وتعالى” إعلاء لكلمة الحق.

ومن العرب من وقف أمام قوة الإفرنج موقف الجبناء، فتعللوا أنه كان يمكن للمسلمين الانتصار على الإفرنج لولا أن الإفرنج لديهم آلات حربية متقدمة.

  • الفتنة: والتي عصفت بالدولة الإسلامية من جذورها، ونشبت الحروب بين أبنائها، وفرقت الجمع، ومزقت الدولة الإسلامية في نهاية العصر العباسي.

أسباب تقدم الغرب

إن من أسباب تقدم الغرب التي نلتمسها في زمننا هذا في المقام الأول: أنهم تعلموا في بداية الأمر من المسلمين، وطبقوا ما قالوه وما أوردوه في كتبهم؛ فنحن لا ننسى ما للعرب أمثال: ابن سينا، وابن الهيثم، وابن خلدون.. وغيرهم من العلماء، من أفضال على علماء الغرب، فكان العلم الإسلامي هو الشرارة الأولى في تطور الغرب وتقدمهم.

والسبب الثاني لتقدم الغرب هو التزامهم في طلب العلم، والتمسك بالنجاخ، وتوفير كافة الفرص لأفراد المجتمع الغربي حتى يحققوا هذا النجاح الذي يعود علىهم وعلى المجتمع كله بالفائدة والتطور.

والسبب الثالث لتقدم الغرب: التزامهم بالأخلاق والرقي في المعاملات، رغم ما يسود عالمهم من الفحش والفساد، إلا أنهم يولون أهمية لوظائفهم، ونجاحاتهم، وأسرتهم، والأسباب التي تؤدي إلى ارتقاء المجتمع الذين يعيشون فيه.

وهم بذلك تعلموا الدين الإسلامي دون أن يعتنقوه وهذا نابع بشكل أساسي ما أورثهم العرب إياه؛ وقد قال الإمام محمد عبده: (رأيت في أوروبا إسلامًا بلا مسلمين، وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام) وهذا يلخص الأسباب التي دفعت الغرب أن يتقدموا في الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية تتحطم أركانها.

كيف يتقدم المسلمون من جديد؟

إذا سألتني عن الأمل، فاقول نعم هناك أمل دائمًا؛ فالعرب، ولا سيما المسلمين ينهضون بكل شجاعة وتحد أمام الأزمات، ويتمسكون بالعلم أو بأي سلاح يدفع عنهم البلاء إذا طالهم ابتلاء، فيدافعون عن العلم بالعلم، ويدافعون عن الإسلام بالإسلام في الوقت المناسب، ونحن نشاهد اليوم أن العرب يهبون من رقادهم ليقيموا الدولة المتحضرة التي نشأوا عليها، كأنما التحضر يجري في عروقهم، في حين أن الدول الغربية تعاني غباءً بينًا في مواجهة الأزمات.

ولكي يستعيد المسلمون قوتهم لابد أن يتمسكوا بعاملين هما: دينهم، والتزام العلم والبذل من أجله.

أضف تعليق