منهج الإسلام في الحفاظ على البيئة

منهج الإسلام في الحفاظ على البيئة

ما رأيكم أن تجدوا اليوم مقالا أو موضوعا، أو هو بحثًا رائِعا يتمحوَر حول منهج الإسلام في الحفاظ على البيئة وما أمر به الشَّرع الحنيف تجاه هذه المسألة التي ينبغي أن يكون نظرنا موجهًا إليها بإمعان، ولا يمُر علينا -كما يُقال- مرور الكِرام.

اقرأ معي في هذا الموضوع المُعنصَر ما احتواه على معلومات ونُصح وإرشاد يحتاج إلى قلوب وعقول مُتأملة في مدى حِرص الإسلام على الحفاظ على البيئة.

خَلْق السماوات والأرض

الله -سبحانه- هو خالق الكون ومبدع الوجود ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وهو -تبارك وتعالى- دعانا إلى النظر في هذا الكون العظيم: سمائه وأرضه، وبره وبحره، وسهوله وجباله، ونجومه وكواكبه، وحيواناته وأشجاره، وصخوره وترابه، وخلق كثير لا يعلمه إلا الله. بل إن الخلق لا يتوقف؛ ففي كل يوم خلق جديد، وما من قول أكمل بناء ولا أحسن بيانا ولا أدق تصويرا لهذه الحقيقة الكبيرة من قول الله عز وجل: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

وما أكثر الآيات التي دعانا الله فيها إلى أن ننظر ماذا في السماوات والأرض، وإلى التفكر ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾.

الحفاظ على البيئة

وإذا كانت هذه الدعوات الربانية لفتا للناس إلى عظمة الخلق ليعرفوا الخالق جل جلاله، فهي من جهة أخرى دعوة إلى الحفاظ على هذه المخلوقات؛ فإن القضاء عليها بغير وجه حق تفويت للغاية من خلقها، وتشويه لوجه هذا الكون الجميل الذي خلقه الله جميلا «والله جميل يحب الجمال».

وما الحفاظ على البيئة إلا خصلة من خصال الإسلام، وشعبة من شعب الإيمان، وقد كان الإسلام سابقا إلى الأمر بالحفاظ على البيئة كما سبق إلى كل فضيلة، بل إن الإسلام لم يدع إلى الحفاظ على البيئة فحسب، بل دعا إلى الزيادة على ما هو موجود ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

أهمية النبات في الإسلام

وما ذكر الحرث والزرع والحصاد واستعمار الإنسان في الأرض إلا إشارة إلى هذا المعنى ودلالة على هذا العمل الزاكي، وأي شيء أدل على الحفاظ على البيئة من أن يأمر النبي ﷺ بغرس الفسيلة التي تكون في يد الإنسان والقيامة تقوم، ونظام الكون يتبدل؛ فيقول عليه الصلاة والسلام: «إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها».

وما هذا إلا إرشاد للأمة أن تجعل الأرض خضراء تسر الناظرين، فإذا كانت هناك مبادرات لزراعة أعداد من الشجر في هذا الزمان، فإن النبي ﷺ دعا إلى جعل الأرض خضراء من أربعة عشر قرنا أو تزيد، والدعوة مستمرة ولو قامت القيامة، وفعل ذلك عبادة من أزكى العبادات، وقربة من أجل القربات، فكان من استجابة الناس لله ورسوله أن يسعوا فرادى وجماعات لجعل قراهم ومدنهم على الحال التي أرادها رسول الله ﷺ.

وفي حديث الغرسة الوارِد في صحيح البخاري؛ يقول الرسول ﷺ «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة».

وقد غرس النبي الكريم الشجر بيديه الكريمتين؛ فكان فعالا قبل أن يقول ولسان حاله ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

وإن من إفساد الأرض بعد إصلاحها قطع الشجر ضرارا ولو كان ملكا للإنسان، فكيف بالشجر الذي لا يكون في ملك الإنسان، وقد أثر أن من معاني قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾، لا تغوروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا، وقطعه ضرارا قطعه من غير حق ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾.

وقد كان النبي ﷺ ينهى عن قطع شجر أو نخل أو هدم بنيان في الحرب، فكيف به في السلم! فأين هذا الدين السمح ممن يدعي الحضارة وهو يهلك الحرث والنسل في حربه، ولا يترك أخضر ولا يابسا، ولا بناء ولا ماء! ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾. وما هؤلاء إلا ممن قال الله -تعالى- فيهم، في سورة البقرة ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. فقد وصف الله إهلاك الزروع بالفساد والظلم.

الرفق بالحيوان وحمايته

ولن تجد البشرية مثلا أعظم منه لها على مر العصور، وإن هديه في رحمة الحيوانات من دونه كل الدعوات.

وما قصة ذلك الطائر الذي أخذ فرخاه، فجاء يحوم حول من أخذ فرخيه يريد استنقاذهما ممن أخذهما، إلا مثال واحد من أمثلة كثيرة من رحمته بالحيوان، كيف لا وهو الذي قال ربه تبارك وتعالى في شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

فرأى النبي ﷺ ذلك الطائر المسكين وهو يفرش حائما حول من أخذ فرخيه؛ فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها»، فردوا إليها فرخيها وقرت عينها، ومن رحم رحم «فالراحمون يرحمهم الله».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى