الأمن في الأوطان.. ومآسي المظاهرات على الأفراد والمجتمعات

الأمن في الأوطان

الأمن في الأوطان مطلب العالم بأسره، ولذلك دعا إبراهيم ربه: {رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}، ولأن انعدام الأمن أو الإخلال به سيتسبب في إثارة الخوف والذعر والهلع والترقب ويعيش الإنسان في حال القلاقل ويزيغ عن الحق، وعليها أخبر الرسول ﷺ أن المتمسك بدينه في آخر الزمان حين نكثر الفتن كالقابض على الجمر.

الإخلال في الأمن

لم يهنأ أحد براحة البال، وتبدل الحال، وتهجر المساجد، ويمنع المسلم من إظهار شعائر دينه، وتعاق سبل الخير، وتدمر الديار، وتتفرق الأسر، وتبور التجارة، ويتنحسر طلب الرزق، ويظهر آفات اللسان من الكذب والإشاعات.

الفتنة تفسد النعمة

الإخلال في الأمن يعطل الدراسة ويفشو الجهل وتسلب الممتلكات وتقتل النفوس البريئة، وإذا استمر الوضع على ذلك تزداد الفتن، قال معاوية – رضي الله عنه: «إياكم والفتنة فلا تهموا بها فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة وتورث الاستئصال» وتتلاحم أمواج المصائب والشرور ويعم من خلالها الفساد، قال ابن تيمية عندما ظهر أمر الغوغاء في عهد الصحابة – رضي الله عنهم – وما وقع من فتن: والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر – رضي الله عنه – عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها، وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}.

تدخل سافر من الأعداء

إن الذي يحدث في أمتنا من مظاهرات بدأت صغيرة من قبل دهماء يطالبون بمطالب معيشية وحياتية ثم أصبحت كبيرة ويتابعها الناس عبر شاشات الإعلام وردود أفعال، وهناك وتدخل سافر من قبل بعض دول الأعداء الذين يريدون فرض السيطرة على دولنا، ودخلت الأحزاب بتهييج الشعوب وكل له مطامح سياسية فيجتمع الشيوعي والفاسق والسفيه مع العالم وغرتهم كثرتهم وقوة شوكتهم، قال الماوردي – رحمه الله: «مع أن لكل جديد لذة ولكل مستحدث صبوة»، وبدأت المقارنات بين الحاكم والخلافة الراشدة ولم يقارنوه مع دول جواره، ولو وضع كل شخص نفسه مكانهم ورأى تلك الضغوط التي تمارس واختلاف التوجهات ومحاولة إرضاء الجميع وكل حزب ورائه دول وشخصيات وتجار ودعم من الداخل والخارج لضاق بالإنسان ذرعا، فهو داخل بيته لا يستطيع أن يقود أبنائه فكيف يقود أمه بأكملها؟ ولم يفكر في أبعاد والمخططات التي تحاط ضد الأمة، ولكن همه عز وفصل ومزاحمة هذا السلطان في رئاسته وقبحوا عند العامة إيجابياته ولو كانت قليلة، ولقد دفعتهم العواطف الجياشة غير المنضبطة.

التزام الشارع في الإنكار

لاشك أن شرار الولاة الذين تبغضهم شعوبهم وتسبهم ويمنعون الناس من حقوقهم ويأتون بالمعاصي والمنكرات ما لا تحتمله الأنفس ويظهرون الفساد والضلال ويدافعون عنهم ويضايقون أهل الإيمان والصلاح، ولكن هل استخدمنا الأساليب الشرعية قبل أن نبدأ بالمراحل الأخرى؟ هل التزمنا بالشرع بالمكاتبة والمناصحة والدعاء وكلمة حق عنده؟ ففي الحديث: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة».

حق الدماء

وقد أصبح البعض يسرد أحاديث يريد ضرب الآيات والأحاديث لإظهاره وكأنها متناقضة، فمثلا يأتي بحديث: «إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم ببلاءه» والظالم المشرك وتقدر بقدرها حسب القوة والضعف وحقن الدماء والفداء في سبيل الله، ونسوا حديث: «من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية».

وهنا تجِد: خطبة جمعة عن الأمن والأمان في الأوطان – مكتوبة – بالعناصر

مواقف الصحابة في الإنكار

وإذا نظرنا إلى قدوتنا الصحابة – رضي الله عنهم – وهم أبر الناس قلوبا وأزكارها أعمالا، كيف تعاملوا بهذا الهدي النبوي؟

– الموقف الأول: كان الخليفة يزيد بن معاوية بلغ من الفساد في رعيته ما جعل بعض أهل المدينة يزمعون على الخروج عليه، فأبى أفاضل الصحابة، فقد روى مسلم، قال: جاء عبدالله بن عمر إلى عبدالله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلف يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» وفي البخاري أنه – رضي الله عنه – جمع حشمة وولده وقال: لا علم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه، وذكر قول النبي ﷺ: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/925): وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة كما كان عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة على الخروج على يزيد.

الابتعاد عن معايير العاطفة والكثرة

لكن غلبت العاطفة العقل والهوى والاتباع، فلم يستمع الناس لهدي النبي ﷺ وأصحابه، فخلعوا بيعة يزيد، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة فاستباح المدينة ثلاثة أيام، قال الحافظ ابن كثير: قتل خلقا من أشراقها وقرائها، وانتهت أموالنا كثيرة منها، ووقع شر وفساد عريض، ووقعوا على النساء حتى قيل: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج، والله أعلم.

– الموقف الثاني: كان ابن عمر وغيره من الصحابة – رضي الله عنهم – يصلون خلف الحجاج على ظلمه وجوره، بل قد روى البخاري عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» سمعته من نبيكم ﷺ، وكان الحسن البصيري يقول: إن الحجاج عذاب الله فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة التضرع، فإن الله تعالى يقول: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}، لكن ابن الأشعت كان له مطامح سياسية وكان يقول: والله لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إنه طال بي البقاء، فاستغل طيبة بعض الأخيار والصالحين من التابعين الذين يتميزون غيظا من ظلم الحجاج وفجوره، فهيجهم على خلع الحجاج ثم الخليفة عبدالملك، فخلعوه فتفرقت الكلمة وعظم الخطب، وبعد قتال ذهبت فيه دماء وأموال انصرف المسلمون فيه عن قتال الكفار، انهزم ابن الأشعث ومن معه، ففر إلى ملك الترك الذي كان يقاتله بعد أن كان يجاهده في الله، فسلمه لجند الحجاج، فلما كان في طريق العودة مات منتحرا، وقتل من أتباعه بين يدي الحجاج ثلاثون ومئة ألف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر أن مفسدة الخروج أعظم من مصلحته في منهاج السنة النبوية (4/527): «وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير» حتى قال: «وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا».

عباد الله، وعلى هذا سار أهل السنة على هدي نبيهم وسلف هذه الأمة حتى صار ترك الخروج على الحكام شعارا لهم، فهذا الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة – رحمه الله – حين أظهر امراء بني العباس في زمنه بدعة كفرية بدعة خلق القرآن ونفي الصفات، بل امتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، مع ذلك لم يفارق – رحمه الله – شعار أهل السنة بلزوم الجماعة، مع أنهم ضربوه وحبسوه وآذوه أذية عظيمة، بل لما جاءه قوم من أهل بغداد، وقالوا: إن الأمر – يعنون: القول بخلق القرآن – قد تفاقم وفشا، ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه، فقال لهم الإمام أحمد كما في السنة للخلال: (1/133): «لا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر»، وقال: «سبحان الله! الدماء الدماء، لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه؟! يعني أيام الفتنة.

وهذا شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني – رحمه الله – حين نصر حكام عصره عقيدة الأشاعرة فآذوه أذية عظيمة لنشره عقيدة السلف الصالح حتى إنه مات مسجونا – رحمه الله – ومع ذلك ها هو يقول كما في الفتاو (35/13): «وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرضخون لأحد بما نهى الله عنه من معصية ولا الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما عرف من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا» وهو القائل: «ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من السفاد الذي أزالته».

وهنا كذلك: موضوع: أهمية الوحدة بين أقطار الوطن العربي – مدعم بالأرقام والمعلومات

نموذجين لآثار المظاهرات

وإذا رأينا المظاهرات في بلدين رأي العين ومثال حي وجدناكم أحدث من أعمال تخريبية وفساد في الدين والقيم والأخلاق وما آلت إليه من هلاك الحرث والنسل وتخريب المنازل والممتلكات الحكومية والتجارية وتفجير أنابيب الغاز وتضررت الأردن وسورية، وأصبح تلوث بيئي كبير {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسدو فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} نهاهم الله سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلا كان أو كثيرا ولا يواجه الخلل في توزيع المال والوظيفة بتوقف مصالح الناس وتعطيل العمل والتعليم وإعطاء مبررات لتدخل دول متربصة بنا وخلخلة الأمن ثم نحاسب النظام إذا حدث أي اعتداء على المتظاهرين! ولما سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز عن المظاهرات قال: لا أرى المظاهرات النسائية والرجالية من العلاج، ولكني أرى أنها من أسباب الفتن ومن أسباب الشرور ومن أسباب ظلم بعض الناس والتعدي على بعض الناس بغير حق، ولكن الأسباب الشرعية المكاتبة والنصيحة والدعوة إلى الخير بالطرق السليمة، الطرق التي سلكها أهل العلم وسلكها أصحاب النبي ﷺ، وقال سماحته: ولما فتحوا الشر في زمان عثمان – رضي الله عنه – وانكروا على عثمان جهرة تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي بأسباب ذلك، وقتل جم كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علنا حتى أبغض الناس ولي أمرهم وقتلوه نسأل الله العافية.

بعد الإطاحة في تونس انظروا إلى الفراغ الأمني ماذا أحدث والفراغ السياسي وتدخل دول وأحزاب والخلل في الاقتصاد وجراءة الآخرين في المطالبة بتكوين دور عبادات لممارسة البوذية وعبادات أخرى وترك المنكرات التي كانت موجودة منذ زمن الطاغية ونظامه.

لا يفهم من كلامنا أننا موافقين لما يحدث من ظلم أو كفر أو التعدي على الشعوب، ولكن ننكر الممارسة في إنكار المنكر من خلال وسيلة المظاهرات.

وتقرأ هنا: مقال عن دور الشباب في بناء الوطن

ماذا حدث بعد إلغاء الملكية؟

فانظروا إلى الشعب التونسي عندما ثار على حكامه في السبعينيات قبل خمسين سنة تقريبا، فتم الغاء الملكية التي عاشوا في حياة كريمة فلا ديون ولا ظلم ولا استبداد، ولكنهم يريدون تدوير السلطة فأسقطوها واعلنوا الجمهورية، فصعد على رقاب الشعب الطاغية الذي لم يمر في العصور المتأخرة من كان في مثل طغيانه، وهو الذي أصدر مجلة اأحوال الشخصية التي عطلت أحكام الشرعية في مجال الأسرة، وكان يفطر في رمضان علانية ويستهزئ بالدين أمام الشعب، ثم ثار الشعب عليه في ثورة الخبز المشهورة، واليوم تظاهر الشعب وثاروا على ربيبه وابن نظامه، فهل أغنت عنهم مظاهراتهم وثورتهم أم صدق عليهم أنهم: لا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا.

وهكذا من ثاروا على الملكية وجاءوا بالجمهوريات، فكم أوقعوا البلاد في الاعتقالات والإبادة والتعذيب واحتكار الأموال وسلبها على اتباعهم.

انظروا إلى ساحة التحرير إناس تصلي وبجوارهم إناس تطرب وترقص وبجانبهم راقصة ساقطة تتكلم بالجموع، وأخرى عجوز شمطاء حاربت الحجاب والستر والعفة وبجوارهم نصارى يصلون وعن يمينهم استخبارات شعوبية وصهيونية، وهكذا واقع مؤلم، ثم قالوا لهم: اتفقوا ماذا تريدون ومن تريدون فاختلفوا وحدث بينهم النزاع والشقاق وكل له أجندة ومطالب، ولاشك أنها تتصادم مع الآخرين، ولا يمكن دمجهم فمن سيصل سيغير الدستور لتكون له الغلبة والسيطرة ولن يكون أفضل من سابقه، وهكذا لا يزالون مختلفين؛ لأن النموذج الغربي لن ينفع لهم ولا لنا لا يتضارب ويتضاد مع الشريعة التي من ركبها نجا، ومن تركها غرق ولو بعد حين فلو أقام الناس بما أمر الله به من الصبر والنصيحة والتوبة من مظالمهم الخاصة التي أدت لتسليط الحكام لتحقيق الخير بإذن الله، أقول تحاوروا مع الحكماء وطالبوا بالتغيير لصالح مصر الإسلام ومستقبله فهي السد المنيع والحصن المتين لأجيال الإسلام والقوة لأهل السنة والجماعة وسيرفع الله عنكم الظلم وهذا رجاءؤنا من رب العزة جل جلاله.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يلطف بالأمة ويحقن الدماء ويولي علينا خيارنا ويرزقهم البطانة الصالحة التي تؤمرهم بالخير وتدلهم عليه ونسأله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين ويذل الشرك والمشركين ويصلح ذات بين المسلمين، ويؤلف على الخير والمحبة قلوبهم ويجعلنا جميعا مفاتيح للخير مغاليق للشر، والحمد لله رب العالمين.

 بقلم: د. بسام خضر الشطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى