إرحموا من حولكم قبل أن تذوب بضاعتهم

إرحموا من حولكم قبل أن تذوب بضاعتهم

ذكر إبن الجوزى في كتابه “المدهش” أن رجلا كان يبيع الثلج فكان ينادى عليه قائلا “إرحموا من تذوب بضاعته ويضيع رأس ماله” فقد كان هذا الرجل يستدر عطف الناس بأن يشتروا بضاعته التى تذوب مع الوقت فتفنى حتى أنه لو لم يبيع الثلج لذاب وضاع رأس ماله فخسارته لا يمكن تعويضها ولا الهروب منها لذا فهى خسارة عظيمة بخلاف باقى التجار الذين حتى لو لم يبيعوا بضاعتهم ستبقى قائمة ليعيدوا عرضها في وقتا أخر أما بائع الثلج فرأس ماله في تناقص مستمر مع كل دقيقة تمر من الزمن.

لا أدرك لماذا تذكرت تلك القصة عندما فاجئتنى صديقة بإتصال تليفوني في الصباح الباكر على غير عادتها لتسألنى على رقم تليفون طبيب نفسى هى تعلم أنه من أصدقائي المقربين لعله يساعدها على تجاوز الأزمة النفسية التى تعيش بها ولأني أعلم طبيعتها ومدى تفاؤلها الدائم وإقبالها على الحياة إندهشت من طلبها ولكنها لم تمنحنى الوقت ولا الفرصة لسؤالها عن السبب وإنما إسترسلت في الكلام وكإنها تعلمته من جديد وتخشى أن تفقد القدرة عليه مرة أخرى. وقالت إنها لم تعد تحتمل الحياة أكثر من ذلك مع أشخاص لا يشعرون بها ولا يقدرون ما تفعله من أجلهم فكل من حولها خاصة زوجها وأولادها يعاملونها وكإنها آلة حديد لا تهدأ ولا تصدأ ولا حتى تحتاج الى صيانة من وقت لآخر لتبقى دائرة.

وتناسى الجميع أنها إنسانة من لحم ودم تحتاج أحيانا الى الدعم النفسي ولو بكلمة طيبة أو فسحة بسيطة أو هدية “خايبة” أو هدنه تقضيها وحدها مع روحها المنهكة لعلها تستطيع أن تستجمع قواها مرة أخرى ليستمر عطاءها الذى لا يتوقف.

ولأن كل هذا لم يحدث بل العكس فكلما مر الوقت كلما زادت حرب إستنزافها حتى بدأ جسمها يئن ويظهر أنينه ذاك على هيئة صداع مستمر وإلتهاب مفاصل وآلام معدة لا تتوقف ولا تفسير عن الأطباء سوى أن ما تعانى منه بسبب الضغط النفسى وبعد مداولات طويلة ما بين عقلها الرافض للفكرة ومشاعرها التى ذابت وذبلت بفعل عوامل تعرية ضغوط من حولها حسمت الأمر بضرورة اللجوء لطبيب نفسى لربما وجدت عنده السبيل للخروج من تلك الدائرة المغلقة الخانقة بعدما فقدت قدرتها على الحياة ولم يعد يسيطر على تفكيرها سوى الرغبة في الخلاص منها وهى لم تتجاوز مرحلة الثلاثينات بعد.

فما الذى يدفع زوجة وأم وشابة ناجحة في عملها وحياتها الشخصية كما يبدو للناس لأن تلقى بنفسها في بئر الخوف والإحباط والإكتئاب والإنطواء بما يتناقض مع طبيعة شخصيتها المبهجة سوى تجاهل أقرب الناس لها لمشاعرها وعدم تقديرهم لما تبذله من جهد وما تتفانى به من أجل إسعادهم وتلبية طلباتهم وتوفير كل سبل الراحة لهم حتى نفذت بضاعتها ولم يعد لديها ما تعطيهم إياه وعندما طلب المساعدة والدعم تجاهلها أقرب الأقربين ولم تجد أمامها سوى الغريب وهو الطبيب النفسى لربما إستطاع أن يسمعها فقط وهذا في حد ذاته سيمد روحها بقدر من الأكسجين الذى يمنحها القدرة على التنفس مرة أخرى خاصة بعد أن أصبح الأقرب لها هو الأغرب عنها.

وأظن أننا جميعا معرضين لأن تذوب بضاعتنا ومن ثم علينا أن ننتبه لمشاعر بعض خاصة هؤلاء الذين يتفانوا في إسعادنا والحفاظ علينا ويبذلوا أقصى ما في وسعهم لراحتنا قبل أن تذوب بضاعتهم ويتحولوا لروح يابسة لا تفنى ولا تستحدث من عدم فمجرد أنك تجد شخص واحد في هذا الكوكب المخيف غريب كان أو قريب يستطيع أن يسمعك فقط يسمعك ويهتم بأمرك ويمنحك قدرا من روحه وقلبه بلا مقابل ثق أنك من المحظوظين في الأرض وإبذل أقصى ما في وسعك للحفاظ عليه والتمسك به لأنه رأسمالك في الحياة عندما يتخلى عنك المدعين الكاذبين بعدما تفنى بضاعتك.

بقلم: رانيا نور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: