مقال عن ضغوط العمل

ضغوط العمل

إن الإنسان الذي يعمل، سواء في الأعمال الحكومية، أو الأعمال الخاصة، يعاني ضغوطًا كثيرة، يفرضها عليه العمل، والعاملين من زملائه، تلك الضغوط تعود بالآثار الوخيمة على الإنسان، وقد تودي بحياته في أعظم الأمور، هذه الضغوط تخلف الآثار السلبية على الأشخاص العاملين، تزرع الحقد فيما بينهم، والبغضاء، وتفكك أواصر التعاون فيما بينهم، كما أنهم تعود بالسلب على مسيرة العمل، فتضعفه، وتذهب به في سهم منحدر إلى الانحطاط والسقوط، فالعاملون في الشركات والمؤسسات هم اللبنة الأساسية التي التي تقوم عليها مسيرة الشركة، إذا هُدِّمت هذه اللبنة، سقطت المؤسسة كلها عن بكرة أبيها.

أنواع الضغوط في العمل

إن ضغوط العمل، التي يلاقيها المرء في أعماله، لها أنواع ومظاهر شتى، لا يمكن حصرها، فالإنسان في فطرته الإبداع، حتى في الشر مبدع، في افتعال الضغوط مبدع، في كل شيء مبدع، ولا يكتفي أبدًا بالضغوط التي تفرضها عليه الحياة، بل يزيدها في عمله، بل من الممكن أن يُخرج عقده من ضغوط الحياة، على العاملين معه بالمظاهر التي سأوجز فيها القول الآتي.

أول تلك الضغوط التي يعانيها المرء في العمل، هو المدير، وجبروته، وقسوته على العاملين معه، لا يراعي ظروفهم الصحية ولا يراعي أوقاتهم، ينهرهم دائمًا، ويُزيد عليهم في ضغوط العمل، غير آبه بصحتهم، أو سعة تحملهم.

ومن المديرين من ينشر البغضاء بين موظفيه، حتى يجعل له عيون في كل مكان، كل موظف يتجسس على زميله لحساب ذلك المدير الطاغي، فينتشر البغضاء فيما بينهم والحقد، والذي تكون عواقبه وخيمة فيما بعد.

ومن الضغوط التي يعاني منها المرء في العمل، الحقد والغيرة التي تصيب الغير منه، إذا كان مجدًا في عمله، مجتهد فيما يفعله، يحرص على إتقانه أيما حرص، فيقابله الغير بالحقد والبغضاء، ويطلقون سيرته على الألسن بما لا يحبه، وينبذونه لأسباب واهية، ويتلمسون له الخطأ دائمًا على أتفه الأمور، ويوشون به دون سبب؛ كل ذلك لأنه يستطيع أن يفعل ما لا يقدروا على فعله.

كل تلك الأمور تشكل ضغوطًا على المرء يعاني منها في حياته، وتُهبط من عزيمته في عمله، وتجعله يائسًا من زملائه وعمله ومديريه، لأنه موقن أنه لا سبيل لإصلاحهم، إلا إذا تشبه بهم، مما يولد في نفسه السخط عليهم، والشعور بالقهر بينهم، وتلك الآثار عواقبة وخيمة، قد تدخله في أمراض نفسية وعضوية كبيرة؛ فيصير كارهًا لعمله وزملائه، ولا يريد أن يعمل معهم.

ومن الضغوط التي يعاني منها المرء أيضًا في عمله، أن يتلبس أمامه الزملاء وجهًا غير الوجه الذي يبدوه من ورائه، فيبتسمون في وجهه، ومن ورائه يقطعون لحمه نميمة وبغضًا، والخوض في مساوئه التي تخصه، والتي يخلو منها أيضًا.

مما يدفعه إلى الشعور بعدم الراحة بينهم، وينتهي الأمان فيما بينهم، فلا يستريح للكلام معهم، أو مجالستهم، أو مطالعة الأقربين منه أسراره، ويولد في نفسه البغضاء تجاه نفاقهم، وتهبط عزيمته في العمل، ويود لو يتخلص منهم عاجلًا أم آجلًا، والحل الوحيد معهم أن يتشبه بهم.

ومن الضغوط التي يواجهها المرء في العمل، الشائعات التي تنتشر في كل ركن من أركان العمل؛ فالأقوال التي تتداول على الألسن تتحرك بين الأشخاص بالتحريف والتعديل، كلٌّ حسب ما فهمه، حتى يصير القول الأول كذبًا وشائعة، قد تودي بمصير أحد العاملين في العمل مثلًا، أو تبعث على عدم الاطمئنان فيما بينهم.

إن الشائعات كفيلة أن تهدم مجتمعات وأوطان، فما بالك بمؤسسة صغيرة يعمل فيها بعض الأشخاص، بالطبع ستودي بالعمل والمؤسسة، وتدفن مسيرة العمل تحت الثرى يومًا ما.

ومن الضغوط التي يواجهها المرء في العمل، عدم تفهم الآخرين له، وكل يستغله تبع هواه، لا أحد ينظر لشخصه، بل يضحكون في وجهه لأنهم لهم مصلحة مع هذا الشخص، فلا تكون صداقتهم على محمل الجَد، بل على محمل الاستغلال من أجل مصالحهم التي لا تنتهي، مما يعود بالأثر السلبي على الشخص المُستغل، فيشعر بعدم الأمان والثقة فيما بينهم.

تأثير ضغوط العمل على العاملين والموظفين

إن تلك الضغوط التي عرضتها آنفًا، لها آثار سلبية على كلًا من العاملين والموظفين، وأيضًا مسيرة العمل، ومصير المؤسسة التي يعمل فيها هؤلاء.

أما من ناحية تأثير ضغوط العمل تلك على العاملين والموظفين، فإنها تولد فيما بينهم البغض الدائم، والكراهية فيما بينهم، فكما قلت آنفًا، أن ما ينشأ على مبدأ البغض، يولِّد البغض؛ فالشائعات، النميمة، والاستغلال، كلها تولد البغض بين الموظفين والعاملين، وتدفعهم إلى كره بعضهم بعض، وتجعل من العمل ساحة للضغط العصبي، وعدم الراحة والأمان.

وعلى ذكر الأمان، فإن ما نتشر في ساحة العمل من ضغوط سبق أن ذكرتها، ينشأ عنها عدم الشعور بالأمان بين الموظفين والعاملين، فتذهب الثقة التي يجب أن تكون بينهم، وتتفكك أواصر التعاون فيما بينهم، ويصير الجو مشحونًا بالمشاحنات والنزاعات والخلافات، وكل شخص يتكلم على الآخر من وراء ظهره، فتتولد بيئة مصغرة من الانحطاط والفشل الدائم.

إن تأثير الضغوط التي يواجهها المرء في العمل، لا يعود بالسلب فقط على العاملين في المكان، بل على ذوي الأقارب، فالعامل مثلًا، الذي يشعر بالضغط الدائم في عمله، يخرج الطاقة السلبية التي يختزنها داخله على الأقربين، كزوجته وأولاده أو أصدقائه، فتنعدم حياته، وتندثر عزيمته في العمل، ولكنه سرعان ما يدرك أنه ملزم بهذا العمل، لما يحمله على عاتقه من المسئولية.

تأثير الضغوط على مسيرة العمل

إن الضغوط التي يواجهها المرء في عمله، كما تؤثر على المرء ونفسيته، فإنها تؤثر أيضًا على مسيرة العمل، ومصير المؤسسة التي يعمل فيها المرء.

فالمؤسسة التي تصبح ساحة للبغضاء، والكره، والنميمة، والشائعات، والوشاية، وغيرها من مظاهر الضغوط، تعاني فشلًا ذريعًا فيما بعد، ويأخذ مصيرها في الانحدار إلى حد السقوط والدمار؛ لأنه من باب أولى، أن تكون المؤسسة ساحة للعمل الجاد الشريف، القائم على الالتزام والتعاون، إلا أنه يصير ساحة لعكس ذلك، فيعود على العاملين بالسلب، وعلى المؤسسة كلها بالسلب، فتندثر نفس العاملين والموظفين، وينحدر العمل حتى يسقط نهائيًا.

خطوات على طريق الحد من ضغوط العمل

إن التغيير دائمًا ينبع من ذات الإنسان أولًا؛ فالخطوة الأولى التي يجب أن يفعلها المرء حتى يتخلص من ضغوط العمل، أن يبدأ بنفسه أولًا، ولا يفعل في عمله، ما لا يحب أن يفعله غيره فيه، أن يحب عمله، ويكون سببًا في محبة الآخرين له، وللعمل أيضًا.

فبدلًا من نشر الشائعات يلتزم الصمت، ويهدئ زملاءه ويطمئن نفوسهم، بوجه دائم لا يتغير أبدًا، ويكون سببًا للمرح فيما بينهم، ويذكرهم دائمًا بأخوتهم له، حتى يوقع على عاتقهم المسئولية التي يؤمنهم عليها.

ثم بعد ذلك يأتي دور العاملين؛ فيجب أن يلتزموا في عملهم بما يفعلوه فقط، وأن يعزوا نفوسهم بالكلمات الطيبة، والابتسامة الصادقة، دون الخوض في نزاعات ليس منها طائل، فينتشر جو من التعاون والألفة فيما بينهم، مما يعود على نفوسهم بالراحة، وعلى العمل بالنجاح الدائم، بسبب ترابطهم الذي لا ينقطع.

ثم بعد ذلك يأتي دور المسئولين، إذ يجب أن يدعموا العاملين معهم دائمًا، دعمًا ماديًا ومعنويًا، حتى يزيحوا عن عاتقهم الضغوطات التي تنشأ من كثرة العمل دون عائد معنوي أو مادي. وهكذا يستتب الأمر وتنمحي الضغوط، ويرتقي المجتمع.

أضف تعليق

error: