انت فاهم عيد الأم غلط.. اقرأ هنا المراد الصحيح من بِرِّكَ بوالديك: أمك وأبيك

المفهوم الصحيح لمناسبة عيد الأم

هذه رِسالة قوية وحادة لكنك قطعًا بحاجة إليها؛ انه المفهوم الصحيح لمناسبة عيد الأم؛ وما يدور حوله من هدايا وأفعال، يظُن بعضنا أنها البِرُّ بعينه. وقبل الخوض المُبكِّر في الأمر؛ دعونا نقرأ على مهلٍ.

لو أن البر ينتهي بموت الوالدين لتفتت أكباد بعض الأبناء؛ أتى رجلٌ إلى “كعبٍ” يسأله، يقول: أحتسب على الله ما فاتني من البر؛ فصحح المعلومة؛ قال: وهل البر يفوت؟ البر لا يفوت.

ولذلك، فتح الحبيب عليه الصلاة والسلام لنا أبواب الاستعداد والندم والتوبة على كُلِّ تقصيرٍ في حَق الوالدين. يوم أن يعيش الابن حياة البر حتى بعد رحيلهما.

البر والإحسان للوالدين بعد وفاتهما

ولذلك، إياك أيها الابن، يا من ترى أنك كُنت قد قصرت وتبكي على تقصيرك. أنك كنت مقصر فترات طويلةً من العمر؛ تتمنى لو كنت فعلت الكثير من مشاريع البر؛ لكن الوالد مات؛ الوالدة رحلت.

نقول لك: هدئ من روعك واطمئن فإن البِر الصادق بدا؛ فإياك أن يتوقف معروفٌ منك لوالديك.

ولذلك؛ عندما أتي بعد الصحابة يسألوه عليه الصلاة والسلام: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم. ثم ذكر له أعمال؛ منها الدعاء لهما، الصدقة عنهما، إكرام صديقهما، إنفاذ عهدِهما.

نعم؛ أمور كثيرة، فتحت الأبواب لبعض الناس وأغلقت على البعض.

فيا معاشر الأخيار، يا من ماتت الأمهات والآباء، أو بقي أحدهما عندك، اصدق الله في الحي واصدق الله فيمن مات.

أصدق الله في الحي؛ بأن تستعتب ما مضى. بعضُنا وصل للتقاعد ولازال والده ووالدته على قيد الحياة. تفرغت؟ انطلق إليهما، ماذا تريد؟

بعضنا يجلس في مكاتب العقار وأمام الشاشات ومع الجوالات أكثر من أن يجلس عند أمه وأبيه.

ما ستفعله يوشِكُ أن يُرَدُّ لك

ثم نداء قبل الختام؛ نقول لك: الوقت الذي ستقضيه عند أمك وأبيك وهو الوقت الذي سيقضيه أبناؤك عندك عند كبرك. وإذا كنت تزور والدك الميت في كل أسبوع أو شهر مرة، لربما هذا حال أبنائك. وإن كنت لا تتذكر الوالد والوالدة بعد الرحيل إلا في عيد الأضحية؛ تذبح أضحيةً واحدة ثم تظُن أنك بلغت البر.. أخشى أن يذكره أبنائك حتى في عيد الأضحى؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بإجماع العلماء؛ أن بِرّ الأمهات من أعظم العبادات ومن أعظم القُرَب. بل إن نوافل الطاعات أحيانًا تُقطع لأجل رضا الوالدين.

قصَّة العابد جُرَيج

تعرِفون قصَّة العابد جُرَيج -وقد ذكرت في الصحيح-، رجلٌ عابد ابتُلي عندما ادَّعت امرأة بغيّ أنه قد زنى بها -أجلَّكُم الله-.

نريد هُنا أن نُركِّز على قضية؛ ما سبب لاء جريج؟ أن أمه دعت عليه. وهل دعوة الأم على ابنها؟ أنها رأتهُ صادًا، لا يريد أن يستجيب لها، مع أنه الرجل العابد، بل كان له صومعة فوق جبل، لا يريد الناس، انقطع عن الناس، كانت أمه تمر عليه، تقف على باب غرفته -صومعته- وتنادي: يا جُرَيج.. يا جُرَيج.. يا جُرَيج.

لكن جُرَيج حياته عبادة وطاعة؛ دائما يصلي. ويصادف أن أمه كلما دعته إذا هو يصلي. فأتت المرة الأولى ودعته وما استجاب.

وكان يُحدِّثُ نفسه: يا ربي؛ أمي وصلاتي. أي: من أُطيع؟ أطيع أمي أو أكمل صلاتي.

المرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.. وفي آخر الأمر غضبت ثم دعت عليه -ويا ليتها لم تدعوا- قالت اللهم لا تمته حتى يرى وجوه المومسات -أي البغايا والزواني-.

وانتبه: هي ما دعت عليه بالزنا؛ بل قالت: لا تمته حتى يراهن.

دعت عليه أن يُبتلى فيُشغَل عن هذه الطاعة التي أشغلته عن بِرّ أمه. وقد وقع البلاء عليه.

ولو كان جريح عالمًا -هو عابد- بما أن الصلاة نافلة، وأمه قد دعته أكثر من مرة وهي التي أتت إليه، كان عليه أن يقطع الصلاة، لأنها نافلة وليس فريضة، ولأن إجابة الأم واجب، وإذا اعترض مندوب مع واجب، قدمنا الواجب.

فما بالُك بمن ينسى أمه طوال العام ثم يتذكرها بهديةٍ في عيد الأم فقط؛ وعندما تسأله، يُجيبك: الحياة تلاهي.

دينك يأمرك ببر والديك

دينٌ ربانا على أن استجابتنا لأمهاتنا في أمور النوافل أن أوامِرهُن مُقدمة على إتمام الطاعة النافلة، دين لربنا إذًا على أن الجنة عند أقدام الأمهات.

جميل أن يسكنك حب الوالدين، حب عملي. وليس المراد ادعاء الحب.

والعجيب في الصدق في البر أن الوالدين يعرفون من أبنائهم الصادق من الكاذب. فلو أن البر كلامٌ وادعاء لاستطعنا جميعا أن نكون من أصدق الناس فيه. ولكن البر برنامج عملي يعيشه الابن.

ولذلك تجد أن الابن مهما كبر، إذا فقد الوالد والوالدة أو غابوا أو مرِضوا لربما ضجر في حياته وبحث عنهم؛ لأنه لا يستطيب العيش إلا مع أبويه.

دهن العود لأمي وأبي

يحكي الشيخ سعد العتيق؛ فيقول: رجلٌ كُنتُ أسير معه، وأراد أن يطيبني، وكان الطِّيبُ في جيبه ويحمل دهن العود الجميل.

فأدخل يده وقال: يا شيخ، أريد أن أُطيبك. فقلت: الله يكثر خيرك، لا حرج.

فأدخل يده في جيبه، ثم أخرج دهن عود، ثم لما نظر إليه أعاده في جيبه مرة أخرى. قلت له: طيبني من هذا. قال: لا. قُلتُ: أريده. -يقول الشيخ سعد: أنا ظننتُ أن هذا رخيص، وهو يبحث عن الأجود- لكن ما حدث هو العكس، فالذي أخرجهُ هو الغالي والنفيس، وأغلى ما استطاع أن يشتريه.

ثم أخرج طيبًا -لا بأس به- ثم طيبني. فقُلتُ: والآخر؟ قال: ذاك الطيب للحية أبي ولرأس أمي. اشتري يا شيخ التولة بـ ٢٠٠٠ أو ٢٥٠٠ ريال إلى ٣٠٠٠ ريال. أبحث عن أطيب الطيب لأني أطيب لحية أبي بعد كل وضوء خمس مرات في اليوم. حتى لا يشتم الناس من أبي إلا أزكى طيب.

وإذا رأيت أمي تصلي وهي جالسةٌ؛ فلما تفرُغ من الصلاة، أمسح بميل الطيب على رأسها، حتى يفوح الطيب الجميل، ويستنشقه كل من يستطيع أن يقرب إليها.

قبلت رأسه وقلت له: هنيئا لك.

مفاهيمك في عيد الأم خاطئة

دقائِقٌ بِرٍّ جميلة. بعض الأبناء يهتم بثوب أبيه، ويهتم بطيب أبيه، ويهتم بأدق الدقائِق لأبيه، وكذلك لأمه؛ ينظُر في لباسها، وفي مجلسها. أليس من العار ومن الخطأ الكبير أن يبدو الأبناء في حالٍ أجمل من حال الآباء والأمهات؟ أليس من ضعف الحياء من الأبوين أن يبدو الابن في تمام زينته، والمرأة في تمام زينتها؛ أما الأب والأم في حياةٍ رَثَّة.

معاشر الأبناء؛ طيبوا لِحى الآباء ورؤوس الأمهات؛ فوالله لا يستحق الطيب إلا تلك اللحية وذاك الرأس؛ وتفهّموا عيد الأم بشكلٍ صحيح. رب ارحمهما كما ربياني صغيرا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: