لماذ يفشل الأبناء في تحمل مسئولية الزواج؟

لماذ يفشل الأبناء في تحمل مسئولية الزواج؟

بالرغم من أنه كان يعرف أن ما يقوم ابنه به هو “الخطأ” بعينه وأنه سيؤدي إلى نتيجة كارثية في حد ذاتها، إلا أنه صمم في قرارة نفسه ألا يتدخل ويترك ابنه يعرف النتيجة بنفسه، وعندما ترجته زوجته ليتدخل وينقذ ابنه ويتناقش معه ألا يفعل ما يفعله فهو أبوه وسينصاع لأمره، رفض الأب قائلا: لقد أوضحت له الخطوط العريضة من قبل وانتهي دوري والآن حان دوره ليتعرف على الحياة فلن ينجح في حياته مالم يتذوق نتيجة أفعاله ويعرف بنفسه “الصح من الغلط” ، لو كان أبي منعني من فعل كل شىء خطأ أو الاقتراب من كل شىء قد يكون خطأ.. هل كنت سأنجح في حياتي على الأقل العائلية فقد مر على زواجنا 25 عاما.. الحياة تحتاج إلى من يكتسبها من خلال حلوها ومرها.. “فالحياة خبرة.. من يستطيع اكتسابها يستطيع عيشها”.

ولي العهد المدلل

لا يصر كثير من الآباء على تعليم أبنائهم خبرة الحياة بهذه الطريقة.. فأغلبهم لا يستطيعون رؤية أبنائهم يرتكبون أخطاء دون أن يتدخلوا بالنصح والمنع، لا يقف الأمر عند ارتكاب الأخطاء بل إن آباء هذه الأيام يفضلوا أن يفعلوا كل شىء بالنيابة عن أولادهم ليجعلوهم متفرغين فقط لمذاكرة دروسهم.. وهذا يجنب الأبناء اعتراك الحياة وفهمها والتفاهم معها.. خصوصا حينما يكبرون ولا يجدوا من يعتمدوا عليه في حل مشكلاتهم.

وتأتي مشكلات الزواج (العنوسة، العزوبية، الطلاق، الهجر، والخلع.. حتى قتل الأزواج والزوجات بعضهم البعض…) كنتيجة حتمية لما نربي عليه أبنائنا، فكلمة السر كما يقول علماء الاجتماع تكمن في “المسئولية”.. فالشاب لم يعد يتحمل مسئولية نفسه حتى يتحمل مسئولية غيره من زوجة وأسرة وأولاد.. وتكون النتيجة هربا محققا إما من الزواج نفسه فيفضل العزوبية أو من تبعاته فتكون النتيجة طلاق أو زواج فاشل.

وفي هذا الصدد يقول د.عمرو أبو خليل -الطبيب النفسي-: إن تحقيق كل مطالب الأبناء، والتأخر في تحميلهم المسئولية هو ما يجعلهم عديمي المسئولية.. فالأم تخاف على أبنائها أن ينزلوا إلى الشارع وحدهم، فيصبح الشاب “طويل وبشنب” ولا يستطيع عمل شىء بنفسه أو لنفسه ولكننا كآباء نقوم عنهم بكل شىء.. فمثلا أحد الآباء كان يساعد ابنه في استخراج بطاقته الشخصية لأول مرة، فقام هو بتصوير الأوراق وقدمها للجهة المسئولة، حتى أنه لم يتبقى سوى أن يصور هذا الأب نفسه ويضع صورته على بطاقة ابنه.

أب آخر لا يطيق أن يقف ابنه في أي طابور لإنجاز أي مهمة فيحاول أن يجنبه ذلك بأن يبحث له عن واسطة أو وسيلة تجنبه الوقوف في الطابور كلما سنحت له الفرصة.. فيكلم عمه مرة وجاره مرة أخرى كأنه ذاهب ليحارب.. وهذا بالطبع كله خطأ، فمتى سيكتسب أولادنا تلك الخبرة التي اكتسبناها فلابد أن يختبروا أمورا كثيرة في الحياة حتى تتكون لديهم الخبرة اللازمة للنجاح في الحياة.

ويضيف أبو خليل قائلا: قديما كانت أمهاتنا تقوم بتقسيم العمل بين الأولاد والبنات “بالعدل” حتى لا يتذمر أحد، وكانت أحيانا توكل للبنات مهام خاصة بالتنظيف والترتيب مقابل مهام أخرى للصبيان كالنزول للشارع وتقضية الطلبات، ولكن ما يحدث الآن أن الأمهات أصبحن يخفن على ولي العهد فتجلسه بجوارها طيلة الوقت تراقبه وتلبي طلباته.. وأصبحت البنت هي من تقوم بالنزول إلى الشارع لتلبية احتياجات المنزل.

من المهم أيضا أن يشعر أولادنا بالحرمان في بعض الأوقات، ولابد أن نقول لهم “لا” في أوقات كثيرة.. حتى لا يجدوا كل طلباتهم مجابة فيتعودون على الحياة السهلة.. حتى لا يأتي وقت عندما يكبر هؤلاء الأولاد وتواجههم ولو مشكلة بسيطة ف”يغرقون في شبر من الماء”، وهذا يفسر فشل العلاقات الزوجية لعدم احتمال الشباب لتلك المسئولية الكبيرة، وكذلك أيضا يمتنع كثير من الشباب عن الزواج خوفا من تحمل تلك المسئولية فيقولون: “مفيش أحلى من عيشة الحرية”.

وتقرأ هنا: مشكلة العناد عند الأطفال

أساليب تربوية.. خاطئة

ومن ناحيتها تقول أميرة بدران الأخصائية النفسية: أن أكبر الأخطاء التربوية في إنتاج أبناء لا يتحملون مسئولية الزواج بلا أدنى شك هو ما يرونه بأم أعينهم يحدث أمامهم من طريقة في التعامل والتواصل بين الأب والأم، فكلما كانت المعاملة تفتقر للرحمة والود والحب والحنان كلما كرهوا الزواج وعلموا أنه مشروع فاشل لا يأتي بخير، وكما يقول علماء الاجتماع أن الطفل يؤمن بما يرانا نفعل وليس بما يسمعنا نقوله.

وكذلك من المهم جدا ليستقيم حال الطفل أن يرى مناخاَ من الحب يسود العلاقة بين الأم والأب، كذلك من الأخطاء التربوية تكريس التحزب داخل الأسرة فتتفكك لفرق وكل فريق ينتمي لأحد الأبوين فيكون هناك مشاعر عداء ومكايدة وانتقام مستترة أو سلبية، وكذلك من الأخطاء التربوية إزاحة الغضب الناتج عن قهر أحد الزوجين للآخر على الأبناء.

كذلك قيام أحد الأبوين بتجسيد وتأصيل دور الضحية فنجد الأم تشكو الأب للأبناء وتبكي وتسرد قصص لا يجب أن يطلعوا عليها توضح بها مدى القهر والظلم الذي تعانيه على يد الأب؛ فتوغر صدر الأبناء ويكرهون الزواج.

وأثبتت الدراسات أن أبناء الأسر المفككة أو غير المستقرة أو التي تفتقر للتواصل الطبيعي ينشئوا بدون فهم لمعنى الأسرة المترابطة، فهم يشبون على منطق القدرة على الصراع والعيش معه رغم ألمهم الشديد منهم ويتأقلموا كذلك على مفهوم الهجر كما يحدث في أبناء الطلاق، فغالبا ما يفشلوا في زيجاتهم كآبائهم، كذلك وجود تجارب فاشلة في الزواج قريبة من الأبناء لديهم معرفة بتفاصيلها كالخالة أو العم أو غيرهم.

ومن الأخطاء التي تسبب هروب الأبناء من الزواج من منطلق كراهة المسئولية هم هؤلاء الذين تربوا التربية المدللة؛ والتي تجعل الإنسان أحادي  في تشغيل مراكز الوعي فنجد أن الطفل المدلل تعزز لديه مراكز الأخذ وتعطل عنده مراكز العطاء فيخرج للحياة غير متحمل للمسئولية بل ويهرب منها.

وكذلك تربية الحماية الزائدة والتي تفرخ لنا أبناء لا يملكون القدرة على اتخاذ أي قرار ولو بسيط في حياتهم، ويظلوا في حالة اعتمادية وسلبية على آخرين ويهرب من مساحة المسئولية، ومثل تلك الأخطاء تجعل المجتمع مخترق مهلهل يفتقر للنواة التي يستند عليها وهي الأسرة القوية المترابطة المسئولة القادرة على التعامل مع تحديات الحياة.

وهذا مقال حول: طرق التعامل مع الغيرة عند الأطفال

غزو القيم المستوردة

ومن جانبها تقول مديحة حسين المستشارة التربوية: أتصور أن الأخطاء التربوية التي تؤدي بالأولاد إلى عدم تحمل مسئولية الزواج والتهرب منها تنقسم إلى قسمين، الأول يؤثر على الأبناء بشكل غير مباشر: وهو أحد أثار التغيير الثقافي والقيمي الناتج عن الانفتاح غير المرشد على العالم والذي طال فيما طال مفهوم الأسرة ومسئولية الشركاء تجاه أبنائها ورعاية استمرارها.

وأدي ذلك إلى كثير من الأمور منها: تعقد تطلعات الفرد بحيث أصبح لها في الغالب نموذج واحد (وهو البحث عن الكمال)، وطريق واحد لتحقيقها (بتقديم التفكير في بناء المستقبل الفردي على بناء البيت الأسري)؛ فالمرأة الكاملة المناسبة حلم بعيد والأقرب منه هو الاستسلام للعجز عن تحمل مسئولية بناء بيت وفق هذه التعقيدات التي سيطرت على الفتى والفتاة والأسر. خصوصا إذا كانت سبل بناء العلاقات مع الجنس الآخر خارج مؤسسة الأسرة الشرعية متاحا حتى ولم يكن مقبولا.

أيضا تغيير طبيعة الأدوار في الأسرة، بانتشار المرأة المعيلة في كثير من الأسر حتى في وجود رجال بداخلها نتيجة تغيير طبيعة سوق العمل، وهذا أعطى نموذج مشوه لكثير الأطفال عن طبيعة الأسرة ودور الرجل الذي حاول التعامل مع الأمر بالانتقال من الإحساس بالعجز تجاه إعالة المرأة إلى القبول ثم الانقلاب، باستمراء ذلك واعتباره حق.

وهنا يأتي انعكاس تلك القيم التي تشربها الآباء والأمهات من مجتمعهم على أساليبهم المباشرة في تربية أبنائهم على مجموعة من السلوكيات والقيم السلبية، منها: -انحصار فرص تدريب الطفل على تحمل المسئولية على تفريغه لتحصيل الدرجات لضمان مستقبله الفردي، أو ضمان تحقيقه أحلام والديه.

  • استسلام البعض للأفكار الجاهلية بعلو الذكر عن الأنثى وأن الأنثى موجودة لخدمته سواء كانت أختا أو أما ثم زوجة أو ابنه وممارسة الوالدين لهذا التمييز في الواقع بقصد أو بدون قصد، دون الانتباه إلى أنهم يربوا كائنا طفيليا لا رجلا يمكن أن يبني أسرة في المستقبل.
  • عدم توجيه طبيعة الولد إذا كانت تميل إلى الإتكالية.
  • نمط الوالدية التسلطي خصوصا الأم، فهذا يخرج رجلا يرغب في الانتقام من المرأة الأم في شخص المرأة الزوجة أو مستكين منزوع الثقة بالنفس يهرب من تحمل المسئولية.
  • غياب التراحم والاحترام والتعامل بالإحسان داخل الأسرة وانتشار الخلافات المعلنة بين الزوجين أمام الأبناء قد لا يعطى الأبناء خصوصا الفتى النموذج الحسن الذي يمكن أن يقتدي به في معاملة الأنثى في المستقبل.
  • تغيير طبيعة الأدوار وانحصار دور الزوج في التمويل المالي في كثير من الأسر مع استسهال المرأة للتصدى للقوامة المادية والمعنوية داخل الأسرة تحت ستار (أنه مما عمت به البلوى) أعطى نموذج مغلوط ومغري  للفتى داخل الأسرة في الحاضر والمستقبل؛ فالأم هي من يدير كافة شئون الأسرة الداخلية والخارجية والابنة هي نائب الأم في إدارة الشئون الداخلية، أما الولد فلا دور له سوى ممارسة ذكورية شكلية.

بقلم: ليلى حلاوة

وهنا ندعوكم للاطلاع على:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top