خطبة: ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم — مكتوبة

شارك عبر:

خطبة الجمعة مكتوبة , ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم

وفي رحاب قول ربنا العظيم ﷻ ﴿ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم﴾؛ نُقدِّم لكم اليوم خطبة الجمعة القادمة، مكتوبة ومُنسَّقة ومُقسَّمة إلى المقدمة والخطبة الأولى والثانية.. وتركنا لكم حرية اختيار الأدعية المناسبة.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله ﷻ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ﷻ ولزوم طاعته: لقوله ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

إن الاعتصام بحبل الله المتين طريق النجاة في الدارين، وهو طريق الاسلام الذي ارتضاه الله ﷻ لعباده المسلمين، وهذه نعمة عظيمة من الله ﷻ لعباده أنه رضي لهم هذا الدين وأمرهم بالاعتصام به، قال ﷻ: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ﴾. فقد دلت ﴿منْ﴾ على هذا المعنى في قوله ﷻ: ﴿ومنْ يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم﴾، ومنْ عرف الصراط المستقيم في حياته وعاش فيه عرفه الصراط يوم القيامة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون،قال ﷻ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون إلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

فمن يتعلق بأسباب الله ويتمسك بدينه وطاعته وأمره ونهيه فقد وفقه الله لطريق واضح، ومحجة مستقيمة غير معوجة فينال بذلك رضا الله ﷻ في الحياة الدنيا، ويفوز بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

والحق أن الاعتصام وعدم التفرق واجب على كل مسلم ومسلمة لقوله ﷻ: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾. ذلكم لأن الاعتصام الذي هو التمسك بحبل الله المتين هو السبيل الذي يتوصل به إلى تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، وهو علامة من علامات التقوى التي ننال بها الكرامة عند الله ﷻ قال ﷻ: ﴿إِن أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، والتقي هو من عرف فلزم طاعة ربه في السر والعلن.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» ~ رواه مسلم.

وقد فسّر النبي ﷺ في هذا الحديث معنى الاعتصام بقوله ﷺ «وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» فهذا نص لا يقبل التأويل، ودلالته على الاجتماع والتعاون والتآلف ونبذ العداوة ظاهرة من منطوق الحديث الشريف.

ولقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في التعاون المكين الذي يأبى التفرق والتشرذم، فصاروا بذلك الجيل المثالي في الوجود؛ لأنهم اعتصموا بهدي الله ﷻ فنالوا وسام الرضا من ربهم ﷻ -رضي الله عنهمورضوا عنه-، ومن أكرمه الله ﷻ بالرضا فإنه ينبذ الفرقة والمخاصمة، وقد كان شعارهم قوله ﷻ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

وعنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: يا مَعْشَرَ القُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، فإنْ أخَذْتُمْ يَمِينًا وشِمالًا، لقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالًا بَعِيدًا. ~ صحيح البخاري.

إن طاعة الله ورسوله قد تجعلنا في أمن وأمان من الوقوع في التنازع المؤدي إلى الجبن والهلع والخوف والوهن.

لذلك ينبغي علينا أن نسير على نهجهم، وننسج على منوالهم في هذه الأيام لنكون خير خلف لأولئك الأطهار منآل البيت وإخوانهم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين الذين ساروا على الصراط المستقيم وابتعدوا عن السبل التي تفرقهم وتبعدهم عن الطاعات لرب الأرض والسموات قال ﷻ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إنها وصية جامعة ومانعة من الله ﷻ لعباده تحفظهم من التفرق واتباع سبل الشيطان، قال ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ» ~ رواه مسلم.

فحريٌ بكل مسلم أن يتقي الله ﷻ في نفسه وأهله ومجتمعة ووطنه لأن كل مسلم على ثغرة فلا يؤتين من قبله في مقامه الذي هو فيه، فالواجب يحتم علينا اليوم أن نعتصم بدين الله ﷻ لنصبح ربانيين في لسان حالناوفي كل أحوالنا، قال ﷻ: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.

وهنا: خطبة عن التواضع وذم الكبر — مكتوبة

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، يقول الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

ومما لا ريب فيه أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو مما تعرفه العرب من لسانها، وقد جاء النهي عن التفرق في الآية صريحاً؛ لأن القرآن الكريم يخاطب الخاصة والعامة، ولذلك يجب على كل المسلمين في أصقاع الدنيا أن يكونوا متآلفين في ضوء قوله ﷻ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

هذه الآية التي نتلوها في صلواتنا وفي غيرها من عبادتنا، فإن النون في الآية هي نون جمع المسلمين الذين يتوجهون بالصلاة كل لحظة من لحظات الزمن، فهم أولى الناس بالتمسك بهدي الله ﷻ في السراء والضراء وخاصة في هذه الأيام التي يعيشها العالم.

فمن نعم الله علينا أن جعلنا امة واحدة تتراحم فيما بينها وتعتصم بكتاب ربها وسنة نبيها مما جعلها بعيدة كل البعد عن الفرقة والاختلاف والتنازع فالمسلم لا يفجر ولا يعتدي على أموال الناس ودمائهم وأعراضهم ولا يعمل على تخريب الممتلكات العامة والخاصة ويقطع الطريق على أهلها وهذه القيم هي التي شكلت عناصر قوة الأمة وعزتها وهيبتها وسر فوزها في الدنيا والآخرة.

إن المسلم ثابت على الاعتصام بحبل الله ﷻ مهما اختلفت الآراء وتباينت وجهات النظر فهو على بينة من أمره يهتدي بكتاب الله ﷻ وبسنة نبيه المصطفى ﷺ، ففيهما تمحيص للحق والباطل، وتمييز الخبيث من الطيب قال ﷻ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، فهذا هو الطريق الصحيح، والمنهج القويم، والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه يحافظ على وحدة الكلمة والألفة والمحبة واجتماع الصف ويقطع السبيل على المتربصين وكل منْ يسعى لبث أسباب الفرقة والخلاف.

واللهَ ﷻ نسألُ أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وصَلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد -يا إخواني- فقد قدَّمنا لكم خطبة الجمعة المباركة هذه؛ في رحاب قول الله ﷻ ﴿ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم﴾. وهذه أيضًا خطبة عن النزاهة ومحاربة الفساد وأهمية المحافظة على المال العام وعدم الاعتداء عليه. نسأل الله الحليم الكريم ﷻ أن تنتفعوا بكل ما نقدمه لكم من خطب ودروس عبر موقع المزيد.كوم.


شارك عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top