العيد وعيون جائعة للفرح

العيد وعيون جائعة للفرح

قد تلتقط العين صورة، تختزنها الذاكرة، ويعز عليها إزاحتها، ربما لأنها تمس القلب، أو تعكر الخاطر، زمان الصورة قبل العيد بأيام، المكان أمام أحد متاجر لعب الأطفال.

استوقفني صراخه ودموعه المتلاحقة وقد برك عليه ثلاثة أطفال أكبر سنا ليشبعوه ضربا وركلا، أما هو فقد تشبث بسيارة حمراء صغيرة، كان قد خطفها من أصغرهم وهو خارج من المتجر، لم يفلح ضربهم في استخلاص السيارة منه، تحلق المارة في محاولة لتخليص الطفل المضروب الذي كاد يختنق لكن دون جدوى فبرغم الضرب المبرح كان متشبثا بالسيارة الي حد الموت، الفاجع أن الأم عندما سمعت الصراخ والضجة خرجت من المتجر لتشارك أطفالها الثلاثة في ضرب الصغير السارق الذي انكفأ على الأرض محتضنا السيارة ليصبح من العبث وصول أي يد إليها.

لكن بعد ركلة قوية من حذاء الأم انقلب الصغير يتلوى وتمكنت الأم من انتزاع السيارة لطفلها الذي حملته ومضت تقبله وتخفف عنه وتعده بشراء واحدة أخري.

تأملت الصغير الجالس على الرصيف يبكي، كان ضعيفا، حافيا، رثا، يشي لون وجهه بأنيميا حادة، في عينيه جوع لكل شيء، وبرغم الدموع الحارة التي كانت تغرق وجهه كانت عيناه مسددتين ناحية الفاترينه الكبيرة التي تعج بالسيارات الملونة، لم يشح أبدا عنها، بينما رحت أسترجع ركلات الأم التي راحت تكمل شراء لعب أطفالها.

كيف أن روحها الضريرة لم تعطفها إلى مشاعر الشفقة أو العطف لتكون على غير ما كانت عليه من قسوة مع طفل محروم؟ لا أدري لماذا عدت أتأمل ملامح الصغير الباكي الذي كان مازال يتأمل سيارات الفاترينة الفخمة المعروضة بإبهار مستفز، والخارجين من المتجر بأطفالهم وأكياس كثيرة مليئة باللعب، تصورته مشروع مجرم يمكن أن يروع مجتمعه عندما يكبر بحصيلة كل ما عاشه من حرمان امتد من طفولته وحتى صباه، ستظل تراكمات الحرمان والجوع تكبر، وتكبر، حتى تصبح المحرك الوحيد للوصول الي كل ما يريد.

سيأخذ كل ما يريد بالقوة، سيتعلم اقتناص الأشياء بل اغتصابها، أشفقت من ظلام ما ينتظره في مجتمع مشغول حتى النخاع بنفسه، وأشفقت على مجتمع سيدفع يوما فاتورة انشغاله وأنانيته، من العدل أن أقول إنه كان يمكن أن يكون في ظل مجتمع التكافل والرحمة غير المجرم المنتظر.

إنها حكاية من حكايات الحرمان الكثيرة التي قد لا نلتفت لها في خضم تحضير أشكال السعادة والبهجة لأطفالنا من ملابس وحلوي، ولعب العيد، متناسين أطفالا لهم عيون جائعة للفرح. الذي فاتني في هذه الحكاية هو أن أسأل الام الصائمة التي أشبعت الصغير السارق ضربا وركلا لتستخلص سيارة طفلها منه..

كيف صامت رمضان بطوله وقامت وهي لم تؤمن بأكرم ما جاء به رمضان؟

بقلم: هدى أحمد جاد

أضف تعليق

error: