هل نهوي نحو كارثة أخلاقية في مصر؟

هل نهوي نحو كارثة أخلاقية في مصر؟

كثيرا ما أتأمل وجوه وانفعلات الناس بل وكلامهم أيضا، يجذبني تحليل كل ردة فعل وتحليل لغة الجسد، بل يأخذني الفضول إلى افتراض كيف يفكر هؤلاء وماذا يخفون في قلوبهم.. وماذا يخفي كل منهم وراء تلك الحدة التي يظهرها أو حالة النشوة التي يصل إليها. بالإضافة إلى مفاهيم جديدة قد دخلت إلى مجتمعنا، مفاهيم قد تبدو غريبة عن ثقافتنا،لا تمثل هويتنا المصرية الأصيلة.

ودائما ما يخطفني ذهني إلى عمق هذه الشخصيات التي تعيش في ظل حياة ممتلئة بالصخب، يحيطها ضباب الحضارة المادية وعصر العولمة!

ولم تقودني تلك التأملات إلا إلى شئ واحد، شئ تؤدي إليه كل الخيوط. فإذا أرجعنا سبب تلك المؤثرات إلى ظروف الحياة المعيشية، فسنصل إلى نفق مظلم ليس له نهاية، ولم نجد حلا وافيا.

لقد أهملنا القيم الروحبة في حياتنا على حساب القيم المادية.. أبدينا الاهتمام نحو المظهر وأهملنا الجوهر.. أنفقنا على التعليم والملبس وأغفلنا التربية..زينا الحدائق ونسينا أن نرويها.. ثم نشكوا من الأمراض النفسية والاكتئاب، ونهرع نحو عيادات الأطباء النفسيين، ناهيكم عن ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري وغيرها من المشاكل التي يعاني منها مجتمعنا..حتى صرنا على مشارف كارثة كبرى، كارثة اختفاء أعظم كلمة في معجم أي لغة وهي الأخلاق. لقد نسينا القانون الأخلاقي الذي يحكم ضمائرنا تحت طغيان صنم المادة، بل انشغلنا في تقديم القرابين له.

أصبحت القيم والأخلاق شعارات يحفظها الأطفال في الكتب المدرسية ثم تتبخر من عقولهم بعد جرس المرواح! بينما صار التدين عند البعض هو تربية اللحية ولبس النقاب والصلاة والصوم والحكم على إيمان الآخرين.

فهم يحفظون القرآن دون تدبر آياته. إذ لا عجب حينما نجد سمات البغض والكراهية تقبع داخل نفوسهم تجاه كل مخالف في الرأي أو الدين، ومن ثم يظهر فساد الأخلاق من سب وقذف وعنف. بالرغم من أن الإسلام جاء من أجل الحياة ولم يأتي لكبتها. فقد نسي هؤلاء قول أعظم الخلق سيدنا محمد ﷺ: ((إن من خياركم أحسنكم خلقا))، فصدق رسول الله ﷺ وكذب من خالفه.

ولم تكن مصر يوما بلدا للتطرف بل كانت عاصمة للوسطية والتسامح طوال التاريخ. وإنما هي موجة فكرية دخيلة، اختبأت خلف ساتر التجديد في الدين. جاءت لتستأصل جذور الوسطية عند المصريين، وذرع بذور الغلو والتشدد بين العامة. خاصة بعد أن أدرك أتباع الشيطان أن صلابة مصر تكمن في وحدتها القومية، وأن قوة الإسلام في سماحته.

وعلى النقيض خلفت النفور، والبغي نحو التحرر من الالتزامات الدينية والخلقية. حتى وجدنا جيلا أصبحت فيه الشتيمة موضة وعفوية، والاحترام دقة قديمة والأدب من العهد البائد !! فأصبح هتك الأعراض هواية عند البعض دون أدنى حياء. ومن هنا تزول الدهشة من كم الانحطاط في الذوق الفني العام وتحول الكلمات والألحان في الأغاني إلى عالم آخر يعبر عن تلك الثورة داخل الأشخاص. بالإضافة إلى نغمات نحاسية صاخبة تصحبها كلمات تتعاقب في رطانة، ومهرجانات حطمت مفهوم الفن الذي هو غذاء للروح.

ثم نجد أفلاطون يقول في كتابه القوانين: “علموا أولادكم الفنون ثم أغلقوا السجون.” واليوم صرنا نشاهد في السينما أفلام تلمع البلطجة والإجرام، تجعل رموزها قدوة لكل شاب، في وقت غابت فيه القدوة الصالحة. بعد أن كانت أفلامنا تغزو الدول الأخرى برقيها ومغزاها المحرض على الفضيلة ! فافتقدنا أهم مقومات القوة الناعمة وهي الفن.

وقد اختلف مفهوم الحرية من حرية مقيدة بالمسئولية الأخلاقية إلى حرية مطلقة فوضوية. وصارت الحرية هي أن تفعل أي شئ تريده. فالإعتداء على حريات الآخرين سواء ماديا أو معنويا هي قمة الحرية والعدل! وما أروع أن تخالف القوانين، فتشعر أنك الأعلى بين الجميع!! ومن هنا ينشأ الفساد ويشكل ظاهرة مرعبة تنخر في جسد الدولة وتعوق كل عمل إيجابي.

وأحيانا ما أنظر في وجوه هؤلاء وهؤلاء، أطابقها مع تلك الوجوه المنحوتة بدقة وبراعة على جدران المعابد المصرية القديمة. ثم اندهش من هول الفجوة بين الأثنين رغم أن الوجوه نفسها والجينات الضاربة في أعماق الزمن واحدة. لماذا صنع الأول حضارة عظيمة علمت العالم، حضارة قال عنها عالم المصريات الأمريكي جيمس هنري برستيد أنها فجر الضمير الإنساني، بل أطلق على المصري القديم “أبونا الإنسان.”

إن المصريين الأوائل رسخوا القانون الأخلاقي داخل نفوسهم فالمخطئ لم يكن يخجل من المحاسبة القانونية بقدر ما يخجل من نظرة الآخرين له. حيث كانت القيم والمبادئ هي المعايير التي تحكم الأشخاص، فالتزموا بنصوصها وأصبح من العار تجاوزها. فقد أعلوا من شأن القيمة الروحية على القيمة المادية.

وفي محكمة العدل الإلهية يقول المتوفي قبل بعثه: كنت عينا للأعمى، ويدا للمشلول، ورجلا للكسيح، وأبا لليتيم، لم أجعل أحد يبكي مني. إني لم أسب ولم أشتم ولم أنطق باللعنات.

وإن قلبي نقي ويدي طاهرتان وإلخ…

وفي القرآن الكريم يقول الله ﷻ: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) صدق الله العظيم.

ثم نقول نحن حضارة سخرة ووثنية، بل خلقنا مصطلحات جديدة مثل فرعنة ويتفرعن، وطبعنا صفات الكبر والتجبر داخلنا، فقلنا بكل فخر نحن فراعنة! وياليتنا كنا مثل هؤلاء الفراعنة.

بقلم: أحمد وليد السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: