الفرق بين المدنية والتحضُّر

قبل عدة أشهر كنت مع أحد الأصدقاء داخل أحد المطاعم الذي كان مكتظا بالعشرات ممن يعشقون كرة القدم – ولست منهم طبعا -، وكانوا يشاهدون مباراة نهائية لكأس مهمة كما يبدو، وفي وسط ذلك الإزعاج كان شاب عربي يجلس بجانبنا ومعه صاحبه ويتحدث بصوت مرتفع عن فريقه الأوروبي وينتقد آخر ويضيف على ذلك شيئا من امتداحه للإنسان الغربي وحضارته بشيء من الانبهار.

وما هي إلا لحظات وإذا به يلتفت إلي ويسألني عن التاريخ الهجري لذلك اليوم، فقلت له: «نحن في يوم كذا»، فأعاد السؤال فقلت: «يوم كذا من شهر كذا»، فأعاد صياغة سؤاله قائلا: «نحن في أي سنة هجرية؟!»، تعجبت كثيرا لهذا السؤال، ولم يخطر ببالي أنني سأجد شابا عربيا مسلما لا يعرف في أي سنة هجرية يعيش، صحيح أن هنالك عدة جهات تتعامل بالتاريخ الميلادي وقد يكون هنالك من لا يعرف اليوم أو الشهر الهجري بالتحديد لكنه من الطبيعي أن يعرف على الأقل السنة الهجرية، حينها أيقنت من خلال حديثه مع صاحبه ومن خلال سؤاله لي بل ومن خلال هيأته أنه يرى في نفسه أنه شاب متطور ومتحضر!.

وهذا الموقف جعلني أود توضيح عدد من الأمور المتعلقة بقضية الحضارة التي تعرف – بمعناها العام – على أنها: «الأشياء والأنظمة التي ترتقي بحياة الإنسان وتسهل له سبل العيش»، أما الثقافة فلها معنيان: أحدها «المعرفة» والآخر: «أسلوب الحياة، ويشمل العقائد والأخلاق والأنظمة والقوانين والمبادئ والعادات والتقاليد وغيرها»، ويجمع كثير من الباحثين على أن للحضارة روحا وجسدا لا يمكن أن تتطور بدونهما، فروح الحضارة هي الثقافة وجسدها هو المدنية، ولهذا فإننا نجد أن هنالك من يخلط بين هذه المعاني ونلحظ ذلك في تصوره للحياة.

الإنسان المتحضر ليس ذلك الشخص الذي يلبس ملابس فخمة ويقود سيارة فارهة ويسكن قصرا عظيما بل كل ذلك يعتبر من قشور المدنية المادية التي لا تصنع جيلا متحضرا، فمدنية منزوعة الثقافة لا يمكن أن تنتج حضارة، ولذا فنحن نجد في مجتمعنا من لا يملك إلا القليل من الأنماط المدنية المادية لكنه يمتلك قدرا راقيا من الثقافة والوعي الحضاري، ولو تأملنا قليلا في بعض أولئك الأشخاص الذين يسكنون بيننا وهم من جنسيات غربية – مثلا- لوجدنا أن البعض منهم يمتلك سيارة أقل من عادية ويسكن منزلا متواضعا ويلبس ملابس بسيطة ومع ذلك فإن الغالبية منا ينظر إليه على أنه إنسان متحضر، حيث نجد لديه حرصا على اتباع الأنظمة والقوانين وأن لديه حسا أخلاقيا عاليا ووعيا بما يدور حوله من متغيرات مختلفة وتطلع للمزيد من المعرفة وحرص على الإنجاز والاهتمام بالوقت وغيرها.

ولو نظرنا إلى البعض ممن يمتلك العديد من وسائل الرفاهية لوجدنا أنه إذا اتجه لدائرة حكومية لا يمكن أن يهدأ حتى يجد له واسطة مهما كانت بساطة أمره، وإذا وقف في طابور فإنه يفكر بعمق كيف يستطيع النفاذ والتصدر، وإذا سمع عن نظام لتسيير الحياة بشكل لائق حارب وناضل من أجل إفشاله، إذا خالفه أحد في رأيه تهيج وثار، إذا مست عادات وتقاليد سيئة اشتد غضبه، وإذا أراد أن يوقف سيارته فإنه يرميها في أي مكان حتى لو كان خلف سيارات أخرى، وإذا ظهر جهاز إلكتروني جديد بادر باقتنائه من أجل الافتخار به وليس لديه أدنى اهتمام بإمكانياته التقنية، وإذا تم تعيينه على منصب استغله في توسيع نفوذه وخدمة مصالحه ومصالح مقربيه وبدا بصياغة قوانينه الخاصة البعيدة عن القانون والنظام الحقيقي، إضافة إلى أنه يحتقر ويتكبر على كل من يكون تحت إدارته، والطريف أنه متطفل إلى حد السذاجة فلا يمكن أن يقف عند إشارة حتى «يركب» بعيونه في السيارات الأخرى!

وهنالك الكثير من المظاهر التي تدل على أن البعض يعتبر التحضر مجرد مادة شكلية.

الإنسان المتحضر لا يمانع أن يمتلك شيئا من وسائل الرفاهية لكنه يعتبرها وسيلة وليست غاية، ولديه وعي بأهمية وجوده في الحياة وأنه عنصر مهم في تسيير العملية الحضارية بإنجازه ووعيه ورقيه.

بقلم: الدكتور بندر آل جلالة

ولدينا -أدناه- بعض الاقتراحات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: