خطبة عن خطر تناقل الشائعات وأهمية الحذر منها وعدم ترويجها

خطبة عن خطر تناقل الشائعات وأهمية الحذر منها وعدم ترويجها

مقدمة الخطبة

الحمد لله الكريم؛ مُعِز من أطاعه واتقاه، ومُذل من خالف أمره وعصاه، أحمده ﷻ على فضله ونعماه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفردُ في علاه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله ومصطفاه، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفاه، وسلم تسليماً إلى يوم لقاه.

أما بعد: فاتقوا الله –عباد الله– حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

الخطبة الأولى:

أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

قِصَّة جُريج العابد

أما بعد عباد الله، فلقد كان جُريجٌ رجلاً صالحا عابدًا، اتخذ صومعة يتعبد لله رب العالمين فيها، وأتت إليه أمه تنادي عليه، وهو يتعبد لله رب العالمين، فنادت عليه يا جريج فقال: أي رب أمي وصلاتي فاقبل على صلاته، وأتت إليه في اليوم الثاني كذلك، وفي اليوم الثالث كذلك، تنادي عليه وهو يتعبد لله رب العالمين يا جريج، وهو يقول: يا رب، أمي وصلاتي، أمي وصلاتي، فيُقبل على صلاته.

وإن بني إسرائيل تذاكروا حاله مع ربه ﷻ، فذكروا من شأنه وصلاحه وعبادته وإقباله على ربه ﷻ.

وكانت هناك بغي من بغايا بني إسرائيل، فقالت لهم: أنا أفتنه لكم، فذهبت إليه في صومعته فاعرض عنها ولم يلتفت إليها، وأخذ في إقباله على ربه ﷻ مصليا وعابدا، فذهبت إلى راعٍ كان يرعى غنما، وكان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما وضعت حملت غلامها وأتت به إلى بني إسرائيل تحمله.

فقالوا لها: من أين هذا؟

قالت: هو ابن جريج، فذهبوا إليه مسرعين وانزلوه من صومعته، وهدموها على رأسه، وأخذوا يضربونه ضربًا شديدًا وهو يقول: ما شأنكم.

فقالوا له: وقعت على المرأة وهذا غلامك، فقال: دعوني حتى أصلي لله رب العالمين فأقبل على الله مصليا، فلما فرغ من صلاته طعن الغلام في بطنه وقال له: من أبوك؟

فقال: أبي الراعي، فأقبلوا عليه يقبلونه أي على جريج، ويتمسحون به، وقالوا له نبني صومعتك من ذهب، فقال: بل أعيدوها من طين كما كانت.

فهذا الحديث أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه–، أن النبي ﷺ قال «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» وذكر من هؤلاء الثلاثة غلام جريش.

الشائعات آفة مُدمرة

في هذا الحديث من العبر ما الله رب العالمين به عليم، ولكننا نحيا اليوم مع آفة عظيمة من آفات اللسان، ألا وهي الشائعات عباد الله، فتأمل حفظك الله تعالى كيف تعمل الشائعة عملها في رجل صالح، وفي عبد عابد يقبل على الله رب العالمين متنسك زاهد ولكن أصيب بدعوة أمه.

اللهم لا تمته حتى يرى وجوه المومسات، تأمل في هذه الشائعة تأتي تلك المرأة وهي بغي معروفة معلومة، فتفتري عليه كذبا، حتى أن الهمج الرعاع، ليذهبوا إلى صومعته، فينزلونه منها إنزالا، ويقومون بهدمها على رأسه هدما، ثم يضربونه ضربا وبجرسونة، والتجريس مقترن بالفضيحة نجانا الله منها دنيا وآخرة.

وذلك أنهم قديما كانوا إذا أرادوا أن يجرسوا رجلا اركبوه على حمار، وآتوا برجل يسير من حوله يحمل جرسًا، يدقه على رأسه، وينادي في الناس إن فلان ابن فلان قد فعل كذا وكذا، وفُعل به كذا وكذا.

فيأتون به في هذا المشهد، في مشهدٍ فيه مذلة ومهانة لرجل عابد، لعبد صالح، فيُخرج ويضرب من همج الرعاع، وتعمل الشائعة بين الناس عملها مع صلاحه وزهده.

وذلك بأن الله أكرمه بكرامة، أنه لما طعن في بطن الغلام من أبوك انطقه الله رب العالمين كرامة لهذا العابد، فكان له مع الله رب العالمين حال، وكان له مع الله ﷻ شأن، ولكن كذلك تفعل الإشاعات عباد الله في الناس، فكم أفسدت بين الأحبة، وكم فرقت بين الإخوة؟

كم هدمت من جيوش؟ وكم أسقطت من دول؟ وكم جرست من أبرياء؟ وكم قتلت من عظماء؟ وكم فرقت بين الأحبة؟ وكم زرعت الفتن والبغضاء في قلوب اتباع محمد ﷺ؟

لا يسلم منها إلا من سلمه الله رب العالمين، وهي عباد الله قد تؤدي إلى القتل، بل هي أعظم وأشد من القتل، لأنها سبب عظيم من أسباب الفتن والعداوات، والفتنة أشد من القتل كما ذكر الله رب العالمين ذلك في كتابه، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ).

معنى الشائعة والمقصود بها

الشائعة عباد الله من شاع الخبر، أي ظهر وانتشر واشتهر، فصار بين الناس شائعا، وأصبح بين الناس ذائعا، وأصبح منتشرا مشتهرا.

ولا تكون الشائعة إلا في الخبائث في غالب الأحيان، (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)، فلا تأتي في غالب إلا في الأمور المشينة، إلا في الأمور القبيحة، إلا في الفواحش على غالب الأحيان.

وهي عبارة عن أقوال، وعبارة عن أحاديث، يتناقلها الناس فيما بينهم، يحملهم على ذلك أغراض خبيثة، من غير بينة ولا تثبت ولا برهان، ومن غير بحث عن صحة ما قيل، ولا بحثٍ عن صدقه، وإنما يتناقلها الناس من ها هنا وهنالك، لأغراض خبيثة قد انطوت عليها القلوب، قد يعلمها من يروجها، وقد لا يعرفها والله بحال عباده خبير عليم.

الشائعات عباد الله، تعمل عملها في الفرد، وفي الأسر، وفي المجتمعات، فكم من امرأة طلقت بسبب شائعة باطلة كاذبة، وكم من دماء أريقت بسبب شائعة كاذبة مغرضة، وكم من صراعات أنشأت بسبب شائعات كاذبة مغرضة، وكم فرق بين الأحبة بسببها، بل كم قتل من بريء، وكم سقط جيش، وكم ضاعت من دولة بسبب تلك الإشاعات عافانا الله رب العالمين منها في الدنيا.

ونسأل الله تعالى أن يطهر أعراضنا وأن يطهرنا، وأن يطهر ألسنتنا من ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، لما أشيع على عهد النبي ﷺ بعدما هاجر من الصحابة من هاجر إلى الحبشة فارا بدينه، ترك ماله ودياره وأهله، وذهب إلى أرض غير الأرض، وإلى عادات غير العادات، ولكن فيها ملك لا يُظلم عنده أحد.

وأرادت قريش أن تتمكن من رقاب هؤلاء، فشاعت شائعة أنهم أي أن قريش قد دخلت في دين الله ﷻ واتبعوا محمدا ﷺ، فعاد من الصحابة من عاد، يحمله الشوق إلى دياره وأهله، ليرى أصحابه وليكون في صحبة نبيه ﷺ، فركبوا البحار وتحملوا من أجل ذلك الأخطار وعادوا مسرعين بالبشرى إلى بلادهم وديارهم، وقبل أن يدخلوا، فإذا بهم يتفاجؤون أن الأمر ما هو إلا مجرد شائعة، أطلقها من أطلقها وقالها من قالها، فرجع من رجع، ودخل من دخل، فتمكنت قريش ممن دخل، فساموهم سوء العذاب، وفعلوا بهم الأفاعيل، وسبب ذلك شائعة أطلقت، لا يُعلم من أطلقها لغرض خبيث انطوى عليه القلب وهو أن يتمكنوا من رقاب أصحاب محمد ﷺ.

الشائعة ومقتل عثمان –رضي الله عنه–

وفي عهد عثمان أشيعت شائعة بين الناس، أن عثمان صاحب النبي العدنان، المبشر بجنة الرحمن ذي النورين –رضي الله تعالى عنه–، أُشيع بين الناس أنه يستأثر أهله بالأمر وهو عاجز عن إدارة مقاليد الحكم فيتجمع الناس من ها هنا وهنالك، ويحيطون بداره، وهو من هو –رضي الله تعالى عنه–، وهو خليفة المسلمين رضوان الله تعالى عليهم، فيحاصرونه في داره، ويمنع عنه الطعام والشراب، وهو الذي اشترى البئر فجعلها للمسلمين، يمنع عنه الشراب، وهو الذي جهز جيشا كاملاً بماله، يُمنع عنه الطعام، وما زالوا كذلك حتى قتلوه –رضي الله تعالى عنه–، فقتل مظلوما شهيدا رضوان الله تعالى عليه، والسبب شائعة، صارت بين الناس وانتشرت كانتشار الهشيم، وهي افتراء وكذب عليه رضوان الله تعالى عليه، فكان من آثارها أن مُنع عنه الطعام والشراب، وقتل شهيدا مظلوماً رضوان الله تعالى عليه.

الشائعة وظهور الفتن

وظهرت بعد ذلك الفتن في أمة محمد ﷺ، فظهرت الخوارج، وظهرت الشيعة، وظهرت المعتزلة، وظهرت البدع بعد ذلك في أمة محمد ﷺ، وهذا كان من آثار أول ثورة كانت في دين محمد ﷺ، وهذا كان من آثار شائعة شائعة مغرضة من نفس خبيثة على إمام عادل وخليفة راشد، رضي الله تعالى عنه.

لما أشيع عنه الأمر، كان من آثار ذلك أن خرج عليه من خرج، وتجمع الثوار عليه وحاصروه، ويموت عطشانا يمنع عنه الماء، ويموت جائعًا يُمنع عنه الطعام ويقتل، رضوان الله تعالى عليه، وهو يقرأ في كتاب ربه ﷻ فتسيل الدماء انهارا، رضوان الله تعالى عليه.

الشائعة وحادثة الإفك

وإن من أعظم الإشاعات على الإطلاق، التي كانت في تاريخ المسلمين، هو ما حدث لبيت رسول الله ﷺ، حينما اتهم صلوات الله وسلامه عليه في عرضه، وحينما اتهم ﷺ في شرفه في تلك الحادثة حادثة الإفك، التي تولى كبرها كبير المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول الذي تولى كبرها فاتهم عائشة في عرضها وهي البريئة المبرأة، الطاهرة المطهرة، الصديقة بنت الصديق.

فكان من آثار تلك الشائعة أن يُتهم أطهر بيت على وجه الأرض، بيت النبي ﷺ، أن يتهم رسول الله في عرضه، أن الصديق في شرفه، إن تتهم البريئة في عرضها، أن تظل المدينة شهرًا كاملا في حزن لا يعلم مداه إلا الله، ولم لا؟ وهذه الشائعة قد لوثت أطهر بيت على وجه الأرض، بيت محمد ﷺ.

عائشة، رضي الله تعالى عنها– أخذت في البكاء، لا يرقأ لها الدمع، تقول أوَ تحدث الناس بذلك؟ تستنكر هذا، والصديق رضي الله تعالى عنه، هذا أمر لم نُرمى به في الجاهلية أنُرمى به في الإسلام؟

والنبي ﷺ يستشير أصحابه في فراق امرأته، فقام أسامة رضي الله تعالى عنه متحدثا هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم عليهم إلا خيرا، ويقف ﷺ على المنبر خطيبا، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلا خيرا، وفي رجل ما دخل بيتي إلا معي، أي صفوان بن المعطل رضي الله تعالى عنه، وكان من خيرة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

فقام سعد بن معاذ سيد الأوس قال: يا رسول الله إن كان منا أمرتنا نضرب عنقه، وإن كان من غيرنا أمرتنا أن نفعل فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج رضي الله تعالى عنه، قال: كذبت لن تفعل به شيئا ولن تصل إليه، فقام أسيد بن الحضير قال: إنك منافق تدافع عن المنافقين، وارتفع الصوت في مسجد النبي الكريم ﷺ، وكاد الصحابة أن يقتتلوا، من جراء تلك الشائعة، التي أُلحقت كذبا وبهتانا ببيت رسول الله ﷺ.

كاد الصحابة أن يقتتلوا، حتى سكنهم النبي ﷺ وسكتهم، وهو على منبره ﷺ، ويذهب إلى عائشة، رضوان الله تعالى عليها، والدمع لم يرقأ من عينها، لم يرقأ لها الدمع ولم تكتحل بالنوم، قال «يا عائشة إن كنتي ألممتِ بشيء من ذلك فتوبي إلى الله، فإن العبد إذا تاب تاب الله تعالى عليه، وإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله».

وتنظر إلى أبيها، يا أبت، أجب رسول الله، يقول رضي الله تعالى عنه، والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله، يا أماه أجيبي رسول الله، تقول: والله ما أدري يا بنية بأي شيء أجيب على رسول الله ﷺ.

قالت: أما إنكم صدقتم ما قيل عني وإني بريئة، والله يعلم أني بريئة، إن قلت لكم إني بريئة ما صدقتم ذلك، وإن قلت لكم إني فعلت صدقتم ذلك وأنا بريئة والله يعلم.

تأمل في هذا العذاب الذي حل ببيت النبي المهاب ﷺ، من كثرة الكلام، ومن شدة وطأة الخبر، صار الأمر كأنه حق، وصار الباطل كأنه حقيقة، وصارت الشائعة كأنها من المسلمات.

قالت أنتم صدقتم عني ذلك، والله يعلم أني بريئة، ومع ذلك يمكث الوحي شهرًا لا ينزل على النبي ﷺ، شهرا كاملا، والمدينة في عذاب، من أول النبي ﷺ مرورا بالصديق ثم بالصحابة، ثم بصاحبة الشأن، رضي الله تعالى عنها، حتى نزلت البراءة من الله في كتاب يتلى في المحاريب إلى يوم الدين، فبرأها الله رب العالمين.

ماذا فعلت الشائعات في بيت رسول الله ﷺ

ولكن تأمل علمني الله وإياك، ماذا تفعل الشائعات؟ ماذا فعلت؟ في المدينة النبوية، ماذا فعلت بالنبي ﷺ؟ ماذا فعلت بأصحابه؟ ماذا فعلت بالصديق؟ ماذا فعلت بالبريئة المبرأة؟

لتعلموا عباد الله خطرها، ولتعلموا عباد الله عظيم ضررها على الأفراد والمجتمعات، كم أسقطت من جيوش، وكم أضاعت من دول.

في غزوة أحد، لما أشيع أن النبي ﷺ قتل، شائعة، من الصحابة من ألقى السيف من يده، وجلس ينتظر الموت، وقال بعضهم ما قيمة الحياة بعد موت رسول الله ﷺ، وبعضهم أُلقى على الأرض كأنما شُلت أعضاؤه جلس الموت.

وما الأمر إلا شائعة، أطلقها مغرض فأصابتهم بهذه الهزيمة، لتعلموا عباد الله ماذا تفعل الشائعات؟ في قلوب عباد الله الموحدين، إذا كان هذا يحدث مع أطهر جيل وهو جيل الصحابة الكرام والأئمة العظام، فكيف تفعل الشائعات عملها عباد الله بيننا؟ في هذه الأيام التي لا يعلم حالها إلا الله رب العالمين، شائعات.

الناس يتنفسون شائعات، لا يجلسون إلا بالشائعات، ولا ينصرفون إلا بالشائعات، ويكذبون ويصدقون أنفسهم، ويتهمون الأبرياء، ويخوضون في الأعراض، ويلغون في عرض من أمة محمد ﷺ من غير بينة ولا برهان، وإنما يقولون سمعنا، يقولون والله الناس يقولون وقال النبي ﷺ «بئس مطية الرجل زعموا»، أي أقبح عيب بالرجل أن يستخدم كلمة زعموا، يعني يقول الناس يقولون، وهي المعروفة عندنا في العامية “يقول لك الناس بيقولوا”، الناس يقولوا فلأن كان خارجاً من عند فلانة الساعة الثانية ليلاً، هل رأيت؟.

الناس يقولون، امرأة فلان كانت خارجة من بيت فلان وكان وحده في البيت، هل رأيت؟ الناس يقولون، يقولون زعماً، بئس الرجل زعموا.

فيتهم الأبرياء، وتنتهك الأعراض، وتستباح الدماء، وتفسد البيوت، وتسير العداوات والشحناء بين الناس، ويحدث الهوج وتحدث الفتن وذلك بسبب رجل أطلق شائعة.

عقاب مروج الشائعات عند الله

أما الذي يروج الشائعات، فليعلم أن الله ﷻ قد أعد له عذابا شديدا، هذا الرجل، فليعلم أنه عبد نمام، والنميمة أن تذكر، ذكرك أخاك بما يكره، أرأيت إن كان في أخي ما أقول يا رسول الله، قال «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته»، أي افتريت عليه وظلمته، كما قال ﷺ.

الذي يروج الإشاعات عبد مفترٍ كذاب، فإن من أفرى الفرى كما قال ﷺ «أن يري الرجل عينيه ما لم تريا»، يقول رأيت وما رأى، يقول شاهدت وما شاهد، يقول حضرت ولم يحضر، هذا من أفرى الفرى، أي من أعظم أنواع الافتراء عبد مفتري، كذاب، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، كما ذكر النبي المختار ﷺ.

العبد الذي يطلق الإشاعات فليعلم أنه من شرار عباد الله، قال ﷺ «شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب» أي الذي يطلبون العيب للأبرياء، فيصفونهم بأقبح الصفات ويقولون عنهم ما ليس فيهم، هؤلاء من شرار الخلق عند الله، رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج، ومر عليهم فرآهم في مشهد عظيم.

مر على أقوام لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقال «يا جبريل من هؤلاء؟» «من هؤلاء يا جبريل؟» تأمل في هذا المشهد أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، قال: هؤلاء الذين يتتبعون أعراض الناس، يتتبعون عورات الناس ويقعون في أعراضهم، هؤلاء هم.

ورأى ﷺ رؤيا أتاه آتيان فأخذاه، ورؤيا الأنبياء وحي وحق قال انطلق فانطلق معهما ﷺ، فمر على رجل مستلق على قفاه، وآخر قائم عليه معه كلّوب، والكلّوب هو الحديدة المعوجة، كتلك التي يضع الجازر فيها لحمه معلقا.

معه كلوب من حديد يشرشر يعني يقطع بها، حلقه إلى قفاه، وأنفه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يذهب إلى الجانب الآخر فيفعل ذلك، فلما ينتهي من الجانب الثاني يعود الجانب الأول كما كان، فيذهب إليه مسرعا فيشرشره، أي يقطعه تقطيعا، من فمه إلى قفاه بهذا الحديد المعوج من أنفه إلى قفاه، من عينه إلى قفاه، فقال من هذان؟ قال للنبي ﷺ: أن الرجل الذي رأيته مستلق على ظهره، وعليه قائم بكلوب يُشرشره، فهذا الرجل يخرج من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، يكذب الكذبة تبلغ الآفاق؛ أي تنتشر بين الناس انتشارا واسعا، هذا عذابه يا رسول الله، كما قيل للنبي ﷺ.

(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) كما أخبر الله، ﷻ، كما أخبر الله رب العالمين في كتابه، توعدهم بالعذاب الأليم، توعدهم بالعذاب الشديد.

فعلي العبد أن يتوب إلى ربه، وأن يقلع عن هذا، فهذا من فعل الشياطين، لأن الشياطين شغلهم التحريش، أي التفريق بين الناس، وهذا الرجل أيضا يحرش بين الناس، أي يفرق بين الناس، فيفرق بين الرجل وأخيه والرجل وجاره والرجل وامرأته، يفرق بين الناس، هذا ساع بالإفساد بين الخلق، يسعى بالفساد في الأرض، فليتق الله ربه، وليعلم أنه عبد مفتر كذاب آثم، ولينتظر العقوبة الشديدة من الله رب العالمين جزاء وفاقا على فعله وصنيعه.

نسأل الله ﷻ أن يطهر ألسنتنا من الكذب، أقول قولي هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ.

⇐ وهذه: خطبة حول آفة الشائعات وضرورة نبذها والتحذير من الاستماع لها – مكتوبة

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، وصلاة وسلاما على من لا نبي بعده، نبينا وإمامنا محمد ﷺ وعلي من تبعه وسار على نهجه، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين أما بعد.

إذا كان هو خطورة الشائعات عباد الله، تُسري بين الناس، إذا كانت تفسد القلوب، إذا كانت تفرق بين الأحبة، إذا كانت تفعل هذه الأفاعيل التي مر بعضها.

فما الواجب على العبد الذي تُحمل إليه؟ وما الواجب على العبد الذي تُنقل إليه، اعلم علمني الله تعالى وإياك، إن هذه الشائعات لم يسلم منها إلا من سلمه الله رب العالمين.

إذا كان النبي ﷺ لم يسلم، ولم يسلم عرضه صلوات الله وسلامه عليه، فمن يسلم بعد ذلك عباد الله، ولكن لنا في ذلك عزاء، على العبد أن يتأسى بإمامه الأكرم ونبيه الأعظم ﷺ.

العبد الذي تحمل إليه الشائعة يجب عليه أولا ألا يصدق شيئا مما نقل إليه، لا يصدق شيئا من ذلك، ولا يصدق حرفا مما قيل له، لأن هذه ما هي إلا شائعة كاذبة خبيثة مغرضة، فعليه ألا يصدق.

اتقوا الله ولا تصدقوا الشائعات

لكن الآفة العظمى أن من الناس من يصدق، (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)، هذه الآفة العظمى، لو أن هذا الذي يروج الشائعات وجد من الناس صدودا عن سماعه، ووجد منهم عدم التصديق لكلامه لعله أن يرتدع، ولكن الناس يصغون إليه، ويقبلون عليه، ويستمعون لقوله، فيُجرأه ذلك على المزيد، ينبغي عليك ألا تصدق شيئا من ذلك، هذا أولا.

الأمر الثاني: أن تقوم بوعظه ونصحه، كأن تقول له: أيها الرجل اتق الله ربك، الله تعالى سيحاسبك على هذا يوم العرض عليه، (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) اتق الله في نفسك، أعد الجواب لسؤال ربك لك، سيكتب هذا الكلام عليك وتسأل عنه غدا أمام الله.

يا هذا اتق الله، فتقوم بنصحه ووعظه، فإن لم ينزجر فينبغي عليك أن تفارقه، وألا تجالسه، وإلا كنت معه في الإثم شريكا، فأنت وإياه في الوزر سواء.

الأمر الثالث: ينبغي عليك ألا تظن بأخيك الذي أُشيعت عنه هذه الشائعة، ينبغي عليك ألا تُسيء به الظن، عملا بقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، وعملا بحديث نبيك ﷺ «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» كما قال ﷺ.

أحسِن الظن بأخيك

الأمر الرابع: ينبغي عليك أن تُدافع عن أخيك، عليك أن تدافع عنه، تقول له: اتق الله اعرف فلانا هذا، فلان لا يقول مثل هذا الكلام، لا يخرج منه مثل هذا القول، يعني إذا حمل إليك أن الذي يتحدث إليك الآن طائح في تكفير المسلمين، ينبغي عليك أن تكذب هذا.

تقول وتحذر من ذلك أشد التحذير، إذا حمل إليك أن الذي يتحدث إليك الآن هذا إمام لجماعة، والذي معه في الجنة والذي على خلافه في النار، تقول لمن أخبرك هذا: اتق الله ربك، هذا لا يقول مثل هذا الكلام.

ما أكثر الشائعات! يشاع عن الرجل تارة أنه عميل، وتارة أنه من علماء السلطان إذا دعا لولي أمره، وتارة أنه من عباد الريادة إذا دعا لجيشه، وتارة أنه يكفر إذا كان يحذر من التكفير، إلى غير ذلك من السيل الجرار، من الشائعات والاتهامات الكاذبة الباطلة، التي روجها أصحاب نفوس خبيثة، يريدون منها صرف الناس عن قال الله وعن قال رسوله ﷺ.

والموعد الله، هو الذي يحكم بيننا ويفصل فينا يوم العرض عليه، ينبغي عليك أن تدافع عن أخيك، عملا بحديث النبي ﷺ «من رد عن عرض أخيه رد الله تعالى النار عن وجهه يوم القيامة».

ينبغي عليك أن تدافع وأن تنافح، لا أن تكون إمعة، لا أن تكون تابعا لكل ناعق، لا أن تكون من الهمج الرعاع، إذا قال لك عن عرض أخيك دافع، وينبغي عليك أن تنصحه وأن تحذره من ذلك، قل يا هذا اتق الله، الله تعالى سيحاسبك على هذا.

ولا تجسَّسوا

وينبغي عليك ألا تتجسس على أخيك، يعني لا يحملك هذا على أن تتجسس، لقول الله تعالى (وَلا تَجَسَّسُوا)، وينبغي عليك أن تتثبت عملا بقول الله تعالى (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) وفي قراءة (فتثبتوا) (أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

احذر هذا يا عبد الله، ينبغي عليك أن تتثبت من الأمر وأن تتبين، حتى لا تصيب قومًا بجهالة فتصبح على هذا من النادمين في الدنيا وفي الآخرة.

لا تكن من ناقلي الشائعات

فينبغي على العبد عباد الله أن يحذر الشائعات، وأن يحذر من مروجيها، وينبغي عليه ألا يكون من ناقليها، وينبغي عليه ألا يتورط في شيء من ذلك، وهناك شائعات كثيرة، تروج في كل قرية، في كل شارع، هناك شائعات كثيرة تروج على أهله، والرجل تروج عليه الشائعات وهو لا يشعر.

ومن الشائعات هذه الشائعات العظيمة التي تروج على شبكات التواصل، هناك شائعات مغرضة تقدح في ولي الأمر، وشائعات كاذبة تقدح في حكومات هذا البلد، وشائعات مغرضة تتعلق بجيش هذا الوطن، وكثير من إخواننا يتناقلون ذلك ويقومون بنشره على أنه من الحقائق المسلمات، وهو لم يشعر أن ذلك من صنع الأعداء، الذين يريدون لبلاده فوضى ودمارًا وخرابا، فينقل ويشارك وكأن هذا حقيقة نزل بها القرآن.

ينبغي عليك أن تظن بولي أمرك خير، وأن تدعو له بالصلاح والتأييد والثبات والسداد، لأن بصلاحه صلاح البلاد والعباد، وأن تدعو لجيشك بالحفظ، لأنك تنعم بالأمن والأمان بسببه، فهو سبب من أسباب حفظ الأمن، ولتعلم أنه إذا ضاع ضاعت البلاد وإذا وقع وقعت الدول، لأن هذا الجيش هو حائط الصد الوحيد الباقي.

في المنطقة حائط صد يقف كالصخرة الشماء كالجبال الراسيات في وجه مخططات الأعداء، فلا تكونوا حربا عليه، ولا تكونوا من مروجي الشائعات عليه.

اتقوا الله ربكم، واحفظوا ألسنتكم ولا تشاركوا في شيء من هذا ولا تعجبوا به، فهذا من الشائعات التي نهى عنها الإسلام، وحذر منها الله تعالى في القرآن، ونفر منها النبي العدنان.

اسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم، من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

⇐ وهنا أيضًا خطبة: عدم اليأس ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ مكتوبة & بالعناصر

الدعاء

  • اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
  • اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، ومن شر خلقك سلمنا.
  • اللهم عليك بمن عادانا، وعليك بمن آذانا، وعليك بمن ظلمنا.
  • اللهم احفظ بلادنا بحفظك يا رب العالمين.
  • اللهم اجعل بلادنا أمنا أمانا، سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.
  • اللهم احفظ بلادنا وأهلها، واحفظ بلادنا وشعبها، واحفظ بلادنا وجيشها.
  • اللهم وفق ولي أمرها لِما فيه صلاح البلاد والعباد.
  • اللهم اجعلنا آمنين مطمئنين.
  • اللهم من أراد بلادنا بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادها بسوء فشتت شمله، واجعل تدبيره تدميره، واجعل الدائرة عليه.
  • اللهم إنا نسألك حسن الختام، والوفاة على ملة الإسلام، وأدخلنا الجنة بسلام، واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ.

وأقِم الصلاة.

أضف تعليق

error: