خطبة عن حفظ النفس من الهلاك

خطبة الجمعة لهذا الأسبوع على قدر كبير من الأهمية؛ حيث تأتيكم بعنوان: أهمية حفظ النفس من الهلاك. ولِم لا هذه الأهمية القصوى خاصَّة وأن ذلك يُعد من الضرورات الخمس.

وكيف لا يحرص المسلم على تثقيف نفسه جيدًا دينيًا وعلميًا حول أهمية حفظ النفس من الهلاك، وكذلك والحرص على تعزيز واكتساب المعلومات والمعرفة في الإسعافات الأولية من المصادر الصحيحة لإنقاذ النفس في الأزمات. خاصَّة في ظِل الجهد الكبير والإنفاق الهائل الذي تبذله الحكومات في هذا الصَّدد.

خطبة جمعة مكتوبة عن أهمية حفظ النفس من الهلاك

ونحن هنا؛ في ملتقى الخطباء وصوت الدعاة بمقع المزيد ندعوكم للاطلاع على خطبة الأسبوع هنا، والتي تأتيكم بعنوان: حفظ النفس من الهلاك. لفضيلة الشيخ د. محمد ضاوي العصيمي -جزاه الله خيرا-.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله ﷻ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله ﷺ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله ﷻ وخير الهُدى هُدى نبينا محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أهمية حفظ النفس من الهلاك

ثم أما بعد؛ فإن الله ﷻ أمر بحفظ النفس البشرية ونهى ﷻ عن إتلافها وإهلاكها، وتعريضها كذلك لما يضر بها.

قال ﷻ ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فحفظ النفس وحفظ الدين وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ العرض كلها من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة عبر أحكامها بوجوب المحافظة عليها.

وهذه النفس البشرية عُني بها الإسلام عناية بالغة في أهمية الوقاية مما يضر بها من الأسقام والأمراض، وتعريضها كذلك لأسباب الهلاك ولهذا حتى في فصل الشتاء كان عمر -رضي الله تعالى عنه- يخطب فيقول: أيها الناس إن الشتاء قد حضر فتأهبوا له أهبته من الخفاف، ثم قال -رضي الله تعالى عنه- فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه.

هذا كله من المحافظة على هذا الجسد، وكان ﷺ يُعنى عناية بالغة في وجوب بذل الأسباب التي تحافظ على هذا الجسد، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- «تداووا عباد الله، فإنه ما أنزل الله داء إلا جعل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله».

وكان ﷺ يستثني من ذلك الهرم؛ وهو الكبر، مثل هذا، لا يمكن أن يعود على ما كان عليه في حالته الأولى.

وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول «الشفاء في ثلاثة؛ كية بنار، وشربة عسل وشرطة محجم».

الطب النبوي

ولهذا من تأمل في الطب الذي جاء عن النبي ﷺ يجد أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يوصينا ببعض الأدوية والعلاجات التي ينتفع بها الإنسان، وهذا إنما جاءه بوحي من الله ﷻ حتى أفرد بعض أهل العلم كتبًا خاصة في الطب النبوي وقد ذكر ذلك ابن القيم في المجلد الثالث من كتاب “زاد المعاد”.

وبالمناسبة هذا ليس كتابًا اسمه الطب النبوي، هو كتاب “زاد المعاد” الجزء الثالث منه كان الحديث فيه عن الطب النبوي، كل ما جاء عن النبي ﷺ في العناية بأمر الجسدِ والبدنِ، وأيضاً أهمية اتخاذ الأسباب المادية.

وقبل ذلك الأسباب الشرعية المتعلقة بالدعاء والتوكل على الله ﷻ، فإن المرء يجب أن يعلم قبل كل شيء أن مثل هذه العلاجات الطارئة والأدوية الحديثة واللقاحات المكتشفة تبقى كُلها هي عبارة عن أسباب.

ولا شك في أن مسبب الأسباب هو رب العالمين ﷻ فإذا أراد الله ﷻ نفعا في أمر من الأمور أوجده وإلا لم يرد ﷻ ذلك لم يكن ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

كل مرض له علاج

ولهذا أحدق الأطباء انظروا اليوم كم مكث العالم، في أزمة كورونا حتى يكتشفوا هذه اللقاحات، وهم أيضا مختلفون متنازعون في قضية أيهم أفضل وأيهم أنفع وأيهم كذا.

هذا الذي نتج اليوم هو خلاصة العقول البشرية في العالم أجمع، أجمعوا على أن هذه هي عبارة عن لقاحات ومع ذلك هم أنفسهم لم يجزموا بأنها هي ستكون العلاج المتيقن.

يبقى أنه بلا شك أنه من بذل الأسباب لكن ليس هو العلاج المتيقن.

وهذا يظهر لنا أمران اثنان:

الأمر الأول؛ وهو: أهمية أن يرجع الإنسان إلى العلاج المتيقن، والعلاج المتيقن هو الكامن في دعاء الله ﷻ وليس اليوم في أن نتعلق بالمخلوقين والبشر، نجلس نمايز بين هذه اللقاحات، هذا أفضل وهذا أميز وهذا أحسن وهذا كذا.

ولهذا يقول في هذا بعضهم: إن الطبيب له حدِقٌ ومعرفة ما دام في أجل الإنسان تأخير فإذا انتهت أيام مدته حار الطبيب وخانته العقاقير.

هذه آجال قدرها الله رب العالمين، كم من إنسان في أزمة كورونا لم نكن نتوقع أن يكون في عداد الأموات؛ شاب مستصح قوي الجسد.

وفي المقابل أناس بلغوا أكثر من ثمانين سنة دخلوا في غرفة العناية وربما غابوا عن الوعي وإذا هم اليوم يمشون ويأكلون ويشربون وهم من الأحياء، هذه كلها مقادير يقدرها الله ﷻ.

الأمر الثاني وهو؛ أن نعلم أيضا عجز البشر عن إدراك كل ما يستطيعون إدراكه من مثل هذه العلاجات.

ولهذا النبي ﷺ أخبر يقينا أن كل مرض له علاج، هذا العلاج قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه.

ولهذا في الحديث الذي ذكرناه «إن الله لم ينزل داء أو لم يخلق داء إلا أنزل أو خلق له دواء ، علمه من علمه ، و جهله من جهله».

الدواء موجود لكن من هو الذي يعلمه؟ هو الذي يقدر الله أن يكون العلم عنده وبين يديه بما يهيئ الله ﷻ له من هذه الأسباب.

أقول ما تسمعون، واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

ونقرأ -سويًا- هنا: خطبة عن خطورة الفتوى بغير علم

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد؛ يقول الله ﷻ ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.

هذه الآية لا شك أنه يدخل فيها دخولا أوليا الكلام في أحكام الشريعة.

الفتوى بغير علم

الكلام في أحكام الشريعة دون علم هذا من الخطورة بمكان، لهذا هذا المتجرئ في الحديث عن أحكام الشريعة والفُتيا والتحليل والتحريم هذا من أسوأ الناس عند الله ﷻ.

ولهذا الله ﷻ قال ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

لذلك جعل الله التقول عليه بغير علم أعظم من هذه الذنوب كلها مما يدل على خطر هذا الأمر.

ثم أيضا ينسحب الكلام اليوم على أن يتكلم الإنسان فيما ليس له به علم فيما ليس من شأنه ولا من تخصصه.

اليوم هذا اللقاح الذي تُشجع الدولة على تعاطيه، وتدعو الناس إلى التسجيل وإلى أخذ هذه اللقاحات حتى تسير عجلة الحياة ويتحصن أكبر عدد من أفراد المجتمع لئلا يفشوا هذا الوباء ويعود مرة أخرى نجد للأسف من الناس من يخذل الناس عن المضي في أخذ مثل هذه اللقاحات.

ولو كان الأمر من متخصص لكان الأمر هينا لكن الإشكال حينما يتكلم إنسان ليس له “لا في العير ولا في النفير” كما يقولون.

وليس له به أدنى علم؛ هو لا يعرف أصلاً ما معنى اللقاح، ولا يعرف ما هي مكوناته، ولا يعرف ما هي أعراضه، ولا يعرف أي شيء عنه.

ومع ذلك يخذل الناس عن مثل هذه اللقاحات مع أن الحاجة ماسّة -كما ذكر لنا الأطباء- خاصة في كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة لئلا يؤدي الأمر إلى تضررهم وربما بعد ذلك يندم ولات ساعة مندم فيعجز عن العود مرة أخرى.

لذلك إخواني الكرام الواجب علينا نحن حتى اليوم لو كان الإنسان عالم في باب من الأبواب.

لا تتكلم فيما لا تعلم

علماء الشريعة أنفسهم ليس لهم أن يتكلموا في الطب إذا كانوا أصلاً غير متخصصين لهذا الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- سُئل عن الوضوء بالماء المشمس؛ الماء الذي يجلس في الشمس مدة لأنه جاء في حديث لكنه لا يصح، «لا تتوضأ بالماء المشمس فإنه يورث البرص» وهذا حديث ضعيف، بل بل حديث منكر، لا يصح.

ولهذا الإمام الشافعي يعرف عدم صحة الحديث فلما سئل عنه ماذا قال؟ انظر إلى فقه -رحمه الله تعالى- الشافعي أمام الأمة في زمنه، ماذا قال؟ قال: إن كرهه الأطباء كرهناه، وإن لم يكره الأطباء لم نكرهه.

ارجعوا الأمر إلى المختصين

وهذا هو الأصل أن الإنسان يحيل اليوم على أهل الاختصاص فليس للإنسان اليوم أن يتجرأ.

ثم أيضا أسوأ من هذا من يبث اليوم بين الناس أخبار كاذبة ومفبركة، واليوم بعض الأخبار التي ليس لها خطام ولا زمام بأن والله من أخذ هذا اللقاح أصبح ميت وبعضهم شُل وبعضهم كذا.

أخبار كلها لو أتيت تفتش فيها تجد ليس لها أصلاً حقيقة ولذلك هذا أيضا وقع في إثم آخر وهو قول النبي ﷺ «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع».

لكن المسلم اليوم في سلامة حينما يُحيل على من هو مختص، ويحيل الأمر إلى أهله، الطبيب يتكلم في الطب والمهندس يتكلم في الهندسة، والشرع يتكلم في الشريعة هذا هو الواجب على كل إنسان اليوم.

أما إذا أصبح الأمر فوضى، الكل أطباء والكل مهندسين والكل شرعيين إذا من من سيرجع لمن؟ كل واحد اليوم يستأثر برأيه وبعقله وهواه، ويجيش المجتمع.

فما هو اليوم موقفك أمام الله ﷻ؟ عندما تكون أنت متسبب اليوم في جناية على إنسان منعته اليوم من أخذ لقاح مع شدة الحاجة إليه ثم توفاه الله ﷻ، أو العكس دفعت إنسان إلى تعاطي علاج مثل بعض الناس اليوم عندما يأتي إنسان يشتكي إليه مرض يقول له: خذ العلاج الفلاني، خذ الدواء الفلاني، خذ كذا، هو أصلاً ليس طبيبًا.

فما موقفك أمام الله ﷻ لو مات هذا الإنسان بدوائك الذي أعطيته إياه؟

وكم حصل؟ لذلك على الإنسان أن يصمت ويكف لسانه ويحيل الأمر إلى أهله، هذا هو الواجب الشرعي على كل واحد منا.

وهنا كذلك نجِد: خطبة عن الوقاية خير من العلاج

الدعاء

  • نسأل الله ﷻ أن يرفع هذا الوباء وهذا البلاء عاجلا غير أجل.
  • اللهم إنا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيء الأسقام  يا ذا الجلال والإكرام.
  • اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
  • اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، ومكن لإخواننا المستضعفين في كل مكان، احقن ونفس كربهم وفرج همهم وثبت أقدامهم وسدد رميهم، واجعل لهم فرجا من عندك قريبا يا ذا الجلال والإكرام.
  • اللهم إننا مغلوبون فانتصر، اللهم اجعل هذا البلد أمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.
  • اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، و هيئ لهم بطانة صالحة، وجنبهم بطانة السوء يا ذا الجلال والإكرام إنك على كل شيء قدير.

وبعْد؛ فقد قدمنا لكم أيها الإخوة الأئمة والخطباء الأكارم خطبة عن أهمية حفظ النفس من الهلاك؛ نسأل الله ﷻ أن ينفع القاصي والداني منها؛ إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى