التأتأة ومشاكل النطق عند الاطفال

صورة , النطق عند الأطفال , التأتأة
النطق عند الأطفال

“يواجه بعض الأطفال مشكلات في النطق ومنها التأتأة والتلعثم، فقد يتأخرون عن الكلام أو يعجزون أو يتلعثمون، وتنعكس هذه المشكلات على شخصية الطفل فتسبب له القلق والشعور بالنقص وأيضًا الخجل”.

ما أبرز المشكلات التي يواجهها الطفل فيما يتعلق بالنطق؟

قالت “د. زينب حمادي” معالجة النطق والكلام. تنقسم مشكلات النطق التي يمكن أن تصيب الأطفال إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي:
مشكلات اللغة:
حيث يعاني الطفل من واحدة من المشكلات الآتية:
نقص في مخزون الكلمات لديه، أي أنه لا يجد الكلمة المناسبة للتعبير أو لتسمية الأشياء بمسمياتها، مثل الطفل الذي يُطلق على كل الفواكهة كلمة تفاحة، لأنه لا يمتلك مخزون كلمات يسمح له بوصف كل نوع باسمه.

يعاني الطفل أيضًا من مشكلة في تركيب الجمل، كأن ينطق الطفل بجملة من كلمتين فقط، في حين أن أقرانه في مثل عمره يسردون محادثة كاملة من جمل طويلة.

يعاني الطفل من مشكلة تركيب الجملة من ناحية القواعد اللغوية مثل إستعمال بعض الأطفال أفعال المذكر للحديث عن الذكور والإناث مثل (هند يأكل…)، أو كالأطفال الذين يعانون من تقديم وتأخير الكلمات في الجملة فتصبح غير مفهومة للمستمع مثل (أنا أكل عايز) بدلًا من (أنا عايز أكل).

مشكلات اللفظ:
وهي مشكلات تغيير طريقة لفظ حرف معين عند الطفل بسبب ما يُعرف بـ (اللدغة)، مثل لفظ كلمة (سكينة) بتبديل حرف السين إلى ثاء فتصبح (ثكينة).
مشكلات الكلام:

وهي عدم وضوح كلام الطفل للمستمع رغم أن الطفل قادر على نطق حروف اللغة بصورة صحيحة، لكن عند وضعها في كلمات وجمل تصبح غير مفهومة وغير واضحة، كالأطفال الذين يستبدلون حرف مكان حرف في الكلمة أو الأطفال الذين يغيرون ترتيب حروف الكلمة تمامًا.
ومن مشكلات الكلام أيضًا تأثر طلاقة الكلام عند الطفل، فيصبح خروج الجمل والكلمات ثقيل جدًا وبطيء، أو ما يعرف بـ (التأتأة).

هل يفيد تواصل الطفل منذ الصغر مع المحيطين في تفادي الإصابة بمشكلات اللغة؟

أكدت أ/زينب على أنه من أهم أسباب إصابة الأطفال بمشكلات النطق والكلام في العصر الحديث هو عدم التحدث إليهم كثيرًا في أعمارهم المبكرة، ويكمن التعارض الحاصل في حياة الأطفال أنهم يتعرضون لأمور مختلفة بصريًا، وذلك لإنتشار الأجهزة الذكية والشاشات التي تعرض الكثير من الألعاب والأفلام، لكنهم لا يسمعون حصيلة لغوية بالقدر الكافي لتوصيف هذه المشاهدات البصرية.

ولتعزيز الحصيلة اللغوية ورفع القدرة التعبيرية والوقاية من إصابة الطفل بمشكلات النطق والكلام يتوجب على المحيطين بالطفل التحدث المستمر معه، حتى يتمكن من وصف وتسمية كل مشاهداته البصرية بأسماءها الصحيحة، فحتى وإن عانى الطفل من مشكلة بالنطق والكلام في البدايات، يؤدي الحديث المستمر مع المحيطين إلى التغلب التلقائي على هذه المشكلات.

عند أي عمر يمكننا القول بأن هذا الطفل يعاني من مشكلة في النطق والكلام؟

يختلف تحديد العمر باختلاف المشكلة، فيمكن الإنتظار إلى عمر الست سنوات مع مشكلات لفظ الحروف، حتى يتأكد تشخيص المشكلة، وأكدت العديد من الدراسات على إمكانية الإنتظار إلى عمر السبع سنوات لتشخيص مشكلة الطفل في تلفظ حرفي الثاء والراء، وقبل هذا العمر لا يعتبر تأخر نطق الطفل لهذين الحرفين مشكلة في حد ذاتها. وبشكل عام من الأفضل تشخيص أسباب عدم وضوح الكلام واللفظ قبل سن الستة سنوات لعلاجها مبكرًا.

هل تظهر مشكلات النطق مع أول كلمة يتلفظ بها الطفل في عمر الكلام أم تظهر بشكل مفاجيء؟

يتوقف ذلك على نوعية مشكلة النطق التي يعاني منها الطفل، فمشكلة مخزون الكلمات مثلًا ستظهر مع الطفل منذ اليوم الأول للنطق والكلام أي تقريبًا من عمر عام وأربعة أو ثمانية شهور (الذكور يتأخرون في الكلام عن الإناث).

أما مشكلة اللفظ فلن تُلاحَظ إلا بعد تقدم بسيط في عمر الطفل، أما التأتأة فيختلف توقيت ظهورها باختلاف نوعها.

هل يصح علميًا وطبيًا إمكانية عدم قدرة الطفل على الكلام حتى سن الثلاثة سنوات؟

إذا لم ينطق الطفل بكلمة حتى بلوغه سن الثلاثة سنوات فهذا دليل على الضرورة الملحة لمتابعة أخصائي للوقوف على الأسباب وبيانها، لأنه في هذه الحالة يعاني من تأخر في الكلام.

وبشكل عام بعد عمر العام وأربعة أو ثمانية شهور يتم إعطاء الطفل فرصة في حدود الستة شهور، يقوم الأهل خلالها بالحديث المستمر والمتواصل مع الطفل، ومن خلال هذا التدريب العملي يجب أن يمتلك الطفل مخزون كلمات يتراوح بين 50 إلى 100 كلمة، يكون قادرًا على فهمها وإعادة تلفظها مرة أخرى (ويجب أن يكون معدل الفهم أكثر من ذلك)، لكن إذا مرت فترة التدريب ولم تتحسن الحالة الكلامية للطفل، استدعى ذلك تدخل مباشر من أخصائي نطق للوقوف على الأسباب وتحديدها لوضع البرنامج العلاجي المناسب.

ما أهمية التواصل البصري في الوقاية من مشكلات النطق والكلام عند الأطفال؟

من المعلوم أن التواصل البصري عبارة عن مقدمة للكلام والتحاور مع الأطفال والبالغين أيضًا، فالطبيعي بين البشر قبل بداية التواصل بالكلام يكون هناك تواصل بصري أولًا، إلى جانب إستخدام إشارات اليدين ولغة الجسد كنوع من المساعدة في توضيح وشرح الموضوع المُتحدَث عنه، لذلك تظهر مشكلات التواصل البصري وأثرها في ظهور مشكلات النطق والكلام عند الأطفال المصابين بالتوحد، حيث أنهم بالضرورة يتأخرون كثيرًا في الكلام لعدم قدرتهم على تنفيذ الإجراءات المنطقية المبدئية التي تسبق التواصل باللغة مثل إجراءات التواصل البصري والفهم العقلي للموضوع قبل الحديث عنه…. إلخ.

إلى أي مدى يلعب العامل النفسي دورًا في ظهور مشكلات النطق والكلام عند الطفل؟

يلعب العامل النفسي دورًا كبيرًا في ظهور مشكلات النطق عند الأطفال، بل ويمتد تأثيره إلى نجاح أو فشل البرامج العلاجية في إحراز النتائج المرغوبة مع الطفل، ويمكن لنا تحديد الدور المحوري لحالة الطفل النفسية في ظهور وعلاج مشكلات النطق والكلام من خلال بعض الأمثلة الآتية:

يظهر لدينا ما يُعرف باسم الصمت الإختياري، حيث يقرر الطفل التوقف عن الكلام مع المحيطين رغم قدرته على الكلام والسرد بطلاقة، وإصابة الطفل بالصمت الإختياري قد يكون نتيجة لتعرضه إلى صدمة عصبية ونفسية شديدة، أو نتيجة لسيطرة شعور القلق عليه، ويظهر هذا واضحًا مع بعض الأطفال الذين يمكثون صامتين طيلة الشهر الأول من عامهم الدراسي الأول لسيطرة شعور الخوف والقلق عليهم تمامًا.

إلى جانب مجموعة أخرى من العوامل النفسية التي تُدخل الطفل في حالة من الصمت المستمر رغم قدرته على الكلام مثل عدم الثقة بالنفس، أو الخجل الزائد. وتكمن مشكلة الصمت الإختياري في أنه يؤدي إلى نقص في المخزون اللغوي ومن ثَم تظهر مشكلات في النطق وتأخر الكلام.

الكثير من الأطفال يصابون بالتأتأة لأسباب فسيولوجية خلال نموهم في البداية، ثم تتحول معهم التأتأة لتصبح نتاج عوامل نفسية بسبب ضغط المحيطين به لحثه على ضبط الكلام أو لسخرية زملاءه منه.

قد يُصاب الأطفال بأحد الإضطرابات النفسية مثل التوحد أو فرط الحركة وضعف التركيز.. إلخ، وهي إضطرابات نفسية تحتاج إلى طبيب متخصص في الصحة النفسية لعلاجها، وتظهر مشكلات النطق والكلام كواحدة من ظواهر الإصابة بهذه الإضطرابات، ولن يستقيم علاج مشكلات النطق دون علاج الإضطراب النفسي أولًا.

الأمثلة السابقة تكشف لنا بوضوح أهمية الحالة النفسية للطفل وأثرها على الإصابة بمشكلات الكلام والنطق، وبشكل عام تحديد هذه المشكلة النفسية وأسبابها وظواهرها يحتاج إلى متخصص.

إلى أي مدى يلعب العامل الوراثي دورًا في ظهور مشكلات النطق والكلام عند الطفل؟

لم تثبت الدراسات حتى الآن أية علاقة مباشرة بين جين وراثي ما وبين الإصابة بمشكلات في النطق أو الكلام. أما بالنسبة لمشكلات اللغة فقد أُثبت العامل الوراثي كسبب لعسر القراءة والكتابة.

أما التأتأة لوحظ تشارك أكثر من فرد في الأسرة الواحدة في الإصابة بها، إلا أن المثير للدهشة أن كل الدراسات العلمية التي أُجريت حتى الآن في هذا الصدد لم تتوصل إلى إثبات جين وراثي معين مسئول عن الإصابة بها.

هل توجد عوامل عضوية مؤثرة في الإصابة بمشكلات النطق؟

تلعب بعض العوامل العضوية دور كبير في الإصابة بمشكلات النطق، ومن أهمها:
إصابة الطفل بخلل عضوي أو وظيفي في الأذن، بما يسمح بظهور مشكلات السمع، وهو الأمر الذي يستدعي إستشارة طبيب الأنف والأذن والحنجرة لعمل تخطيط سمعي كامل للطفل، وعلاج المشكلات السمعية، ثم يتابع الطفل مع أخصائي في النطق والكلام لتحديد المشكلات النطقية، وبيان تطور علاجها بتطور علاج السمع أم أنها بذات نفس الحدة.

إصابة الطفل بأية تشوهات في أعضاء النطق، مثل سقف الحلق المفتوح فهو يؤثر على مخارج الحروف، ومثل عدم إنتظام وطبيعية شكل الأسنان وتراصها في الفم فقد تؤدي إلى الـ (اللدغة) في أحد الحروف.

إصابات الرأس الشديدة قد تؤدي إلى فقد الطفل للنطق أو إلى إصابته بالتأتأة.

ما هي التأتأة تفصيلًا؟

التأتأة هي إضطراب بإنسياب وطلاقة الكلام، وهي إما أن تظهر على شكل تكرار للمقطع الصوتي أو للحرف في الكلمة مثل نطق كلمة (سما) فتخرج (سسسسما). وإما أن تظهر في صورة ثقل خروج الحرف وأخذه لفترة زمنية أكبر من التي يحتاجها للخروج فتظهر الكلمة وكأنها قُسمت إلى جزئين مثل (س… ما).

وإما أن تظهر على صورة إطالة ومد في نطق حرف لا يستوجب نطقه المد مثل (ساااااااما).
وتتعدد أنواع التأتأة، ومنها:

التأتأة الفسيولوجية: وهي التي تبدأ وتنتهي مع الطفل قبل عمر الست سنوات، وطبقًا للإحصائيات يعاني ما يقرب من 5% من الأطفال من التأتأة الفسيولوجية، منهم 4% تنتهي المشكلة قبل بلوغ عمر الست سنوات، والـ 1% من مجموع هؤلاء الأطفال تستمر معهم إلى ما بعد عمر الست سنوات.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ظهور التأتأة على الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يستلزم الإسراع في إستشارة أخصائي التخاطب، ولكن يتاح للطفل فترة ستة أشهر يقوم الأهل خلالها بتدريبه على كيفية النطق الصحيح.

أما إذا بدأت ملاحظة قيام الطفل بحركات جسدية أثناء الكلام مثل تغطية الفم باليد أو تسارع حركة جفن العين أثناء الكلام، فهذا دليل على بداية وعي الطفل وإدراكه بإصابته بالتأتأة وبداية إنزعاجه منها، وهنا يستوجب الأمر الإسراع في علاجه لدى المتخصصين.

التأتأة العادية: وهي إستمرار التأتأة الفسيولوجية لما بعد بلوغ سن الست سنوات، وهذا النوع من التأتأة تحتاج إلى العلاج المتخصص، كما أنها مزمنة وتستمر مع الإنسان مدى الحياة.

التأتأة النفسية: وهي غير مرتبطة بفئة عمرية محددة، فيمكن أن تصيب الإنسان في أي عمر صغيرًا أو كبيرًا، ودائمًا ما تنحصر أسبابها في الصدمات والعوامل النفسية الشديدة ومنها قلة الثقة بالنفس والخجل، وعلاجها يستوجب إستشارة طبيب وأخصائي نفسي.

التأتأة العصبية: وهي التي تنتج عن أية إصابات شديدة في الرأس.

هل يتركز علاج مشكلات النطق في يد أخصائي النطق أم الطبيب النفسي؟

البداية دائمًا عند أخصائي النطق، حيث أنه يُقيّم الحالة المرضية وأسبابها، وحال ملاحظته لأية أسباب نفسية داخلة في ظهور مشكلات النطق يقوم بتحويل الطفل للعرض على أخصائي نفسي.

هل من طريقة مثالية للتعامل مع الطفل المصاب بالتأتأة؟

رغم أن التأتأة من الأشياء المزعجة جدًا للأهل، إلا أنه توجد مجموعة من القواعد الهامة في التعامل معه، هي:
لا يجب أبدًا توجيه أية ملاحظات للطفل على طريقته في الكلام، لأن البشر في العادة لا يفكرون أثناء الكلام في طريقة خروج الكلام، ولكنهم يفكرون في الموضوع الذي يتحدثون فيه، وعند توجيه الطفل للتفكير في طريقة خروج كلامه ستزيد التأتأة ولن تختفي كما هو متوقع.

ترك المساحة الزمنية التي يحتاجها الطفل للحديث، مع الإنصات الجيد له، وإشعاره بالإهتمام لما يقوله ويشرحه، دون إظهار أية علامات إستغراب أو سخرية أو إنتقاد على وجوه كل من يسمعونه.

يمكن إعادة نطق الكلمة التي تأتأ فيها الطفل مرة أخرى ببطء ليسمعها هو جيدًا.

على الأهل عدم قطع كلام الطفل أو تكملته بجمل وكلمات من عندهم، حتى لا يشعر بأنه ارتكب خطأ أو جرم.

تهيئة الطفل مسبقًا قبل أي حدث، لأن مشاعر الفرح أو مشاعر الحزن الشديدة تؤدي بالطفل إلى التأتأة.

عند المذاكرة مثلًا واختبار الطفل شفويًا، يجب إخباره قبلها بوقت كافي ليستعد نفسيًا، لأن عنصر المفاجئة قد يؤدي مع بعض الأطفال إلى التأتأة لسيطرة مشاعر التوتر عليه.

إذا دخل الطفل في نوبة بكاء أو نوبة ضحك وإنبساط لا يُحبذ توجيه الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات طويلة له، بل يمكن توجيه الأسئلة التي تنحصر إجاباتها في نعم ولا فقط، فهنا نسمح له بالتعبير، ونكفيه معاناة التأتأة.

تجنيب الطفل المؤثرات النفسية التي قد تساعد على زيادة حدة التأتأة عنده، بل من الضروري تنميط حياة الطفل في روتين يومي معين يحقق له التوازن النفسي.

بعض حالات التأتأة تكون ناتجة عن مشكلة ضعف المخزون اللغوي عند الطفل، فيحتاج إلى فترة زمنية أطول للقدرة على التعبير والحكيّ، ويأخذ وقت طويل للبحث عن المفردة التي يريد إستعمالها للوصف والشرح، وهنا لابد من زيادة الحصيلة اللغوية للطفل بالإستمرار في الحديث معه لساعات طويلة.

وعلى الجانب الآخر قد يكون زيادة الحصيلة اللغوية من الكلمات عند الطفل هي العامل المباشر في ظهور التأتأة لتردده في اختيار الكلمة التي يريد إستخدامها.

قواعد التعامل تلك تحسن من حالة النطق وسلاسة الكلام وإنسيابه عند الطفل على المدى البعيد، ولا تشعر الطفل بأي نقص أو خجل. كما أنها قواعد تعاملية لا تخص الأهل فقط بل يُلزم بإتباعها كل المتعاملين مع الطفل، مثل المعلمين والمعلمات في المدرسة.

أضف تعليق