مواجهة الفساد مسئولية دينية ووطنية ومجتمعية.. خطبة الجمعة القادمة مكتوبة

مواجهة الفساد مسئولية دينية ووطنية ومجتمعية , خطبة الجمعة القادمة

لدينا اليوم خطبة الجمعة القادمة مكتوبة ومُعنصَرة وعلى قدر كبير من البلاغة والفصاحة والقوَّة في الوعظ والإرشاد، تأتيكُم بعنوان: مواجهة الفساد مسئولية دينية ووطنية ومجتمعية. وقد عُززَت بالآيات القرآنية إلى جانب الأحاديث النبويَّة التي توثِّق جوانب الموضوع.

وقد يكون قد نمى في نفس بعضكم أن هذه هي الخطبة الرَّسميَّة من وزارة الأوقاف؛ لكنها ليست كذلك، فهذه خطبة جمعة للشَّيْخ محمد مصطفى رضوان -بارك الله فيه-، تحدَّثت عن خطر الفساد في الأرض. فنسأل الله -سبحانه- أن تنتفعوا بها وأن تنهلوا منها ما يفيدكم ويفيد المتلقون منكم.

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا، أمر العبادة أن يوحدوه وعلى دين الإسلام يعبدوه، ثم قال في محكم التنزيل {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من آمن به وأسلم وانقاد واستسلم.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ رسالة ربه وصدع بأمره وتحمل ما لم يتحمله بشرٌ سواه، وقام إلى الله -جل وعلا- بالصبر حتى بلغه رضاه.

صلى عليه الله جل جلاله، ورسول الله قد أشرقت أنواره.

يا رب صل على النبي المصطفى – ما غردت في الأيك ساجعةُ الربا

يا رب صل على النبي وآله – ما أمَّت الزوار مسجد يثرب

صلوا علي من تدخلون بهديه – دار السلامة تبلغون المطلبَ

صلوا علي من ظللته غمامة – والجذعُ حنَّ له وناصر في الصبا

يا أيها الراجون خير شفاعةٍ – من أحمدٍ صلوا عليه وسلموا

اللهم صل عليه وعلى آل بيته الأطهار، وعلى صحابته المصطفين الأخيار.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

الخطبة الأولى

وبعد، فيا عباد الله؛ اعلموا أنَّ {مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ}، واعلموا أن الله قد استخلفكم الأرض واستعمركم فيها، وهيّأ لكم فيها أسباب الحياة، وأمركم فيها بكل خير ونهاكم عن كل شر.

وإن الناظر إلى دين الإسلام يعلم أنه دين حياة وليس دين موت. فكما أن الله -جل وعلا- أمر عباده المؤمنين بأن تتعلق قلوبهم بالآخرة، فقال لهم في سورة آل عمران {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}. قال كذلك -في سورة الملك- {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}، وقال في آيةٍ أخرى في سورة القصص {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}.

فإن المسلم مأمورٌ بالسعي في هذه الأرض، وإنه لا سعى في هذه البلاد إلا إذا كان فيها إصلاحٌ ومصلحون، وليس فيها فساد ولا مفسدون. فلا ينجح العباد في هذه الدنيا بعد الإيمان بالله -جل وعلا- إلا إذا توفَّر في الأرض الإصلاح ووُجِد المصلحون.

مسيرة الإصلاح

لذلك؛ فإننا إذا نظرنا إلى كتاب الله -جل وعلا- وأمره للعباد بالإصلاح لوجدنا أن آيات الإصلاح في القرآن ومشتقاتها تعدَّت مائتي آية؛ أمر الله -جل وعلا- عباده المؤمنين بأن يكونوا مصلحين أو في رِكاب المصلحين أو مساعدين في مسيرة الإصلاح في أي زمانٍ وفي أي مكان.

وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك، حتى وإن كان المسلم في آخر لحظة من حياته. فقال عليه الصلاة والسلام فيما روي {إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها}.

فسيلة: جزء من جذوع النخل.

حتى وإن كانت الساعة ستقام، فليفعل ما عليه وليترك النتائج إلى الله -جل وعلا-.

ولذلك نَجِد أن أنبياء الله ورسل الله كانت دعوتهم دعوة إصلاح في أساسها، دعوة إصلاحٍ في الدين ودعوة إصلاح للدنيا. ففي الدين جميع الأنبياء أمروا أقوامهم أن يوحدوا الله -جل وعلا-؛ فإن في الشرك فسادٌ كبير وعريض، يوبِق حياة الناس في دنياهم وفي آخرتهم.

ولذلك نجد أن جميع الأنبياء دعوا إلى توحيد الله -جل وعلا-، أن يقول الناس لا إله إلا الله. أما الذين يدعون أنَّ مع الله إله آخر، فنقول لهم أين كانت هذه الكلمات قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فإن كان جميع الأنبياء بعد إبراهيم جَائُوا من نسله، فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والأنبياء جميعًا جَائُوا برسالةٍ واحدة.

فالذي جاء بعد إبراهيم دعا بدعوة إبراهيم، حنيفا ولم يك من المشركين.

فالإصلاح أيها الأحباب أمرٌ من الله لهذه الأمَّة.

قالها شعيب -عليه الصلاة والسلام- لقومه لما دعاهم ألا يطففوا في المكيال والميزان. قال -في سورة هود- {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ}.

وهذا هو أمر موسى -عليه الصلاة والسلام- لأخيه هارون، لما استخلفه في قوم قال له -في سورة الأعراف- {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.

هذه هي الرسالة، وهذا هو تحذير الصالحين من بني إسرائيل لقارون، حينما قالوا له -في سورة القصص- {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.

منهج الإصلاح في الإسلام

هذه هي رسالة الإيمان والإسلام.

يتجلى هذا الأمر في دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي لخّصها جعفر -رضي الله عنه وأرضاه- لما كلَّم النجاشي، حينما جاء المشركون ليأخذوا المسلمين الذين فروا بدينهم إلى الحبشة -وهذا هو حال أهل الشرك في أي زمان ومكان حتى إذا ترك المسلمون ديارهم وأوطانهم يذهبون خلفهم يريدون أن يأتوا بهم لكي يعذبوهم ويضعوهم في فتنةٍ في دينهم- ذهب المشركون وكان على رأسهم في هذا الوقت أبو سفيان -وقد أسلم بعد ذلك، رضي الله عنه وأرضاه.

ولتعلم؛ أن أبا سفيان بعد ما جعل بعض المسلمين يُضطرون إلى الهجرة إلى أرض الحبشة حينما قدِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، أو قبل ذلك، فرَّ أبو سفيان إلى الحبشة وجلس مع النجاشي، وحدَّثه النجاشي: ما الذي تنقِمه من هذا النبي؟ قال يفعل كذا وكذا وكذا.

فالنجاشي هو الذي أمره بالرجوع إلى مكة، وهو الذي أمره أن يتفكر في أمر هذا النبي. والنجاشي -رحمه الله- مات مسلما وصلى عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الغائب.

-وليس هذا موضوعنا-

الشاهد أن جعفر -رضي الله عنه- وأرضاه كلم النجاشي، قال له: أيها الملك، كنا قومٌ أهل جاهلية نعبد الأوثان، ونسيء الجوار، ونُقطّع الأرحام، ويأكل القويُّ منا الضعيف، فجاءنا رسول نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى صلة الأرحام، وألا نسيء إلى الجوار، وأمرنا بالصلاة والصيام، وأمرنا بالصدق في الحديث، وأداء الأمانة.

هذه هي دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا هو الإصلاح المنشود.

الإصلاح ليس أخذ جانبٍ وترك آخر، الإصلاح في أمة ليس صلاة في بيت الله -جل وعلا- ثم حينما يخرجون من بيوت الله يقبلون الرشوة ويحدثون كذبا ويأكلون الحرام، ويفعلون كذا وكذا..

هذا ليس إصلاحًا، بل وليس دينا أمر الله -جل وعلا- به.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمد الشاكرين، الحمد لله حمد الطيبين، الحمد لله حمد العارفين؛ الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى.

وبعد؛ فيا أيها الأحباب؛ كما أن الله -جل وعلا- أمر عباده بالإصلاح في الأرض، وأمرهم ألا يفسدوا فيها، قال -سبحانه- في سورة الأعراف {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}.

سبحان الله! ما أنزل الله -جل وعلا- آدم عليه الصلاة والسلام إلى الأرض إلا بعد أن هيّئها له، وتركها لعباده مهيأة. لكن لما استأثر كثيرٌ من الناس بما في أيديهم وأرادوا الزيادة، أفسدوا فيها.

فرأينا على وجه الأرض ما يحدث في هذه الأيام من قتل واعتداء وتخريب، وكل هذه الأشياء هي بسبب أفعال الناس. قال ربنا في سورة الروم {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.

بسبب ذنوبنا ومعاصينا، بسبب فهمنا الخاطئ لدين الله -جل وعلا- بسبب الطمع والجشع في كل شيء من كثير من عباد الله -جل في علاه-.

الشاهد؛ أن الله -جل وعلا- كما أمر بالإصلاح في الأرض حذَّر من الفساد فيها، وبيّن أن عاقبة المفسدين الخسران المبين. فقال الله -جل وعلا- في كتابه، في سورة البقرة {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ | وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ}.

لا يحبهم الله -عزَّ وجَل- لا من واحد، ولا من اثنين، ولا شعب، ولا من حكومة، ولا من أمم متحدة، ولا من مسلم، ولا من غير مسلم، ولا من مجلس الأمن، ولا غير مجلس الأمن.

وإذا كان هناك فسادٌ في أيّ أمَّة، حتى ولو كانت مسلمة، فإن هذا دليلٌ على قرب زوالها. قال الله -جل وعلا- في سورة هود {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}.

ولقد قال أحد العلماء: إن الله يقيم دولة العدل ويديمها حتى ولو كانت كافرة، ولا يقيم دولة الظلم حتى ولو كانت مؤمنة.

لأن الإيمان دليلٌ على العدل والإصلاح في الأرض، والكُفر دليل على الفساد والظلم في الأرض؛ فإن تبدلت المفاهيم فإن الله -جل وعلا- لا يحابي أحدا، والله لا يحب الفساد.

فالقضية ليست قضيَّة كلمات، بل قضيَّة أفعال. ومن خالفت أقواله أفعاله، تحولت أفعاله [أفعى له] تلتهمه في قبره، وفي النار ويوم القيامة.

فالله -سبحانه- لا يحب الفساد من أحد، ولن يحابي أحد، ولن يقيم أُمة وهي فاسدة.

مواجهة الفساد مسئولية دينية ووطنية ومجتمعية

اتقوا الله أيها الأحباب في أنفسكم، واعلموا أنه من الممكن أن أكون أنا فاسدًا أو أنت فاسد أو أي أحد من الناس فاسد، إذا وُكِل إليه أمرٌ ولم يؤديه كما ينبغي.

ولذلك فإن مواجهة الفساد مسئولية دينية ووطنية ومجتمعية، وليست معنيَّة بشخص بعينه أو مؤسَّسة بعينها.

فالفساد ليس فساد فِئة من الناس معينة، بل ربما يكون فساد فرد واحد يؤدي إلى هلاك أمة. ولنا في التاريخ عبرةً وعِظه. فالخليفة العباسي كان له وزيرٌ شيعي.

هذا الرجل -وهو وحده- تسبب في ضياع الخلافة وضياع أمة من الأمم كاملة، على يد التتار. رجل واحد تسبب في إحراق مكتبه بغداد التي كانت زخرا للإسلام والمسلمين في هذا الوقت، رجل واحد تسبب في موت أكثر من مئة ألف مسلم؛ أو ربما يزيد، رجل واحد تسبب في هلاك ديار كثير من بلاد المسلمين.

فردٌ فاسِد يتسبب في هلاك أمَّة.

نعم، إنَّ مواجهة الفساد مسئولية دينية ووطنية ومجتمعية؛ فكل واحد منا أيها الأحباب على ثغر من الثغور، وكم محتاج إلى الإصلاح، بداية في قلوبنا، لأن القلوب إذا صلحت مع ربها -جل وعلا- فسوف يكون الصلاح في كل شيء.

وهذا الأمر هو الذي ينبغي أن نربيه عند الناس؛ لا يكون عملك خوفا من مسؤول أو كبير أو صغير. اجعل عملك أولا -أيا كان عملك- اجعل مراقبتك لربك أولا. خَف من الله -جل وعلا-؛ فإنك إذا كنت مراقبًا لله -جل وعلا- في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ فلن تكون من المفسدين أبدا.

لأنك تفعل ذلك بداية مخافة لله؛ تخاف من ربك -جل وعلا-، فسيكون الأمر هيّن. لم تقترب من الفساد، ولن تقترب من الحرام.

صور الفساد

وللفساد صورٌ كثيرة، لو أن المقام يتَّسِع بنا لذكرناها.

فالرشوة من صور الفساد، من صور الفساد أكل مال اليتيم، من صور الفساد آكل الربا، من صور الفساد عدم التحاكم بالعدل ووضع الوضع على المظلوم أو على الضعيف أكثر من القوى أو الظالم؛ وهذه صورةٌ تهلك أي أُمَّة.

فلما سرقت امرأة مخزوميَّة، من قبيلة كبيرة، عائلة عظيمة لها شأن ولها قدر عند العرب. وفي شرع الله -جل وعلا- أن السارق أيا كان اسمه وأيا كانت عائلته وأيا كان سلطانه أو قوته تقطع يده.

فأراد الناس أن يكلموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما وجدوا أحدًا أحب إلى رسول الله من أسامة بن زيد -رضي الله عنه وأرضاه-، ومع حب رسول الله لأسامة -رضي الله عنه-؛ لما كلمه في ذلك احمرت عين النبي -عليه الصلاة والسلام- ورؤي في وجهه ما لا يُرى إلا عِند نزول الوحي وعند المَخِيلة -يعني السحاب- وقال «أتكلمني في حد من حدود الله؟».

فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد؛ فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها». ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة، فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا هو السر أيها الأحباب، الإفساد الفساد وعدم الإصلاح.

الإصلاح ليس فيه ظلم، أما الفساد فكله ظلم وكله تعدي على حرمات الله -جل وعلا- وعلى حرمات الناس.

وفي قول الرسول ﷺ عندما قال «إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» هل هناك فساد أعلى وأعظم من هذا؟ فساد عريض، وكان سببا في هلاك أُمم كثيرة.

فالفساد ليس مجموعة وليس شخصًا، بل احذر أن تكون من هؤلاء.

فهناك فسادٌ في العقيدة، فساد في الدين، فساد في العبادة، فساد في المعاملة، فساد في العمل.. كل هذه الأمور لا بد وأن تحذر منها.

واعلم أن الذي أصلح في دنياه سيجد صلاحًا في آخرته، وأُذَكِّرك بقول الله -تعالى- في سورة الأعلى {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}، والجزاء من جِنْس العمل.

من يُصلِح في هذه الدنيا ومن يزرع خيرا سوف يجني يوم القيامة عند ربه -جل وعلا- خيرا؛ لكن خيرٌ عند الله أعظم من خير في الدنيا وإن كان عظيما عند الناس وفي قلوبهم.

الدعاء

أسأل الله -جل وعلا- أن نكون من المصلحين، اللهم اجعلنا من المصلحين.

اللهم إنا نعوذ بك من الفساد والمفسدين، ونُشهِدُك يا ربنا أنا لا نرضى بأي فسادٍ نراه.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت على الحق أقدامنا.

اللهم تول أمرنا، اللهم أجبر كسرنا، اللهم اختم بالباقيات الصالحات أعمالنا.

اللهم اجعل بلدنا مصر أمنا أمانا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.

اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا وديننا بخير فوفقه إلى كل خير، ومن أرادنا وأراد بلادنا وديننا بسوء فأشغله بنفسه، واجعل دائرة السوء تدور عليه.

اللهم حرر البيت المقدس يا الله، اللهم ارزقنا فيه يا ربنا قبل الموت صلاة.

اللهم استجب وتقبَّل وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، إنك تعلم ولا نعلم، إنك أنت علام الغيوب.

اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، والحمد لله رب العالمين، وأقِم الصلاة.

أضف تعليق

error: