خطبة عن ذكر الله وأثره في ترقية النفس والقلب

نوفِّرُ لكم هنا خطبة عن ذكر الله -جلَّ شأنُه وتعالى ذِكرُه-؛ جُلُّ كلامنا فيها حول الذِّكر؛ حقيقته وأثره في ترقية النفس. وهذه الخطبة معززة بآياتٍ من كتابه -سبحانه- ومن سُنَّة نبيِّه ﷺ.

قد توَد تسميتها: خطبة عن ألا بذكر الله تطمئن القلوب، أو خطبة عن فضل الذكر. هذه مُسمّياتٍ لكن المنبر والمسجد هو المحَك الحقيقي للإلقاء. فهو ملتقى الخطباء الذي يُحدِّد قوَّة كُل إمام وخطيب.

إنَّ صيد الفوائد من كل خطبة يجعل الإمام والخطيب يخرج بمادة علمية قوية ومفيدة وسهلة الإلقاء وكذلك الاستيعاب من المأمومين والمُصلّين؛ فاحرِص على اقتناص كُل ما يُثري خطبتك.

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أثنى على الذاكرين والذاكرات وأعد لهم أجرًا عظيما؛ والصلاة والسلام على نبيِّه ومُصطفاه ورسوله الأمين، سيد الذاكرين وإمام المُتَّقين.. وبَعْد؛

يقول الله -عز وجل- في القرآن الكريم (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، ويقول -تبارك وتعالى- (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك).

أيها الأحبة؛ إن من أعظم النعم التي يُكرَم بها الإنسان المؤمن أن يكون ذاكرا لله -عز وجل-، لأن الذكر أثر من آثار المحبة.

وجاء في الحديث القدسي (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم).

بشارة عظيمة من رب العزة -تبارك وتعالى- للذاكرين، للمعظمين رب العالمين، في حديثهم وفي كلامهم وبقلوبهم، وعلى ألسنتهم وفي حالهم، وفي حركاتهم وفي سكناتهم. فالذكر بالقلب وباللسان وبالحال.

عندما تصبح حياة الإنسان من أولها إلى آخرها معبرة عن محبته لله -عز وجل- ومعبرة عن تعظيمه لله -عز وجل-، من خلال التقيد بشرعه والامتثال لأوامره والابتعاد عن نواهيه، فهذا الإنسان ذاكرٌ بحاله؛ أما الذكر في القلب فحدث عنه وتكلم بما فيه من سكينة وصفاءٍ وهدوءٍ وسعة صدرٍ وانشراحٍ؛ (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

والذكر باللسان؛ تستطيع أن تكون ذاكرًا بأن تردد كلمة التوحيد، لا إله إلا الله. يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله).

وأن تذكر الله بأسمائه الحسنى؛ قال -تعالى- (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).

وتستطيع أن تكون مصليًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنت تدعو للحبيب عليه الصلاة والسلام وتذكر الله -تبارك وتعالى-.

ومن خلال الحال -كما ذكرنا- أن تكون حياتي كلها لله؛ أفكاري في سبيل الله، قوتي في سبيل الله، فهمي للحياة وقراراتي وخطواتي كلها في سبيل الله. عندها يستشعر الإنسان معنى الطمأنينة؛ (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

في الوقت الذي يعيش فيه أناسٌ كثيرون بفراغ الروح واضطراب القلب والكآبة واليأس والإحباط والخوف من الغد، بل الخوف من الساعة المقبلة؛ ماذا سيكون فيها؟ تراهُ خائِفا على نفسه، على رزقه، على ماله، على أمنه، على حياته، على تجارته، يخاف مِمن حوله من الناس، لا يطيب له طعام ولا تهنأ له جلسة ولا تصفو له حالة.

لأن الولد الصغير إذا أفلت من يدِ أُمه، والله لو جاء كل البشر يعوضونه عن فقد أمه سيبقى في قلبه غصة، وكذا أن فقد أباه؛ لله المثل الأعلى. فكيف يكون الحال إذا كان الإنسان بعيدا عن الله -عز وجل-؟ ماذا يطيب له؟ ماذا يجمل في عينه؟ وماذا يصلح أمامه من سبب للسعادة وهو بعيد عن الله -عز وجل-؟

وأُمَّةُ الرسول عليه الصلاة والسلام كلما كانت ذاكرةً معظمه لله -تبارك وتعالى- كلما أعزها الله -عز وجل-؛ قال -جل شأنه- (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

وتقوى القلوب بابٌ عظيم لمعية الله -تبارك وتعالى- ولإمدادات الله -عز وجل-؛ ومن هنا دائما يُحذِّر العلماء، بل حذرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الغفلة؛ لأن الغفلة فراغٌ في القلب وفراغٌ في الفِكر، تتسلل من هذا الفراغ المعصية والضعف والوهن والسقوط.

أما من كان ذاكرًا لله -عز وجل- فهذا إنسانٌ قلبه حاضر، إن جاءهُ الشيطان قلبه حاضر، إن حدثته نفسه ببواطن الإثم فروحه حاضرة.

بل علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله الشريف (كل أمر ذي بال لا يبدأ به بذِكر الله فهو أبتر أقطع أجذم).

أي؛ أيُّ أمرٍ في حياتك تريد أن تبتدئه ابدأهُ باسم الله، إن كان في كلامك، أو إن كان فما تكتبه، أو إن كان في قرار تريد أن تأخذ.

فإذا أراد الإنسان أن يُقدِم على مشروع أول شيء يُسَم الله تعالى ويستخير الله -سبحانه وتعالى- ويعرضه على شرع الله؛ هل هذا الأمر مقبول؟

وهذا لأي مشروع؛ سفر، زواج، تجارة، أخذ قرار معين، شراكة.. أي أمر.

فأنت ذاكِرٌ لله -عز وجل- بقلبك وبطلب الخير من الله -عز وجل- بصلاة الاستخارة، وبالذكر اللساني وبالحال. عندما عرضت الأمر الذي تريد أن تفعله على شرع الله -عز وجل- أنت ذاكرٌ لله.

وهذه نقطة مهمة جدًا، أن البعض يبادر بأمورٍ يظن أن البركة حصلت فيها بمجرد أنه ذكر الله بلسانه، والأمر نفسه غير موافق لما يحب الله -عز وجل- فلا بركة فيه؛ غير موافق لشرع الله ولا لسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام.

ولا يكفي أن يذكر الله -تبارك وتعالى- بلسانه ثم يبادر إلى أخذ قرارٍ في قطع أرحامه؛ وهذا أمر خطير لأنه يذكر الله -تبارك وتعالى- على أمرٍ يخالف الشرع.

فذكر الله -عز وجل- قلبيّ ولسانيّ وفعليّ، بأن تكون الأفعال مقبولة عند الله -عز وجل-.

الخطبة الثانية

قال -جلَّ شأنُه- (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلىٰ جنوبهم)؛ في كل الأحوال هو ذاكِرٌ لله -عز وجل- (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض)؛ والتفكُّر في عظمة المخلوقات التي تدل على عظمة الخالق هي أمر مصاحب للذكر القلبي واللساني والفعلي.

وهناك بِشارة، بل هو مفتاح يعلمنا إياه القرآن الكريم؛ عند الشدائِد اذكروا الله -عز وجل-؛ (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة) يعني في الجهاد في سبيل الله (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).

فإذا كان العَدوّ الذي جاء لقِتال المسلمين، تسلحنا أول ما تسلَّحنا بالثَّبات والذِّكر. فدونه كُل المصائب التي تُصيب الإنسان يذكر الله -تبارك وتعالى- عِندها.

وقال -سبحانه- (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)؛ (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).

دائما الذكر موجود على ألسنتهم تعبيرًا عن هذا الحب الذي بُنيَ مع ربٍ عظيمٍ -جل جلاله- في مقامٍ يحبهم ويحبونه.

ونحن في زمنٍ نحتاج فيه لذكر الله، لنثبت أمام الشدائد، وأمام المِحَن، وأمام الفِتَن، وأمام الذي يصيب أمتنا ويصيب بلدنا ويصيب أحوالنا، الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية؛ نحتاج أن نكون من الذاكرين.

هؤلاء النخبة من الذاكرين لله -عز وجل- يصطفيهم رب العزة -تبارك وتعالى- بحمايةٍ وعناية خاصة؛ ترى الناس يسقطون وهم ينجون -بإذن الله-، ترى الناس يضيعون وتراهم يمشون في الطريق الحق؛ لأن القلوب الغافلة لا تصلح للقيام والنهوض في الشدائد وعند المحن؛ أما القلوب الذاكرة فهي المستحقة لمعية الله -عز وجل- في الحفظ والإرشاد والتوجيه.

أعظم الذكر هو القرآن الكريم؛ نسأله -سبحانه- أن يكون لنا وِرد مع القرآن الكريم يوميًا في الصباح وفي المساء.

كتاب الأذكار للإمام النووي فيه كل الأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ الأذكار المتعلقة بالأوقات والأذكار المتعلقة بالأعمال: عند الطعام، عند النوم.. الخ؛ وفي الأوقات: ما تقوله في الصباح، بعد العصر، عند السحر، بعد بين المغرب والعشاء.

فلنقتني هذا الكتاب ولنحافظ على ما فيه من الأدعية والأذكار الواردة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وأقل القليل يا أخواني أن نكثر من قول لا إله إلا الله ١٠٠ مرة في الصباح ومثلها في المساء، والاستغفار ١٠٠ مرة في الصباح ومثلها في المساء، ومن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ١٠٠ مرة في الصباح ومثلها في المساء.

ويكون لنا وِرد من القرآن ولو صفحة كل يوم لا نتركها أبدا.

فإن كان كذلك؛ سُجِّلنا بدواوين الذاكرين لله -عز وجل- عند الملائِكة؛ ولا نُسجَّل في دواوين الغافلين.

الصلاة ذِكر، والنصيحة والأمر بالمعروف ذِكر، والحديث عن الله -عز وجل- في المجالس وإخبار الناس عن نعمه وكرمه ورحمته -عز وجل- هذا ذكرٌ أيضًا.

الدعاء

  • أسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا من الذاكرين، وأن يُذهِب عنا غفلة القلوب، وأن يحشرنا يوم القيامة مع أهل الإيمان الحق.
  • اللهم أروي قلوبنا خشية وعِفَّة.
  • اللهم ارونا من حوض نبيّك ﷺ.
  • أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

قدَّمنا لكُم خطبة عن ذكر الله وأثره في ترقية النفس؛ وهي خطبة الجمعة لسماحة أمين الفتوى في الجمهوريّة اللبنانيّة فضيلة الشيخ أمين الكردي؛ فجزاه الله عنا وعمَّن قرأها وانتفع بها، كُلَّ خير.

1 فكرة عن “خطبة عن ذكر الله وأثره في ترقية النفس والقلب”

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: