رهبة كلام

«يا زينك ساكت» عبارة شعبية، تقال لنا ونقولها لغيرنا، لكنها لا تقال إلا حين لا يرضى عن كلامنا، أو حين لا يرضينا كلام الآخرين، فبتنا نخاف من الكلام، ونستحضر دائما لنبرر خوفنا المثل العربي «الكلام من فضة والسكوت من ذهب»، حتى أصبح لدينا «رهبة كلام».

وسمعت من كثير من الزملاء أن بعضهم كان يحس بتوتر حين يريد الإدلاء برأيه، كأن شيئا سيخرج من بين أضلاعه، والسبب أنه منذ صغره كل من حوله يطالبونه بالسكوت، وبعد أن كبر طالبه المعلم في المدرسة أن يسكت، حتى أن البعض تطالبه زوجته بالسكوت.

مشكلة السكوت دائما أنه لا يتجزأ، فالسكوت يعني ألا تقول رأيك، ما يلغي ثقافة الاختلاف في الرأي، الأمر الذي يجعل المخطئ يتمادى في خطئه، والسكوت يقود إلى تغاضي الإنسان عن حقه، فتجد جموعا من المراجعين في أي دائرة حكومية أو خاصة لم تنته معاملاتهم يجمعون السكوت مع الإحباط، دون أن يتجرأ أحدهم ليقول للموظف أو المدير إن ما يحدث إهدار لحقه، والأمثلة كثيرة وفي كل مكان.

والسكوت أصبح في عرف الكثيرين أسلم، وتحول إلى وسيلة لتجنب المتاعب، وفي أحيان ينال من يتكلم شماتة ولوم الساكتين، خاصة إذا ارتد عليه كلامه، وهناك من يهم بمنعك عن الكلام إذا رأى لسانك يتوثب للحديث، كأنك ستقول شيئا نكرا.

ومن شدة التمسك بالسكوت منهجنا السكوت نفسه، وخلطنا المفاهيم، فنقول السكوت يعلم الإصغاء، ويمنع الثرثرة، ويعطي الطاقة على التفكير، ويهب العقلانية، ويولد الاحترام، ويغيظ الآخرين، وغيرها من الأمور التي لا علاقة للسكوت بها. الفوائد التي يهبها السكوت لأصحابه لا تحضر في المواقف الصعبة، فتجد الشخص يقول لم أعرف بماذا أرد؟ وليتني رددت بكذا، وليتني لم أسكت، فنحن اليوم مدربون على السكوت فقط، بينما العالم يستعد للعبور إلى غد مبني على التحاور والانفتاح، في حين أمضينا أعواما كثيرة نتعلم أهمية السكوت، لكن نسينا أن نتعلم الكلام.

بقلم: منيف الصفوقي

وفي مقترحاتي..

أضف تعليق

error: