خطبة جمعة مكتوبة قصيرة بعنوان: أولويات العِلم والتعليم

خطبة جمعة مكتوبة قصيرة , أولويات العِلم والتعليم

تحت عنوان: أولويات العِلم والتعليم. نُقدِّم لكم اليوم خطبة جمعة مكتوبة قصيرة؛ نسأل الله ﷻ أن تكون ذات فائِدة عظيمة وملهمة، دين ودُنيا.

الخطبة مكتوبة؛ ومُنسَّقة؛ وتم تقسيمها إلى مقدمة، وخطبة أولى، ثم ثانية، ثم دُعاء. هذا فضلا عن الترتيب الجيد للمحتوى؛ حتى يسهل على من يريد الاستعانة بكامل الخطبة أن يقم بذلك، ومن يريد الاقتباس المجزوء منها لا يجِد صعوبة في ذلك.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [سورة الأحزاب].

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون! اتقوا ربكم، واتبعوا نبيكم ﷺ، والزموا جماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة.

إن من الأسماء التي يكثر دورانها في كلام الناس: كلمة (العودة)، وتتعلق بها أنحاءٌ مختلفةٌ؛ من جملتها: ما يتردد كثيرًا على ألسنتهم ويقرع أسماعهم هذه الأيام؛ وهو (العودة إلى المدارس)؛ مما يستنطق البصير ليلهمه الإشادة بأصولٍ عظيمةٍ ينبغي أن يستحضرها الناس يتنادون إلى العودة إلى المدارس.

منها: الإعلان بأن أعظم المطالب في التعليم هو معرفة العبد بوظيفته التي خلقه الله ﷻ لها.

فلا يتعلم الإنسان لينال وظيفةً في الدنيا فقط؛ كلا، بل يتعلم لما هو أعظم من ذلك؛ وهو معرفته بالوظيفة التي خلقه الله لأجلها؛ وهي عبادته ﷻ.

قال الله ﷻ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ | مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ | إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [سورة الذاريات].

فحجر الأساس، والمقدم في التعليم هو معرفة عبادة الله ﷻ؛ فلأجلها خلقنا الله، وبالجزاء عليها وعد وتوعد؛ فالناس فيها مؤمنون أبرارٌ، أو كفرةٌ فجارٌ، ووراء هؤلاء وهؤلاء جنةٌ أو نارٌ.

فينبغي أن نعلم جميعًا أن المقدم علينا في التعليم هو معرفة الدين الذي جاء به النبي ﷺ.

ومن هنا كانت العلوم الشرعية بالمقام الأسمى والرتبة الأعلى في المسلمين، فهم يقدمونها لأنها تعرفهم بالعبادة التي تجب عليهم، وما وراء ذلك من مصالحهم في العاجل والآجل فهي تابعةٌ لذلك.

فينبغي أن يلقن أحدنا أبناءه أن المهمة العظمى في تعلمهم هي معرفة الأمر الذي خُلقوا لأجله؛ وهو عبادة الله ﷻ.

فلا تمثل المقررات الشرعية ترفًا أو مواد زائدةً عن حاجة المتعلمين، كلا؛ بل حاجتهم إليها أعظم من كل حاجةٍ؛ فسعادتهم وشقاوتهم، وفوزهم وخسارتهم موقوفةٌ على هذه العلوم.

وأعظم محاضنها هي المدارس التعليمية، فإذا أمكن المرء أن يحصلها منها ومن غيرها – كالمساجد، وحلق فيها – فذلك خيرٌ، وإن اقتصر على المدرسة فينبغي أن يعلم أن المقدم في تعلمه العلم الذي يدله على ما خُلق لأجله؛ وهو عبادة الله ﷻ.

فأي منفعةٍ يجنيها من يتأثل درجةً علميةً عاليةً في طبٍّ أو هندسةٍ أو فيزياء أو كيمياء، وهو لا يعرف ما يجب عليه من العبادة؟! فلا يُقيم حق الله في صلاته ولا زكاته ولا صيامه ولا حجه، ولا إحسانه للخلق وبره والديه وصلته أرحامه.

فينبغي أن يعلم العائدون إلى المدارس – أبناءً وبناتٍ، آباءً وأمهاتٍ – أن المقدم في العودة إلى المدارس تذكيرًا هو الإعلان بأن المقصود من التعليم أولًا هو معرفتنا بكيفية إقامة عبادة الله وفق الدين الذي بعث به النبي ﷺ.

ومن جملة ما يذكر به: أن يعلموا جميعًا – معلمين ومتعلمين، آباءً وأبناءً، وبناتٍ وأمهاتٍ – أن من أراد سلوك هذا الأمر فينبغي أن يأخذه بهمةٍ عاليةٍ، وعزيمةٍ جازمةٍ؛ إذ لا تحصل هذه المطالب إلا بمثل ذلك.

وقد قال الله ﷻ لنبيه يحيى عليه الصلاة والسلام: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [سورة مريم: الآية 12].

وقال الله ﷻ لبني إسرائيل – في غير مقامٍ-: {خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [سورة البقرة: الآية 63].

والأخذ بقوةٍ في التعلم للأبناء والبنات هو تفريغهم لذلك، وحملهم عليه، وحثهم على ما ينفعهم فيه؛ فيفرغون لأجله، ويلاحظون بالعناية به؛ فإنهم بذلك يكونون آخذين له بقوةٍ؛ لينتفعوا في دينهم ودنياهم وآخرتهم؛ فيحرزوا بذلك قصب السبق.

أما ما آلت إليه أحوال الناس من التساهل في ذلك حتى صار التعليم فتاتًا من الملخصات! فهذا يرجع على أبنائنا وبناتنا بالضعف الشديد، والتفريط الأكيد فيما ينفعهم، ثم يجرهم لما هو أرذل من محاولات الغش والتمرس فيه واستمرائه، حتى صارت عادةً شائعةً!

بل صار في بعض البلاد والأمهات يشجعون أبناءهم وبناتهم على ارتكاب الغش في الامتحانات! وينسون قول النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا»[1].

وهم لا يغشون غيرهم؛ بل يغشون أنفسهم أولًا؛ فهم يفتقدون حقيقة التعليم التي تقربهم إلى منافعهم في الدنيا والآخرة.

فيا معشر الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، والمعلمين والمعلمات؛ احرصوا على أن تأخذوا هذا الأمر بجدٍّ وحزمٍ، وأن تعزموا لتغنموا.

ومن جملة ما يذكر به: أن يعلم الإنسان أن التعليم الذي ينفق فيه أحدنا وقتًا كثيرًا هو من جملة ما يتعلق برعاية الذرية التي استأمن الله ﷻ فيها الآباء والأمهات على الأبناء والبنات.

وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، ثم قال صلى الله عليه ويلم: «الرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها، ومسؤولةٌ عن رعيتها»[2].

فالقيام على الأبناء والبنات في العودة إلى المدارس بحملهم على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم هو من جملة القيام بهذه الأمانة.

وقد قال الله ﷻ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم].

فأدوا –أيها المؤمنون والمؤمنات– الأمانة التي استرعاكم الله ﷻ عليها، واحذروا أن تخونوا أمانة الله في أبنائكم وبناتكم.

وإن مما يراه المرء من خيانة تلك الأمانة: أن تجد الأب والأم يفرطان في إيقاظ أبنائهما لصلاة الفجر، ثم يتسارعان عند قرب وقت الدراسة ليوقظوهم! وهذه خيانةٌ عظيمةٌ؛ سيرون وبالها، ويجدون عاقبتها في الدنيا والآخرة.

وقد أعذر الله إلينا بإنذارنا؛ إذ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [سورة التحريم: الآية 6].

فإذا كان ولي الأمر يفرط في وقايتهم منها؛ بل يقربهم من الوقوع فيها؛ فأي خيانةٍ أعظم من هذه الخيانة لهذه الأمانة العظيمة؟!

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

هنا أيضًا: خطبة الجمعة عن الدخول المدرسي

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، رب السماوات ورب الأرض رب العرش العظيم، وأشهد ألا إله إلا الله فلا معبود حقٌّ سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومصطفاه.

اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.

أما بعد: أيها المؤمنون! عندما يتردد اسم (العودة إلى المدارس)، ويستذكر الناس أصولًا مهمة –من جملتها ما ذكرنا آنفًا-؛ ينبغي أن ترتفع أبصارهم، وتتعلق قلوبهم بعودةٍ أعظم، ليست هي العودة إلى الحياة، إلى الوطن، أو العودة إلى الأرض؛ كلا، وجعلها وظيفة دائمة في اليوم والليلة؛ فقال الله ﷻ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: الآية 31].

وقال ﷻ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة التحريم: الآية 8].

وكان النبي ﷺ يكرر التوبة في اليوم والليلة أكثر من مائة مرةٍ؛ فقال ﷺ: «يا أيها الناس؛ توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرةٍ»[3].

وينبغي أن نلازم هذه الوظيفة في كل يومٍ وليلةٍ؛ فما من أحدٍ إلا وهو محتاجٌ إلى التوبة:

  • فإما أن يكون قصر في حسناتٍ؛ فيتوب إلى الله من تركها.
  • وإما أن يكون وقع في سيئاتٍ؛ فيتوب إلى الله من اقترافها.

فتوبوا إلى الله جميعًا -أيها المؤمنون- لعلكم تفلحون.

لدينا هنا -كذلك- خطبة عن محاسبة النفس وثمراتها

الدعاء

  • اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
  • اللهم إنا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى.
  • اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من عبادك الراشدين.
  • اللهم إنا نعوذ بك من شر الأشرار، وكيد الفجار.
  • اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم.
  • اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس هموم المهمومين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضنا ومرضانا ومرضى المسلمين.
  • اللهم ارزق كل محروم بالذريه الصالحة.
  • اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وارزقه البطانة الناصحة الصالحة، وجنبه بطانة السوء.

وأقِـم الصـلاة..

  • [1] أخرجه مسلمٌ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
  • [2] أخرجه البخاري، ومسلمٌ، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
  • [3] أخرجه مسلمٌ، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.

وبعْد؛ فقد قَّمنا لكم إخواني؛ خطبة جمعة مكتوبة قصيرة بعنوان: أولويات العِلم والتعليم. للشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حمد العصيمي -غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين-.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: