خطبة: رمضان شهر الجود والإحسان – مكتوبة

خطبة الجمعة, رمضان شهر الجود والإحسان , خطب مكتوبة

الاستعدادات مُستمرَّة. ومنها ما لدينا اليوم، وهي خطبة جمعة مكتوبة، بعنوان «رمضان شهر الجود والإحسان». وهي واحِدة أُخرى تُضَاف إلى ما لدينا في موقع المزيد.كوم من خُطَب منبريَّة مُبارَكة عن هذا الشَّهر الفضيل.

عناصر الخطبة

  • كان سيدنا رسول الله ﷺ أجود الناس، وأجود ما يكون في شهر رمضان المبارك.
  • حريٌّ بالمسلمين أن يقتدوا بالنبي ﷺ بالجود والإحسان والبر والتعاطف والتراحم لرفع درجاتهم عند الله ﷻ.
  • الحسنات تضاعف في شهر رمضان فعلى المسلمين أن يكثروا من الإحسان إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين.
  • الجمع بين الصيام والصدقة في شهر رمضان من أفضل الأعمال.
  • تذكير المسلمين بدفع زكاة أموالهم في شهر رمضان.

الخطبة الأولى

عطاء الله ﷻ عظيم، وفضله على عباده المؤمنين عميم، ومن ذلك أنه ﷻ جعل للمؤمنين من أمة سيدنا محمد ﷺ مواسم خير وبركة، تغتنم فيها الأوقات، وشهر رمضان من تلك المواسم الربانية المشهودة، فالحمد لله أن بلغنا رمضان، وأشهدنا ما فيه من بركات الصيام والقيام وتلاوة القرآن.

ومن الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم مراعاتها في هذا الشهر الفضيل الجود والإنفاق والبذل والعطاء، امتثالاً لأمر الله ﷻ القائل في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [سورة البقرة: 267].

وقد كان نبينا ﷺ أكرم الناس وأجودهم على الإطلاق في شهر رمضان وفي غيره، فهو ﷺ الرحمة المهداة، أرحم خلق الله بعباده، يقول ﷻ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: 107، وهو الذي خيره ربه بين أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً نبياً فاختار ﷺ أن يكون عبداً نبياً، تواضعاً لله ﷻ، واستشعاراً لحال المؤمنين من أمته، عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال: «ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة» — صحيح مسلم.

وهو مع ذلك ﷺ كان يزداد جوداً وكرماً في شهر رمضان المبارك فكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام يراجعه القرآن الكريم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي ﷺ القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة» — رواه البخاري.

عباد الله: إنّما كان الجود والعطاء والبذل من أعظم الأعمال الصالحة في رمضان لأنه شهر تتضاعف فيه الأجور، أجر النافلة فيه كأجر الفريضة، وأجر الفريضة فيه كأجر سبعين، يقول النبي ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فَرَضَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَجَعَلَ قِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، فَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخِصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَهُوَ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَهُوَ شَهْرٌ يُزَادُ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ فِيهِ، مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَمَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ» — رواه ابن خزيمة.

كما أن التخلق بخلق الجود والإحسان إلى الآخرين يعبّر عن مقاصد الإسلام في المجتمع، فهو يؤسّس للتعاون والتكافل بين الغنيّ والفقير، والشعور المشترك بين الفقراء والمحتاجين وسائر أفراد المجتمع، فلا يصحّ في نظر شريعة الإسلام السمحة أن ينغلق المسلم على نفسه بدون شعور بإخوته المؤمنين، بل الواجب أن يحسن كل واحد عمله والقيام بدوره في التكافل والتراحم والتواصل.

وإنّ التصدق والإنفاق في سبيل الله ﷻ من صفات عباد الله المتقين المهتدين المفلحين الذين وصفهم الله ﷻ بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: 2- 5]، فلا يقوم بهذه الأعمال إلا من صحّ إيمانه، وقويت عزيمته في الخير والرشاد.

والمسلم ينفق ويتصدق في سبيل الله ﷻ طمعاً في الجزاء والثواب العظيم ومضاعفة الأجر، كما جاء في قوله ﷻ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].

ومن أهم ثمرات الصدقة والبذل والعطاء للآخرين أنها تطهر الأموال مما علق بها الشبهات في الكسب، وتطهر النفوس من البخل والشحّ وتعودها على الشعور بحاجة الآخرين والتعاون معهم، يقول الله ﷻ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ التوبة: 103، وفي بذل الصدقة دليل على حسن الظن المسلم بربه، وأن الله ﷻ يجزي المتصدقين خير الجزاء في الدنيا قبل الآخرة، ففي الدنيا يشعر المسلم ببركة ماله، وفي الآخرة ينال الأجر العظيم عند الله ﷻ، يقول الله ﷻ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الحديد: 7.

وفي بذل الصدقة للمحتاجين أمان من الله ﷻ للعبد من سوء الخاتمة، وسبب في رفع البلاء عن العباد وسلامتهم، وقد قال النبي ﷺ: «داووا مرضاكم بالصدقة» — رواه أبو نعيم في الحلية، وقال ﷺ: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» — رواه الترمذي.

لذلك فقد حث النبي ﷺ على الصدقة وبذلك العطاء للفقراء والمحتاجين لما في الصدقة من ثمرات عظيمة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع، فقال ﷺ: «من كان له فضل مال، فليجد به عن من لا مال له» — رواه أبو داود، وقال ﷺ: «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَينِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرآن فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاء اللَّيلِ وَآنَاء النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقهُ آناء اللَّيلِ وَآناء النَّهَار» — رواه ابن حبان.

ومن وجوه الإنفاق في سبيل الله ﷻ في هذه الأيام المباركة إفطار الصائم، خصوصاً إذا كان هذا الصائم من المعوزين والمحتاجين، فمن فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء، فقد ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك أنه قال: «مَن فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه، غير أنَّه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا» — رواه الترمذي.

والمسلم لا يمنعه فقر الحال أو قلة ذات اليد أن يبذل الصدقة إلى غيره من الفقراء والمحتاجين، وليبذل كل مسلم ما يستطيع بذله سواء كثر العطاء أم قل، لما في ذلك من شعور المسلمين ببعضهم البعض، وتعاطفهم وتكاتفهم في صورة يحبها الله ورسوله، لقول الله ﷻ: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ الطلاق: 7، فالموازيين عند الله ﷻ لا تُكال بمقدار العطاء، بل تُقاس بالإخلاص والنية الصادقة، ولا يخجل المؤمن من قلة ما يعطي، فإن الحرمان من العطاء أقل، يقول النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» — متفق عليه.

وسُئل النبي ﷺ عن أفضل الصدقة فقال: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلاَ تَمَهَّلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلاَنٍ كَذَا، وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ» — رواه الإمام أحمد.

وقد بين النبيّ ﷺ أن الله ﷻ وكّل في كل يوم ملكين، أحدهما يدعو للمنفقين، والآخر يدعو على الممسكين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» — رواه البخاري، فانظر أيها المسلم أي الملكين تحب أن يكون دعاؤه لك.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

أما بعد: أيها المسلمون! إنّ السعيد والموفق من اغتنم هذا الشهر الفضيل بالأعمال الصالحة وصلة الرحم والإنفاق والتصدق في سبيل الله ﷻ، ولقد ارتبط شهر رمضان المبارك بالزكاة، حيث يعمد المسلمون في هذا الشهر لإخراج زكاة أموالهم طلباً للزيادة في الأجر، والمضاعفة في الحسنات، فبهذا الركن العظيم من أركان الإسلام تزكو الأموال وتسمو النفس ويسمو المجتمع ويصبح كالجسد الواحد.

إنّ مبدأ الزكاة حين طُبِّق في العصور الإسلامية نجح في محاربة الفقر وأقام التكافل الاجتماعي، ونزع من القلوب حقد الفقراء على الأغنياء وقلَّل كثيراً من الجرائم الخلقية والاجتماعية وأزال أسبابها من الفقر والحاجة، وعوّد المؤمنين البذل والسخاء، وهيَّأ سُبُلَ العمل لمن لا يجد المال.

وفي إيجابِها مواساة للفقراء ومعونة للضعفاء، وصلة بين المحتاجين والأغنياء، فضائلها عديدة، والمتأمّل في النظام الإسلامي الاقتصادي والاجتماعي يرى أنه أعدل نظام؛ فمال الغني فيه حقٌ للفقير، ويكتب الله له الأجر والثواب على بذله، ويحفظ له ماله، قال الله ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ المعارج: 24-25.

وما وكل الله الزَّكاة لنبي ولا ملك، ولكن تولَّى قسمتَها بنفسه؛ قال ﷻ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة:60.

فالزكاة لا تنفع ولا تبرأ منها الذمة حتى تُوضع في الموضع الذي وضعها الله فيه في الأصناف الثَّمانية، مثل ذوي الحاجة من الفقراء والمساكين، والغارمين الذين عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها.

وتذكر أخي المسلم أن المال مال الله وقد استخلفك فيه؛ قال ﷻ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ الحديد: 7، فالإنسان وكيلٌ في استثمار هذا المال الذي جعَله الله في يده.

فلنسارع جميعاً تزكية الأموال بدفعها إلى الجهات الموثوقة المعتمدة التي توصل الدعم إلى مستحقيه كاملاً، دون نقص أو تقصير.

والحمد لله ربِّ العالمين..

خطب عن رمضان مكتوبة

وفي مكتبتنا الكثير أيضًا، وسننتقي لكم بعضًا منها؛ فتابعوا:

وبالله ﷻ التوفيق.

أضف تعليق

error: