العيش المشترك وتقبل الآخر

يعد العيش المشترك وإحلال ثقافة السلم من بين أهم القضايا الاجتماعية والفلسفية التي تطرحها الساحة الفكرية والثقافية إذ يعرف على انه تقبل الآخر بأي شكل من الأشكال تحت غطاء ما يسمى بمبدأ الاحترام المتبادل بعيدا عن كل المشاحنات والمضايقات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وقد تناوله المفكرون والفلاسفة من عدة زوايا فالبعض يعتقد أنه لا يمكن احلال السلم والأمن إلا بإقراره والعمل به والبعض الآخر يدرك إدراكا تاما أنه لن تستمر الحياة الا بتفعيله الامر الذي استوجب طرح العديد من التساؤلات: ما طبيعة العيش المشترك؟ كيف يمكننا تقبل الآخر؟ هل الآخر ضروري في احلال السلم والأمن العالمين؟ هل يمكننا العيش في سلام؟

الإنسان بطبعه اجتماعي فهو يسعى دائما للتكيف مع الوسط الذي يعيش فيه ومن ثم يقيم علاقات مع غيره من موجب ان طابعه الاصلي خير وذو طبيعة خيرة ولهذا يسعى إلى هذا التعايش بعيد كل البعد عن خطاب الكراهية والعنف والتحريض والهمجية المقيتة والتي تقتل الإنسان من الداخل.

ولطالما عرف هذا المفهوم عدة مراحل عبر تاريخ البشرية بدءا من الفلسفة اليونانية مع سقراط وارسطو أفلاطون مرورا بالعصر الوسيط مع سان اوغسطين وما قررته الكنيسة من إرساء قواعد وترسيخ مبادئ التسامح، حتى الى الفلسفة الحديثة مع ديكارت وكانط.

فالإنسان مهما بلغ من كمال فهو بحاجة الى العيش مع الآخر، بحاجة الى الصداقة التي تكلم عنها أفلاطون عندما يعرفها إذ يقول (الصداقة هي حالة وسطى بين الخير المطلق والشر المطلق).

فنحن لسنا خير مطلقا بمعنى لسنا ملائكة وبالتالي نحتاج إلى من يكملنا ولسنا شرا مطلقا بمعنى شياطين بينما أرسطو يجيب عن ثقافة العيش المشترك بمفهوم الصداقة التي نأخذ طابعين صداقة الفضيلة المبنية على المحبة وهي صداقة دائمة بينما الأخرى هي صداقة المتعة المبنية أساسا على المنفعة وهي غير دائمة اما في العصر الوسيط نجد تعاليم الكنيسة تقر بأنه لا مفر من احلال السلم الا بنشر ثقافة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واحترام الأديان والمعتقدات الدينية بينما يصر كانط ممثلا للفلسفة الحديثة في كتابه مشروع السلام الدائم انه يجب تقبل ثقافة الآخر والعيش معه بعيدا عن الحروب التي لا ينجر عنها إلا الخراب والدمار الإنساني، مركزا على الأخلاق كجانب عملي. مشيرا إلى الإرادة الخيرة على أنها منبع الأفعال بهدف تحقيق مجتمع راقي أساسه الخير والعدالة والفضيلة.

إضافة إلى ذلك نجد جوليا كريستيفا عندما أشارت إلى الآخر بمفهوم الغرابة؛ فالغريب في نظرها ليس هو دائما العدو ولا يمكن أن ننظر إليه نظرة احتقار واستهجان بل يجب قبوله والعيش معه بسلام بل يجب الاستفادة منه فالغريب هو من يكملنا ويجعلنا أكثر ثقافة.

في الأخير يمكننا القول أن العيش المشترك مع الآخر ليس هو اضطرار وإنما هو بموجب اختيار وبموجب إيمان؛ فالدين الإسلامي ألحّ على ذلك وفق الآية الكريمة في قوله ﷻ (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

بقلم “الأستاذ”: روماني مصطفى

ويُمكنك قراءة: مقال عن قبول الآخر

وهنا أيضًا: مشكلة غياب ثقافة تقبل الآخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: