خطبة: لا تحقرن من المعروف شيئا «مكتوبة» كاملة

خطبة: لا تحقرن من المعروف شيئا

ونواصل تقديم الدُرر المنبرية؛ وهذه خطبة جمعة مكتوبة ومشكولة الآيات؛ تحت عنوان: لا تحقرن من المعروف شيئا. وهو جزء من الحديث النبوي الشريف.. والذي سنُلقي الضَّوء عليه وعلى معانيه ومقاصده عن كثْب في هذه الخطبة المبارَكة؛ فتابعوا القراءة يا أكارِم.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد أيها المبارك، جميل أن تكون أعمالك عظيمة، رائع أن تكون همتك عالية.

يحب الناس أن يطير ذكرهم في العالمين، ولكن ليعلم الجميع أن الأعمال عند الله قدرها ليس بضخامتها، وثوابها ليس بقدر قوة ضجيجها، ومنزلتها ليست بقدر صيتها بل بما يقر في قلب صاحبها، وبقدر أثرها عند رب العالمين.

رُب عمل محتقر وأمر يسير ومشروع صغير يبلغ عند رب العالمين مبلغًا عظيما في حين أن غيره لا يبلغ مداه.

رب عبد لا يؤبه له وامرئ لا ينظر له له عمل خفي أو جلي بسيط يسير يبلغ ذلك العمل بصاحبه أعلى المنازل.

قصة المرأة السوداء

وفي شواهد السيرة والتاريخ من ذلكم أمثلة تطول فدونكم من ذلك اليسير، مشهد حفظه التاريخ، وسطرته لنا دواوين السنة، حدث غاب، ولكنه مشهد غير عابر إنها امرأة سوداء، علاها شيبها وتجعد وجهها واحدودب ظهرها.

اختلف حتى في اسمها فقيل إنها أم محجن، وقيل غير ذلك، وما أدراك هذه المرأة.

امرأة ليس لها نسب تتعزى به، ولا قرابة تنتصر لها، لا تملك شيئا من زخارف الدنيا ومتعها، لا متاع ولا جاه ولا ذرية، قد صُغر أمرها، وقد صغر أمرها عند الناس فلم تكن محط أنظارهم، ولم يكن اسمها تلوكه الأفواه، وتتداوله الألسنة.

لكن ذكرها خلد بعد موتها أعواما ودهورا لا لسابقاتها في الإسلام، ولا لأنها قدمت عملا كبيرًا يذكر ويشكر وإنما بقي ذكرها بسبب عمل صغير ربما احتقره بعض الناس.

أم محجن.. خادمة مسجد رسول الله

عمل هذه المرأة أنها كانت تقم المسجد، تلتقط الخرق والقذى والعيدان من المسجد، ولم تكن تطلب من أحد مقابل هذا العمل جزاء ولا شكورا.

نعم، كم هو صغير هذا العمل في نظر الأعين ولكنه عمل قد أهم هذه المرأة السوداء حتى فرغت له وقتها واستفرغت لأجله طاقتها فأصبح أمرًا معتادًا أن ترى الأعين هذه المرأة تلاحق ما يند من الناس أو تلفظه الريح من أذى داخل المسجد تجمعه في يديها أو في خبائها وترميه خارج المسجد.

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل

داومت هذه المرأة على عملها الصغير وأحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل.

حتى ودعت هذه المرأة الدنيا وفارقت الحياة ليلا، ولم يكن خبر وفاتها نبأ كبيرا، فيتسارع إليه الناس وإنما بادر بعض الصحابة بتجهيزها، ثم الصلاة عليها ودفنها ليلا.

مضت أيام ورسول الله ﷺ لا يرى رسم هذه المرأة، فسأل عنها بعد ذلك اهتمامًا بها وإقبالا لشأنها، فأخبر بوفاتها وقيل: يا رسول الله إنها ماتت، فقال «أفلا كنتم آذنتموني»، فكأنهم صغروا أمرها، فقال ﷺ «دلوني على قبرها».

فدلوه فمضى ﷺ، ومضى معه جمع من الصحابة حتى وقف على قبرها، فصلى عليها ودعا لها بالمغفرة ثم مضى.

هنيئا لهذه المرأة صلاة رسول الله ﷺ عليها، هنيئا لها، صلاة من كان صلاته نورا ورحمة وضياء.

هنيئا لها هذا الجزاء الذي تمتد نحوه الأعناق، كيف لا؟ وقد قال ﷺ بعد ذلك «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم».

إنها رسالة إلى كل مؤمن يرجو رحمة ربه والفوز برضوانه ألا يحتقر من العمل شيئا، فرب عمل صغير صغرته الأعين كان سببًا لرضا الرحمن وللفوز بالجنان.

وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم

معشر الكرام الجنة ليست مقصورة على من باعوا أرواحهم، وبذلوا أموالهم في سبيل الله.

مغفرة الرحمن ليست وقفا للعباد والنساك والصوام والقوام، بل رحمة الله وجنته تدرك ربما بأعمال صغيرة في أعين كثير من الناس ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.

تأمل هذه الأحاديث وهذه الآثار وانظر كيف وصل أصحابها للسعادة وللمتعة الأبدية بأعمال يسيرة.

حدث أبو هريرة عن نبينا ﷺ أنه قال «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له فغفر له» متفق عليه.

وعند أبي داود «نزع رجل لم يعمل خيرا قط غصن شوك عن الطريق إما قال كان في شجرة فقطعه فألقاه وإما كان موضوعا فأماطه فشكر الله ذلك له فأدخله الجنة».

نعم، هو غصن شوك لكنه كان سببًا في ميلاد جديد وغفران الذنوب ودخول الجنة، وذلكم هو التوفيق.

وحدث أبو هريرة أيضا عنه ﷺ أنه قال «بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها، فاستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به» فنزعت موقها يعني خفها، متفق عليه.

عمل يسير وأجر كبير

وهذا رجل من الأمم السابقة نبأنا خبره نبينا ﷺ فقال «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئا، قال لا، قالوا: تذكر، قال: كنت أداين الناس، فأمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، فقال الله: تجاوزوا عنه»، متفق عليه.

وفي لفظ عند مسلم «قال الله: نحن أولى بالتجاوز منك تجاوزوا عن عبدي».

وإذا كانت هذه أخبار أمم غبرت، فكيف يكون هو جزاء أعمال أمة محمد الذين اختارهم الله واصطفاهم وفضلهم على العالمين.

عباد الله وفي حياة الأنبياء خبر عجاب من يسير الأعمال، بلغت بهم سامق المنازل، وأعلى الدرجات.

خليل الرحمن خلد الله كرمه إذ أكرم ضيفان بعجل سمين «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».

كليم الرحمن موسى ابن عمران بقي خبر سقيه لامرأتين في مدين يُتلى إلى آخر الزمان.

عيسى ابن مريم كان نافعًا للناس يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي السقيم ويحيي الموتى بإذن ربه فجعله ربه مباركا أينما كان.

أما سيد ولد آدم ﷺ فحدث عن أعمال الخير حتى قبل بعثته، فخديجة حين حل به ﷺ ما حل، ذكرته بأعمال بر يصنعها، وأن ربه لن يخيبه جزاءها تحمل الكل وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق.

عمل الخير نجاة في الدنيا والآخرة

يا كرام، ليكن هم عمل الخير موجودا لدينا في كل زمان ومكان، فربما كان العمل الذي ستنال به مرضاة ربك لم يأتي بعد.

لا تحتقر طاعة، فالعمل اليسير ربط بالعمل اليسير، بشر بلال بالجنة «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة».

قال بلال: يا رسول الله ما عملت عملا أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.

لا تُحقرن من المعروف شيئاً

لا تستصغر عبادة، فمجرد السلام وإلقاؤه ربما كان بوابة دخول الجنة، لا تستقل عملا، فالمصطفى ﷺ قال «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شِسع النعل، ولو أن تنزع من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن  تؤنس الوحشان في الأرض». رواه أحمد بسند جيد.

والوحشان الغريب وإيناسه أن تلقاه بما يؤنسه من القول والفعل الجميل. قاله الخطابي رحمه الله.

لا تقل فات الوقت ففي السنة أنه ﷺ قال «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، رواه أحمد بسند جيد.

وبعد فاملأ ديوانك واعمل جهدك فالكل مكتوب والجميع محسوب ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ | وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

والخير مهما قل فهو عند الله محبوب، وفي محكم التنزيل ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

إنها خطوات ونفقات، لكنها أوجبت لهم جزاء رب السماوات فطوبى لمن وفق، ويا فوز من بادر، ويا خيبة من حرم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

اللهم صل وسلم على محمد.

وهنا نجِد خطبة عن الوقت هو الحياة

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

فضل الكلمة الطيبة وأثرها في النفوس

أما بعد عباد الله، لأن كان العمل اليسير قد يجلب رحمة العلي الكبير فإن الكلمة الواحدة الطيبة ربما كانت سببا لتغيير حياة، الكلمة الطيبة سهلة المنال عظيمة المنوال.

بها يتقي العبد نار الله الموقدة «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».

بالكلمة الطيبة يكتب الله لعبده منازل من الرضوان والجنان، وبالكلمة الطيبة فتحت مغاليق القلوب، وعاد معرضون تائهون إلى علام الغيوب.

بالكلمة الطيبة يرفع الله العبد إلى أعلى الدرجات كما في الحديث.

بالكلمة الطيبة ألَّف البخاري صحيحة فكان أصح كتاب بعد كتاب الله.

محدث الشام البرزالي أطلق كلمة عابرة لتلميذه الذهبي فقال له: إن خطك يشبه خط المحدثين، ففعلت هذه الكلمة فعلها في نفس الذهبي فأقبل على طلب الحديث حتى عد من رؤوس المحدثين.

فرحم الله امرأ جعل من كلماته سراجًا لحياة الآخرين، ومشعلَا يضيء دروب دروب الحائرين، فنصح ووجه وأحسن القول وتلطف.

اغرسوا في نفوس أولادكم العادات الطيبة

معشر الكرام ليسعى المرء أن يغرس في نفوس أولاده نفع الناس ولو بالقليل، وأن يبعد من قاموسه عبارات تتوجه له دورها أن عليه نفسه ولا غير وتغرس فيه الأنانية كمثل قول: لا عليك إلا من نفسك، أهم شيء أنت، ما عليك من أصحابك في أي وادٍ ذهبوا، لا تشغل نفسك بالآخرين.

وهذه عبارات ربما كانت في محال وأعمال وتبعت أعمالا ذكرها الصغير فكان من شأنها أن تشعره بأنه ليس عليك إلا نفسك، ودع الآخرين في أي وادٍ هلكوا.

وبعد معاشر الأحبة، فكم تمر بنا في حياتنا في يومنا وليلتنا، في عملنا وطرقنا ومنازلنا من أعمال صالحات، ميسورات قريبات نمر بها وعليها ونحن عنها غافلون.

فيا مفرطا في حسناته ها هي أوجه المعروف مشرعة، مشرعة أمامك فاقتنصها واسع للآخرة سعيها.

اجعل شعارك في صباحك ومسائك لا تحقرن من المعروف شيئا، لا تبخل على نفسك ببذل ابتسامة أو دفع هدية أو رفع أذية أو إلقاء سلام.

لا تستقلل ثواب الشفاعة الحسنة وقضاء الحوائج وحل المشاكل، لا تزهد في قربات وطاعات من مواساة مكلوم، وتعزية مصاب، وتشييع جنازة، وعيادة مريض، وإنظار معسر، بل وإدخال البهجة في النفوس فلست تدري، فلعل ذلك العمل وإن كان يسيرًا تكون به ومعه سعادتك، ونجاتك في أخراك وبقاء ذكرك في دنياك.

اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، اللهم صل وسلم على نبينا محمد.

وأقِـم الصَّـلاة..

وبعد؛ إخواني الخطباء، قدَّمنا لكم أعلاه خطبة جمعة عن «لا تحقرن من المعروف شيئا»؛ والتي ألقاها l د. منصور الصقعوب -جزاه الله خيرا-. وختامًا أترككم مع خطبة قصيرة مكتوبة عن الجليس الصالح والجليس السوء. نسأل الله لنا ولكم كل توفيق وسَداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: