خطبة: خطورة التكفير

خطبة: خطورة التكفير

ولأهميَّة الموضوع ومدى فداحة وشناعة فعله؛ قرَّنا أن تكون خطبة الجمعة لهذا الأسبوع تتحدَّث عن خطورة التكفير. ففي محتوى متميز وعناصر متتابعة؛ نسرد لكم ما لدينا اليوم في هذه الخطبة الهامة جدًا.

عناصر الخطبة

  • حفظ الدّين من أعظم الضرورات الخمس وأسمى المقاصد الشرعية.
  • لا يجوز للمسلم أن يخرج أخاه من دائرة الإيمان والإسلام إلى دائرة الكفر.
  • فتنة التكفير فتنة هوجاء تدل على الجهل وعدم المعرفة والوقوع في التعصب الأعمى.
  • وجوب الاحتياط في اطلاق حكم التكفير، ويجب إحسان الظن بالمسلمين وعدم تكفيرهم هو الأصل.
  • فتنة التكفير تنقشع بتلقي العلم على أيدي العلماء الثّقات العدولِ كالأئمة الأربعة -رضي الله عنه-م وأرضاهم.

الخطبة الأولى

الحمد لله..

الإسلامُ دينُ الحكمة والموعظة الحسنة، وقد جاء ليخرج الناس من الضّيق إلى السّعة، ومن الظلمات إلى النور، ولذلك كان ديناً صالحاً لكل زمان ومكان، ومصلحاً لكل زمان ومكان مناسباً لأحوال الناس وظروفهم، فكان من أعظم مقاصد الشريعة الإسلاميّة حفظ الدّين من الانحلال، وحفظ النّفوس من القتل، فجعل عقائد الدّين واضحة صريحة لا يمكن الخطأ فيها لمن قصد وجه الحقّ، ولا يمكن تكفير أحدٍ من الناس طالما يشهد أنْ “لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله”.

ومن واجب العلماء والدعاة أن يقوموا بالتنبيه دائماً على أهمية هذه المقاصد، صيانة للمجتمع المسلم من التعدي عليه، وحماية لأمنه واستقراره، فتحصين المجتمع من الأفكار الشاذة والمتطرفة واجب ديني على علماء الأمة، للحفاظ عليها أمةً وسطاً كما أرادها الله ﷻ، ولتبقى صورها مشرقة ناصعة كما تركها نبينا ﷺ، وحتى لا يقع أبناؤنا فريسة سهلة ولقمة سائغة عند من يريدون تشويه صورة هذا الدين العظيم والاعتداء على أبنائه ومقدرات الأمة، وأهم هذه الأمور التي يجب صيانة مجتمعنا عنها هي الإقلاع عن تكفير المسلمين دون وجه حق، وهو من أخطر الأمور التي نعاني منها اليوم، حين يصف المسلم أخاه بالكفر، بحيث يخرجه من دائرة الإيمان والإسلام.

وقد شاع التكفير في هذا الزمن بسبب الجهل والتعصّب وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وقد بدأ الغلو التطرف منذ عهد الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي -رضي الله عنه- وامتد هذا الفكر المنحرف إلى خوارج اليوم، فانشغلوا بتكفير المسلمين حكاماً ومحكومين، وإثارة الفتن والضغائن بين الناس وإشاعة الفوضى، واستباحة الدماء والأموال باسم الإسلام، والإسلام منهم براء، يقول ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ» متفق عليه.

فالله ﷻ نهى عن إطلاق لفظ الكفر على من آمن بالله ﷻ، فقال ﷻ: ﴿يا أيها الذين اَمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً﴾ النساء: 94، وقد عدّ الرسول ﷺ تكفير المسلم مساوياً لقتله؛ فقال: «… لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله» رواه البخاري، وهذا له خطورته العظيمة لما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة وإتلاف أموال معصومة وزعزعة لأمن الناس واستقرارهم ومنع للتوارث وفسخ للنكاح.

عباد الله: إن التكفير حكمّ شرعي مردّه إلى الله ﷻ ورسوله ﷺ، وأما ما يشيع من التكفير من جماعات منحرفة والتكفير المقابل من جماعات أخرى فلا يجوز شرعاً والإسلام يرفضه جملة وتفصيلا، بل هو من أكبر الكبائر لما يترتب عليه من أحكام خطيرة، فإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فالتكفير أولى أن يُدرأ بالشبهات، ولذلك حذر المصطفى ﷺ من إطلاق حكم الكفر على شخص ليس بكافر، فقال: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، ان كان كما قال وإلا رجعت عليه» صحيح البخاري.

قال الحافظ ابن حجر: “والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم.. وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وعلى هذا فيكون معنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كَفَّر نفسه لكونه كَفَّر من هو مثله”.

وقال الزركشي:” فليتنبه لهذا وليحذر ممن يبادر إلى التكفير في هذه المسائل منا ومنهم؛ فيخاف عليه أن يَكْفُر؛ لأنه كَفَّر مسلما”.

وقد شدّد العلماء المتقدمون في مؤلفاتهم على الاحتياط في التكفير ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، فإذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر وهناك وجه واحد يمنعه فيجب الميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، إحساناً للظن بالمسلم، فلا يكفر بالاحتمالات والإنسان يُحكَمُ عليه بما ظهر منه من قول أو عمل بغض النظر عن البواطن والسرائر، فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنه-ما قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أقال لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة، قال: قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ الأنفال:39 ؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة صحيح مسلم.

لقد كانت غِضبة رسول الله ﷺ لأن التكفير بغير وجه حقّ فيه تقّول على الله ﷻ بلا علم، قال ﷻ: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تُشركوا بالله ما لم يُنزّل به سُلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾الأعراف:33، وينجم عنه انتهاك للأعراض، واستباحة للدماء، وسلب للأموال والممتلكات العامة والخاصة والتقتيل والتدمير والتفجير والتخريب وزعزعة للأمن والاستقرار وترويع للآمنين، وقد نهى النبي ﷺ عن كل ذلك فقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» صحيح البخاري، وقال ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» صحيح البخاري وقال أيضاً ﷺ: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» صحيح مسلم، وقال ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يٌروع مسلماً» سنن أبي داود.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} آل عمران: 102.

لقد أدرك علماؤنا خطورة التكفير فحذروا منه أشد تحذير، قال الإمام الغزالي رحمه الله ﷻ: “الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم”.

وينبغي أن يدرك المسلم أن الدافع للتكفير هو نقصان الدين وعدم الخوف من الله ﷻ، فتكون المسارعة في التضليل والتفسيق والتبديع للمخالفين من غير حفظ حرمة المسلمين، ممّا يؤدي إلى التكفير والتفجير والتدمير، ومن أسبابه الالتزام بأقوال مشاهيرهم ممن لم يتلقّوا العلم بالصّورة الصحيحة المقبولة.

ومن أهمّ أسباب الوقاية من فتنة التكفير وحماية الدين والنفس إنما يكون بالحرصُ على تلقي العلم على أيدي العلماء الثّقات العدولِ، والالتزام بمنهجية المذاهب الفقهية الأربعة الجامعة بين أدلة القرآن الكريم وأدلة السنة النبوية والوعي الكامل بهما وبكيفية معرفة الأحكام الشرعية، وعدم الانجرار وراء من يدعي العلم والعمل بالكتاب والسنة وليس له حظ من العلم أو المنهجية الصحيحة ” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني”.

والحمد لله رب العالمين..

خُطَب جمعة ممتازة.. لكم:

وبعد أن قدمنا لكم خطبة اليوم؛ هذه أيضًا باقة خطب جمعة مختارة؛ من أجلكم:

والله وليّ التوفيق.

أضف تعليق

error: