مناجاة بين يدي شهر رمضان

صورة , رمضان كريم , شهر رمضان , صور رمضان

شهر رمضان المبارك هو شهر الكرم والمغفرة والعطاءات التي لا حدود لها، هو مدرسة الإيمان التي يتلقى المسلم فيها كل يوم درسًا جديدًا، وينتقل من اختبار إلى آخر، ليخرج في نهاية الشهر وقد نال أعظم تدريب على إدارة الشهوات، والتغلب على ضعف النفس وغوايتها، وليخرج منتصرًا على حروب الهوى التي يخوض غمارها طوال العام.

ولأن رمضان ليس كغيره من الشهور، ولأن فضله اعظم والجهاد فيه اشد وأكبر كان جديرًا، بأن تكتب فيه الكتب وتفصل فضله المؤلفات، وكان جديرًا ان يكون دافعًا للمناجاة والدعوات والرجاء والخوف والأمنيات، فرمضان فرصة يدركها فقط المحظوظون ويهتد إلى خير ما فيها المفلحون والاتقياء والطيبون.

مناجاة في شهر رمضان

  • يا رمضان لم يبق كثير على قدومك، وقد نال منا الشوق واللهفة وشق علينا الانتظار، فإن حللت بواقعنا فلا تمضي ولا تتركنا حتى نرشف من كأس جودك ما يروي ظمأنا الذي طال لعام كامل، وننهل من منابع القربات والطاعات ما يذهب بسيئاتنا ويشفع لنا بين يدي ربنا، ولا تطوي صحائف أيامك عجلاً مسرعًا، بل امكث بين ظهرانينا حتى نقضي من امنيات الصلاح والفلاح وطرنا، نستحلفك يا شهر الصيام أن لا تتسرب من بين أيدينا كما تتسرب الأعمار بدون مقدمات ولا سابق إنذار، ابق معنا يا رمضان.
  • ولا توفيق في هذه الحياة يعدل توفيق الله للمؤمن ان يحسن اغتنام ما تجود به الأيام الأقدار من نفحات وعطاءات، فقد يغفل القلب عهودًا طويلة وينسى أو يتناسى تغذية روحه وقلبه أشهرا طويلة، لكن يأتي رمضان فيستفيق فجأة من غفلته وينتبه من ثباته، ويمسك بلجام نفسه فيقودها لتستغفر وتجد وتجتهد وتسعى إلى تعويض ما فاتها من الخير، فلرمضان قوة عجيبة على تهذيب ما تلف من جوانب النفس، وعلى تجميل ما قد شوهته الغفلة وفرط اللهو، رمضان بلسم الروح وشفاء الاسقام وتدارك الفقد.
  • والخاسر في رمضان هو الخاسر حقًا، والمضيع لفرض الصيام فهو المضيع للخيرات والبركات والفرحة في الدنيا والآخرة، والمفرط بلا عذر قهري فهو الآثم الظالم لنفسه، وهو البخيل الذي جاوز في جرمه المدى إذ حرم نفسه من خير هي في أمس الحاجة إليه، حرمها من الجنة وقرب بينها وبين النار، وضيع منها فرصة الاستمتاع بالانضمام إلى صفوف الصالحين والربانيين والطائعين الذين يجتمعون على مشقة الصيام، ويجتمعون على لذة الفطر، ويصطفون معًا أمام باب الريان الذي أعده الله لهم دون غيرهم، فليحذر كل ذي لب أن يضيع من يده كنوزًا لن تعوض، ويفرط في لحظات لن تعود أبدًا، ويجلب على نفسه مشاعر من الندم والوجع لا قبل لقلبه بتحمله، فهو ندم لا يجدي ووجع لا يشفى أبدا.
  • وبين القلوب وبين رمضان عهد عجيب من الود والحنين والرغبة، فهي تنتظره بكل الشوق، وتلقاه بالبشاشة والترحاب، وتفارقه بالوداع المفجوع والشوق الموصول، فيا الله أدم علينا عهودنا مع رمضان ولا تفجع قلوبنا بفقد، ومدد لنا البقاء واللقاء، فلعل رمضان الذي نخرج فيه من كل ذنوبنا ونكتب فيه من عتقاء ربنا لم يأت بعد.
  • وحين تقبل يا رمضان يفوح عبير كرمك وتتبدل الحياة، وتشرق في جنباتها أنوار الهدى، ويخفت صخبها، وتهدأ ثائرة الصراعات التي تعمر لحظاتها، لتحل محلها سكينة وطمأنينة، ورجاء عجيب، ومع كل ذلك فيظل القلب متعلق قليلا بالدنيا ومتاعها المؤقت ونعيمها الزائل، فيارب ارزقنا رقة القلب واهدنا بنورك لنتبين في رمضان وغيره مواطن الفضل فلا نبرحها ونتبين مواطن المشقة فلا نطأها، وازقنا الفطنة وقيض لنا الدليل.
  • ولرمضان عند الله قدر عظيم وخصوصية كبيرة، فقد اصطفاه بخير الليالي وأثره بنزول القرآن الكريم من السماء إلى الأرض، فلندرك الفضل جيدا لنرتقي فيه وبه معه، ولنصل إلى فضل الله عز وجل، ولنتنافس على مرضاته، ولنحوذ من مكارمه ما تيسر لنا، فبمكارم رمضان تستقيم أيامنا، وبدروسه ينصلح اعوجاج عامنا بأسره، وبصبر فيه جهاد نوفق إلى الثبات باقي العام، فقط لو صدقنا النية وتصالحنا مع كل ما فيه نجاتنا، وتمردنا على هوى تزل به أقدامنا أو شهوة ننفق فيها ثمرة وقتنا وطاقتنا.
  • يا رب بلغنا رمضان ووفقنا إلى تعمير كل لحظة فيه بطاعتك، وذكرك وشكرك، ولا تنسينا يا كريم عظيم فضلك.

أضف تعليق

error: