شاب سعودي في معمعة القبلية وعلاقات «القهوة»!

أنهيت قبل أيام قراءة هذه الرواية التي قسمها الكاتب إلى ثمانية فصول، ابتداء من «جمرة الفيض» وانتهاء بفصل «فحم عاطل»، وأعتقد بأن الكاتب كان ذكيا جدا في اختيار هذا العنوان، فهو عنوان رومانسي نحبه، ونحب أن نتقاطع معه، لكننا منذ أول لحظة لقراءة الرواية نشعر بغواية هذا العنوان، فإن تقع عينيك على كتاب بهذا العنوان، فإنك للوهلة الأولى ستتأكد بأنك أمام نص شاعري، أو عمل رومانسي عاطفي، لكن الواصل كتب روايته بعكس ذلك تماما، فالعنوان لدى تماسه مع المضمون كان يحمل خداعا رهيبا، حتى إن كنا نرى تكرار فكرة «القهوة» في العمل لكني أعتقد بأن هذا ليس مسوغا أساسيا ومقنعا بأن يأتي العنوان بهذا الشكل، إنما كان ثمة حرفية في اختيار العنوان.

الرواية تتحدث عن شاب يدعى «عبدالرحمن» يعيش في مدينة الرياض بين أصدقائه وأختيه الوحيدتين، فهو ابن لأسرة تتألف من أم وأب وفتاتين فقط، تتداعى عليه الحياة، وتستمر حياته بكثير من الأشياء التي ربما يتعاطاها جل الشارع الشبابي في المملكة.

وأبرز ما يحمله هذا العمل فكرة الأخوة، فمنذ أن أنهيت الرواية وثمة سؤال عملاق يلح علي كثيرا: هل علاقة عبدالرحمن بأختيه علاقة واقعية معاشة في مجتمعنا؟ وكم لدينا مثل «عبدالرحمن» في حياتنا؟ فعلاقته بأختيه علاقة صداقة قبل أن تكون أخوة، فهذه العلاقة هي الشيء المثير والغريب في النص، فالكاتب أراد أن يوصل لنا أن العلاقة الصحيحة التي يجب أن يعيشها الأخ مع أخته علاقة تتسم بمفهوم الصداقة قبل كل شيء، بعكس ما هو معاش في مجتمعنا، فنحن نعيش أزمة جفاف في علاقة الأخ بأخته، فالبطل في العمل نجده يذهب بأخته إلى أحد المطاعم ليتناولا وجبة الغداء أو العشاء، أو يذهب بها إلى أحد المقاهي لتناول القهوة مثلا، وتجد البطل يتحدث مع أختيه بكل أريحية بعيدا عن الجفوة التي تعاش في المجتمع الآن، فهو يحدثهما عن همومه، عن مشكلاته، عن أخطائه البسيطة التي يقترفها، تلك الأخطاء التي لا يمكن أن يقولها الشاب السعودي لأخته في الوقت الراهن، إنه بكل بساطة يعرف كيف ولمن «يفضفض».

وحاولت الرواية أن تغربل تلك العلاقة الجافة بين الأخ وأخته في مجتمعنا، وقفزت على كل القناعات التي رسختها فينا تربيتنا – أيا كانت أسبابها ـ تجاه علاقة الأخ بأخته، فالمجتمع السعودي تربى على أن الأخ في مرتبة أعلى من الأخت، وأن الشاب يجب أن يضع لشخصيته أطرا لا يمكن للأخت أن تتجاوزها، لأن ذلك يعد نقصا في شخصيته، فهذه الرواية تعلمنا كيف يمكن أن نعيش مع أخواتنا؟ وكيف نتعامل معهن؟ ولماذا نحن إلى هذه اللحظة لم نستطع أن نفهم بأن الأخوة رباط أقوى من أي شيء آخر؟.

وأستطيع أن أقر بأن التفاوت العرقي بين شخصية الأب «القبلي»، والأم «الحجازية» في هذا العمل، هو واحد من أسباب هذه العلاقة بين الإخوة، لكن حتى إن كان هذا سببا من الأسباب إلا أننا لا يمكن أن نعمم التجربة على كل الأسر التي تعيش وفق هذا التفاوت العرقي، فالكاتب أراد أن يرمي لنا بسبب منطقي في هذه العلاقة، ونجح في ذلك، لكن لا أفترض في كل الأحوال أن يكون هذا التفاوت سببا رئيسيا في تلك العلاقة الرائعة.

صحيح أن الرواية طرحت بعض الأفكار التي لا يمكن أن يستوعبها الفرد السعودي كفعل منطقي داخل الحياة المعاشة، مثل أن يعيش صديق عبدالرحمن مع أسرته فترة من الزمن دون أي صعوبات، لكن هنا يمكننا أن نطرح سؤالا جديدا: هل ما حدث داخل العمل كفعل غير منطقي من الأشياء اللا معاشة في حياتنا؟ وكيف يمكن أن نتخيل حياة كهذه حدثا حقيقيا ربما يحصل فيما بعد؟

لذا كان «الواصل» جريئا في طرح مثل هذه الفكرة، وربما كان مبدعا حينما كتبها لنا بطريقة توحي لنا من أول وهلة بأنها منطقية، زيادة على ذلك تلك اللغة البسيطة والجميلة التي كتب بها روايته، إذ عرف كيف يأسر قلب القارئ، ويمسك بتلابيبه منذ أول صفحة، ولا يطلقه إلا في نهايتها.

أكتب الآن وأنا أثق ثقة مطلقة بأنني لست ناقدا، لكنني أكتب بانطباعية صرفة، ففي النهاية لم استسغ أبدا ما كان يحدث بين البطل وأحد شخصيات العمل ويدعى «ناصر» من شذوذ داخل العمل، لكن لا يجب أن أنكر مثل هذه التصرفات، فربما نستطيع أن نغفر للكاتب هذه المسألة حينما نعرف بأن حياتنا بهذا الشكل، بهذه الطريقة، على الرغم من أننا دائما ما نحاول تجميلها كثيرا.

من جماليات هذه الرواية، أنها تعطيك الحدث بصورة بسيطة خالية من التعقيد والتشويش، تعطينا الصورة الجميلة للحدث غير المتكلف الذي ربما نقرؤه في كثير من الأحيان، فالحدث يجعلنا نعرف كيف يسير منذ البداية، ليست بتلك الصورة التي تعطينا إياها بعض الأعمال التي نشعر بصعوبة في التعاطي فيها مع الأحداث، فهذه البساطة التي كتب بها الواصل روايته أعطتها جزءا كبيرا جدا من الجمال، ولم نر التكلف الكثير في اللغة، إنما هي لغة سهلة في متناول اليد، لكنها في الوقت نفسه لغة أدبية رائعة، إنها ببساطة لغة الأدب، ومنذ أول صفحة تشعر بأن الكاتب يعرف جيدا قدراته اللغوية، فلم يحاول أن يتعالم على القارئ أبدا.

في النهاية أستطيع أن أقول إن رواية «وردة وكابتشينو» للروائي أحمد الواصل رواية تحمل في جنباتها الكثير من الأشياء التي تلامسنا، تعرينا، تعطينا الصورة الحقيقية لما ينبغي أن نكون عليه، دون وعظ، ودون نصائح، إنها رواية تعلمك كيف تعيش وكيف يمكن أن تستمتع بأذنيك، لتعرف بأن لأذنيك عليك حقا، حينما يتحفنا بكم هائل من الروائع الموسيقية، بلغة رشيقة تشبه أولئك الفتيات اللاتي يبرعن في الرقص وسط الماء

بقلم: علوان السهيمي

هنا تقرأ أيضًا: لماذا لا يعرفون «رجاء عالم»؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: