خطبة عن المرأة المسلمة.. في ضوء سيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

ما أحوَج الأُمَّة الإسلامية إلى خُطَبٍ كثيرة بهذا الشَّأن؛ إنه شأن المرأة المسلمة؛ والتي لها مكانة ومنزلة كبيرة، بيَّنها التاريخ الإسلامي الكبير في مواضع كثيرة.

لذلك؛ وهنا، نطرح عليكم الآن خطبة عن المرأة المسلمة.. في ضوء سيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. سائلين الله ﷻ أن ينتفع بها عامَّة المسلمين، وأن ينهلوا منها جميل وعظيم الوعظ والإرشاد.

خطبة: المرأة المسلمة

وهنا نسوق إليكم خطبة ايوم؛ حول مكانة ومنزلة المرأة المسلمة؛ وذلك في ضوء سيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

فلنستعِن بالله ﷻ ولنبدأ..

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العرش العظيم على إحسانه؛ والشكر له ﷻ على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه. وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا ﷺ عبد الله ورسوله، الداعي إلى رضوانه.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

إن أول امرأة أسلمت في الوجود بدعوة سيد الوجود ﷺ هي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها التي ضربت أروع الأمثلة في إيمانها ودعوتها إلى الله ﷻ، وفي أصعب الظروف في مكة المكرمة قبل الهجرة الشريفة، فهي رضي الله عنها النبع الصافي في التربية لكل النساء المسلمات حتى تقوم الساعة.

وفي المدينة المنورة كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها منارة للعلم والتربية، فهي العالمة الفقيهة التي كانت مدرسة للصحابة والصحابيات تحل المشكلات وترد على التساؤلات، وظلت المرجع الرئيس في العلم والعمل والتعليم والتربية لتصبح القدوة للمرأة المسلمة في كل عصر ومصر، لقد كانت رضي الله عنها القدوة الحسنة لجميع النساء، بما تميّزت به من أخلاق ربانية عالية اكتسبتها من تربية صالحة في بيت إيماني كريم، فأنتج كفاءة علمية أفادت الأمة ونهضت علمياً وحضارياً وأخلاقياً.

إن من عظمة الدين الإسلامي الحنيف قد أحاطت بجميع عناصر الحياة، وكلّ فرد من الأفراد، فأعطت كلّ ذي حقٍ حقه على أساس من العدالة الربانية التي توظف الكفاءات، وتستثمر القدرات، وتراعي الإمكانات والمؤهلات، وقد اعتنى الإسلام بالمرأة عناية خاصة، وعاملها معاملةً متميزة ورفع من شأنها بعد أن كانت محط امتهان المجتمع الجاهلي، ونظر إليها نظرة تكريمٍ واعتزازٍ، بعد ما عانته من ذلٍ وعبودية، وأمر برعايتها والعناية بها بعد أن كانت تدفن حيةً قبل الإسلام، فقال الله ﷻ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.

وفي المدينة المنورة برزت المرأة المسلمة العظيمة التي تربي أولادها على الإيمان في كل مناحي الحياة، وكانت النساء المسلمات شقائق الرجال في المدينة المنورة وخارجها، وما معركة اليرموك التي وقعت على أرض الأردن المبارك ببعيدة عن كل المسلمين، فقد كان للصحابية الجليلة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية رضي الله عنها دورها الريادي، فضلاً عن كونها كانت خطيبة النساء أمام النبي ﷺ.

والحق أن الإسلام ينظر إلى المرأة أنها شريكة الرجل في الإنسانية، فقد خُلِقَا من أصل واحد، والمرأة هي: الأم والأخت والابنة والعمة والخالة والجدة والزوجة وشريكة الرجل في تحمل مسؤوليات الحياة، والنهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض، وجعلها الله ﷻ على درجة واحدة مع الرجل في التكريم، يقول ﷻ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

وقد حثّنا النبي ﷺ على بذل مزيد عناية ورعاية للبنات في التربية فقال ﷺ:«من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته كن له حجابا من النار يوم القيامة» — سنن ابن ماجه.

بل جعل الإحسان إليهن سبباً لدخول الجنة والنجاة من النار فقال ﷺ: «من يلي من هذه البنات شيئا، فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار» — صحيح البخاري.

وما كانت هذه العناية العظيمة بتربية المرأة إلا دليلاً على الأثر العظيم على المجتمع المسلم، فالمرأة الصالحة هي صمام الأمان الذي يربي الأجيال ويُنشئ القادة، ويخرّج الكفاءات، لذلك كان من الواجب العناية بها ورعايتها، وبناء هويتها بناءً صحيحاً يربطها بالأخلاق الفاضلة والقيم الربانية القويمة، لأن في ذلك بناء للأمة وحضارتها، وبذلك نخرّج أجيالاً بأخلاق عالية قادرةً على تحمل المسؤولية، وقد شبهها النبي ﷺ بالكنز الثمين الذي ينبغي الحفاظ عليه ورعايته وصيانته، فقال ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ مَا يُكْنَزُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ» — المستدرك على الصحيحين.

إن تاريخنا الإسلامي حافل بالنماذج المشرقة من نبوغ المرأة في علوم الدين، والشعر، واللغة، وأنها أخذت بنصيب وافر من الحضارة الإسلامية، وكان لها أعظم الأثر في حفظ الدين وحماية الجيل، وتقدم عجلة المجتمع الإسلامي، ومن أبرز تلك النساء العظيمات أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، فقد نشأت وترعرعت في بيت أبي بكر الصديق الأكبر رضي الله عنه، بيت ملؤه الإيمان والتقوى، وتسوده مبادئ الصدق والعفّة في بيت خير الرجال بعد رسول الله ﷺ، فكانت الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها التي انتقلت إلى بيت النبوة بعد زواجها بالنبي ﷺ فكانت الزوجة الصالحة، التي شكلت المثال المتكامل للمرأة المسلمة ذات الهمّة العالية، والقدوة الصالحة لأجيال النساء من بعدها.

وقد كان اختيار هذا المثل الأعلى لجميع النساء اصطفاءً من الله عز وجل، الذي اختار أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكمّلها بالصفات العالية، والطباع العظيمة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله ﷺ لها: “أُرِيتُكِ قَبْلَ أنْ أتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُ المَلَكَ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، فَقُلتُ له: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فإذا هي أنْتِ، فَقُلتُ: إنْ يَكُنْ هذا مِن عِندِ اللَّهِ يُمْضِهِ، ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، فَقُلتُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ، فإذا هي أنْتِ، فَقُلتُ: إنْ يَكُ هذا مِن عِندِ اللَّهِ يُمْضِهِ” متفق عليه، فكانت بسبب هذا الاصطفاء وما تميزت به من رجاحة عقل وخُلق رفيع تعلمته في بيت أبيها أبي بكر الصدّيق رضي الله ﷻ، أحب الناس إلى النبي ﷺ، وأقربهم إلى قلبه، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، سأل النبي ﷺ: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت: من الرجال؟ قال «أبوها» — متفق عليه.

وعن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنهَ قال: «كَانَتْ عَائِشَةُ، أَفْقَهَ النَّاسِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ وَأَحْسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي الْعَامَّةِ» — المستدرك على الصحيحين

وقد أقبلت على النبي ﷺ فتزينت بأخلاقه، ونهلت من علمه الشريف، فتميزت على أقرانها بغزير علمها وفقهها في الدين وكانت من أكثر الصحابة رواية للحديث الشريف، وسبباً لانتشار الإسلام، وحفظ الدين، ونشر العلم في الأمة، وقال الزهري: لو جمع علم نساء هذه الأمة، فيهن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان علم عائشة أكثر من علمهن. رواه الطبراني.

وقد زادها الله ﷻ رفعةً وشرفاً إلى شرف ارتباطها بالنبي ﷺ، بطلبها للعلم ونشره في الآفاق، وقد قال الله ﷻ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾.

بل أصبحت هي المدرسة التي نهل من معينها العذب أئمة الاسلام وفقهائه وأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة والعلماء والدعاة منذ سطوع نور الاسلام وحتى الآن، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا» سنن الترمذي.

بل هي مع كل ذلك كانت تستثمر ذكاءها وفطنتها في جميع المجالات والعلوم التي تستطيع الوصول إليها، فكانت شاعرة فصيحة اللسان بليغة الكلام، وكان فقيهة عالمة، ومحدثة حافظة، بل تعدى ذلك إلى العلوم الدنيوية فعرف عنها علمها بالطب ومداواة المرضى، وقد ابن اختها عروة ابن الزبير رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أعلم بالطب من عائشة رضي الله عنها، فقلت: يا خالة، ممن تعلمت الطب؟ قالت: كنت أسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه.

وهنا -أيضًا- نجِد: خطبة: نساء الرعيل الأول… بمناسبة اليوم العالمي للمرأة

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

عباد الله: لقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله ﷻ عنها كفاءةً استفادت منها الأمة الإسلامية، وكانت حريصة على نشر هذا العلم، فكانت تعقد مجالس العلم، وتُفتي الناس فيما أُشكل عليهم من المسائل، خاصة فيما يتعلق بمسائل النساء بل كانت تصحح لكثير من الصحابة الكرام بعض ما سمعوه من النبي ﷺ، أو تشرح لهم مقاصد ألفاظ النبي ﷺ والأحاديث الواردة عنه، بل تعدت هذا الدور إلى حثّ النساء على طلب العلم، والإقبال عليه فكانت تقول: «نِعمَ النساءُ نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» — متفق عليه.

ولا ريب أن المرأة المسلمة المعاصرة لا تقل كفاءة وقدرة عن الصحابيات والتابعيات إذا التزمت بالطريق السوي، والمنهج النبوي؛ لأن الغذاء الروحي الذي يجعل الروح تتغلب على الجسد لا يختلف، فالذي جعل المرأة في الجاهلية تصبح صالحة ومصلحة لزوجها ولأولادها ولكل من يتعامل معها بعد دخولها في الإسلام، هو نفس الزاد موجود في حياة المرأة المسلمة في هذا العالم الفسيح. فالمرأة في نظر الإسلام كريمة عزيزة، ومن واجبها أن تصون نفسها فلا تقبل أن تمتهن أو أن تستغل كسلعة تباع وتشترى، ومن واجب الأهل رعاية بناتهم وتنشئتهم في بيئة صحية آمنة بعيداً عن الانحلال الخلقي والتفكك الاسري والاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى