خطبة عن فضل طلب العلم

نعم؛ إن خطبتنا اليوم ستتمَحور حول أهمية التحصيل العلمي؛ وبالأحرى فهي خطبة عن فضل طلب العلم. نوفرها لكم مكتوبة ومدعومة بالآيات والأحاديث التي نسوقها إليكم مع جميل الوعظ والإرشاد آملين أن يعُم نفعه على عامَّة المسلمين.

خطبة عن فضل طلب العلم

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. عِباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم، وأحثكم وإياي على طاعته، وأحذركم وبال مخالفته ومعصيته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إقرارًا بربوبيته وإرغامًا لمن جحد به وكفر.

وأشهد بأنك يا سيدي يا رسول الله أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة وكشفت الغمة. وجاهدت في الله حق الجهاد حتى أتاك اليقين من ربك. فجزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته وخير ما جزى رسولا عن اتباعه.

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الإخوة والأحبة، يقول الله -تبارك وتعالى- في كتابه العزيز، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ | خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ | اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ | الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ | عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

تعلمون أيها الإخوة والأحبة أن هذه الآيات الكريمة من كتاب الله -تعالى- أول آية نزلت من كلام الله -عز وجل- على نبيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- النبي الأمي الذي علمه الله -سبحانه وتعالى- ووجه الأمة إلى العلم والقراءة والكتابة.

ونحن نعلم أيها الإخوة والأحبة أن الله -سبحانه وتعالى- رفع شأن هذه الأمة، وأعزها، وأكرمها، وخلدها إلى يوم القيامة بالعلم، وبالقراءة وبالتعلم.

ونحن على مقربة من عام دراسي جديد. نسأل الله -سبحانه وتعالى- فيه التوفيق لكل طلابنا. وإذ قلنا الطلاب فيتراءى مباشرة إلى الأطفال أو صغار السن. لا أيها الإخوة والأحبة، فنحن أمة علم ومأمورون بالعلم، والعلم لا حد له. طلب العلم من المهد إلى اللحد. فهذا واجبٌ علينا.

وكما أخبر -صلى الله عليه وسلم- «طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر».

كيف لا أيها الإخوة والأحبة! والله -سبحانه وتعالى- يرفع أهل العلم ويرفع أهل الإيمان. ولا إيمان بغير علم. يقول ربنا -سبحانه وتعالى- ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾. ليست درجة واحدة، وليست هي في الدنيا فقط، وليس في الآخرة؛ إنما يرفع الله -سبحانه وتعالى- أهل الإيمان وأهل العلم درجاتٍ في الدنيا ودرجات في الآخرة.

أيها الإخوة والأحبة، من أراد أن يُكرِمه الله -سبحانه وتعالى- في الدنيا، فعليه بالعلم. ومن أراد أن يكرمه الله -سبحانه وتعالى- في الآخرة، فعليه بالعلم. ومن أراد أن يكرمه الله بهما -إي في الدنيا والآخرة- فعليه بالعلم. وهذا ما ورد عن الإمام علي -كرم الله وجهه-، وقيل هذا القول للإمام الشافعي -رضي الله عنه وأرضاه-.

فالعلم الذي لا ينفع صاحبه، العلم الذي لا يتقي الله به صاحبه؛ فهذا العلم يصبح وبال على صاحبه.

وتعلمون أيها الإخوة والأحبة أول من تُسعر بهم نار جهنم والعياذ بالله -منهم- العالم الذي لم ينتفع بعلمه.

وعالم بعلمه لم يعملن — معذب من قبل عباد الوثن

العالم الإنسان الذي تعلم العلم. وطبعا نحن عندنا لا نقول علم دنيوي وعلم أخروي، لأن كل العلم هو علم نافع. من الذي علم الأمم اليوم؟ من الذي حضَّرهم؟ من الذي ثقفهم؟ من الذي أوصلهم؟ علماء مسلمون تعلموا العلم الشرعي الأساس، ثم أصبح العلم الآخر هو علم لنفع الأمة.

وفي الحديث الذي رواه الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تعلمون منه».

ولو أن الحديث ضعيف، لكننا نستنتج منه أن العالم في مسجده بحاجة إلى سكينة ووقار، والطبيب في عيادته بحاجة إلى سكينة ووقار، والمهندس في عمله بحاجة إلى سكينة ووقار، وإلا ترى اليوم الفساد في كل صنوفه بين أبناء الأمة.

العالم الذي لا يحمل السكينة والوقار هو وبال على مسجده وعلى أتباعه. الذي لا يكون في سكينة ووقار في عيادته؛ إنما هو وبال. واليوم تقول إن الطب أصبح تجارة ووبال على أصحابه وعلى الأمة. وأيضا كذلك المهندس والمحامي وكل إنسان في ميدان عمله. إذا لم يكن من أهل السكينة والوقار؛ هذا الإنسان يصبح وبال وتصبح مادة.

السعي يصبح ليس من أجل الله -سبحانه وتعالى- إنما من أجل المادة.

قال «وتواضعوا لمن تعلمون منه» وهنا نقول لأبنائنا الطلبة والطالبات اليوم: إياكم أن يتجرأوا على معلم، وإياكم أن تستهزئوا بمعلم.

وكما قال الشاعر أحمد شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيلا — كاد المعلم أن يكون رسولا.

هو خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعلمك. واليوم من قلة الاهتمام بالأبناء نرى أن الأستاذ مغلوب على أمره؛ مغلوب عليه. نحن نسمع من آبائنا -ورأينا- عندما يأخذون بنا إلى الأساتذة يقول له: اللحم لك والعظم لي.

اليوم يكون الابن هو المخطئ، وهو المسيء، وهو الذي يفعل ما يفعل بالمعلم؛ ويأتي والده ليتجرأ على العِلم. هو تجرأ على العلم. هو بالحقيقة ما أفسد العلم، وما أفسد المعلم ولكن أفسد ولده.

لأن الولد الذي يرى أباه يدافع عنه بالباطل يوما ما سيتجرأ على أبيه، ولا يعجبه عقله، ويصبح ما يقال [دقة قديمة من الخرافات والمخرفين].

التواضع في العلم

وزاد سيدنا عمر -رضي الله عنه وأرضاه: ولا تكونوا جبابرة العلماء.

رضي الله عنهم وأرضاهم، ما تركوا لنا شيء إلا علمونا إياه.

النبي عليه الصلاة والسلام أمر الطالب والمتعلم أن يتواضع للمعلم. أيضًا أمر المعلم ألا يكون جبار. وأيضا أنت أيها المعلم لا تكن جبارا على الطالب. كم من أستاذٍ وكم من معلمٍ وكم من دكتور اليوم يُفشِل الطالب ويرسبه دون أي سبب! يستحق علامة النجاح لكن هذا معلم جبار، هذا إنسان يريد أن يُفسِد. وكم تسمع من كلامات القدح والذم على بعض المعلمين الذين يُفشِلون الطلبة من غير سبب.

إذًا، الذي يتكبَّر على المتعلم؛ هذا إنسان جبار، ولا يقوم قائمة للعلم.

وهنا ندعوكم أيها الطلاب، أيها الإخوة والأحبة أن تنتبهوا لتبدأ عامك الدراسي من أوله. فليس هناك إنسان ليس عنده ذكاء وليس عنده إمكانيات. لكن العاجز اليوم عنده إمكانيات؛ ولكن إذا جَدَّ واجتهد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. لي ولكم فيا سعادة التائبين المستغفرين؛ استغفروا الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله؛ اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال وفي كل حين.

يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه وأرضاه ورحمه الله-:

أَخي لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ — سَأُنبيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ
ذَكاءٌ وَحِرصٌ وَاِجتِهادٌ وَبُلغَةٌ — وَصُحبَةُ أُستاذٍ وَطولُ زَمانِ

يبين لنا الشافعي، وما أدراك ما الإمام الشافعي الذي بشر به رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ هو الذي يعلمنا طريق العلم، كيف تصل إلى العلم، كيف تكون عالما جهبذا في حياتك.

ذكاء: يجب أن يكون هذا العقل يتحرك في العلم؛ لا في الأذية. اليوم الطالب عندما يدخل إلى المدرسة همه الإيذاء، همه أن يصل إلى أن يُرضِخ المعلم أو المعلمة. إذًا تفكيره يصب ميدان الأذى. هذا ذكاء، واللص ذكي. إذًا الذكاء الذي تحمله وظِّفه في العلم، في طلب العلم.

وحرص: أن يكون حريص، لا يترك ساعة، لا يهرب من المدرسة، لا يترك المعلم.

وَبُلغَةٌ، وَصُحبَةُ أُستاذٍ وَطولُ زَمانِ: فالعلم -كما قلت أيها الإخوة والأحبة- من المَهد إلى اللحد. كلما حصل الإنسان على درجة يجد درجة أعلى منها.

أخذ البكالوريا، هناك الليسانس؛ أخذ الليسانس، هناك الماجستير؛ أخذ الماجستير، هناك الدكتوراه؛ أخذ الدكتوراة، هناك أستاذ دكتور؛ بروفيسور.. الخ

العلم لا نهاية له. وترى كبار العلماء وهو يُحَصِّل مراتب العلم.

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه. انتبهوا أيها الأخوة والأحبة لأبنائكم، وتابعوهم في مدارسهم، واحرصوا أن يكونوا من المتفوقين في حياتهم. فالمسلم هو الأول في حياته، وهو الأول في دنياه وآخرته.

الدعاء

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزِدنا علما.

اللهم ارزقنا علما نافعا ورزقًا طيبًا وعملا صالحا متقبلا.

اللهم ارفع درجاتنا في جنات النعيم يا أكرم الأكرمين.

عباد الله؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعمه يزدكم واستغفروه يغفر لكم؛ وقوموا إلى صلاتكم يرحمني ويرحمكم الله.


هذه خطبة عن فضل طلب العلم -مكتوبة- لفضيلة الشيخ فايز الحمصي؛ من جامع لقمان الحكيم. فجزاه الله كل خير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى