الشيخ محمد متولي الشعراوي.. ليس مجرد داعية إسلامي

الشيخ محمد متولي الشعراوي.. ليس مجرد داعية إسلامي

لم يكن الشيخ الشعراوي مجرد داعية إسلامي، وإنما كان موسوعة في العلم والحلم… نموذجا في المعرفة، وقدوة بجد، كريما وصادقا ومؤثرا في المجتمع، لم يختلف على قدره اثنان، ولو أنك رجعت بالذاكرة إلى الوراء قليلا لتذكرت كيف أن شوارع مصر كانت تخلو من البشر في الوقت الذي كان يذاع فيه برنامجه التليفزيوني الشهير لتفسير القرآن…

النظام السياسي كان يعرف، ولذلك اختار توقيت إذاعة برنامجه ليعلن ذات مرة نبأ إقالة وزير الداخلية الأسبق زكى بدر استجابة لمطلب شعبي كان ملحا في ذلك الوقت… وبرغم أن الشيخ الجليل كان نجما في السماء، لكنه لم يكن سوبر ستار كنجوم الفضائيات…

كان إنسانا بحق… أحد جيرانه في حي الحسين واسمه الحاج مصطفى يتكلم عنه يقول: كان الشيخ يتحلى بأخلاق الصديقين، فلم نكن نسمع في بيته صوتاً، ولم يكن يجرح مشاعر أحد مطلقاً، ولم يرد أحداً يطلب عنده حاجة حزيناً أو مكسور الخاطر…

أما في شهر رمضان فكان يكلفنا بإقامة مائدة الرحمن فوق السطوح من كثرة ما يأتي إلى مائدته، لدرجة أن عدد المترددين على المائدة في الشارع كان يبلغ حوالي ألف شخص، وكان كل واحد منهم يأخذ عشرين جنيهاً من الشيخ، وكان يقيم في السيدة نفيسة مائدة شبيهة لمائدة الحسين، وكان يعطني قماشاً كثيراً أوزعه على الفقراء، وكان الشيخ لا يأكل وحده، بل لا بد من أن يأكل مع زائريه أو يبحث هو عمن يأكل معه، وأحياناً كان يحرص على أن يطعم كل من أتى إليه، فإذا اعتذر إليه الضيف أعطاه الشيخ طعامه وطعام أولاده ليعود به إلى منزله.

في حياة الشيخ الشعراوي- رحمه الله- مواقف كثيرة… أشعر بأننا في أشد الحاجة لأن نتعلم منها بخلاف ما تعلمناه من تفسيره للقرآن الكريم… فقد تمتع الشيخ الشعراوي بطبيعة ثائرة في صباه ورغبة في الصياح في وجه الفساد، وعندما كان في معهد الزقازيق رأس اتحاد الطلاب ولما تفجرت ثورة الأزهر عام 1934 خرج الشعراوي وأنشد بعض الأبيات التي اعتبرت عيبا في الذات الملكية فقبض عليه وعن هذه القصة قال: (إنني كنت الوحيد الذي ظل طليقا لفترة طويلة فقد كان رجال الحكومة يأتون للقبض على ولكنهم كانوا يخطئونني ويقبضون على أناس غيري فاضطروا إلى القبض على أبي وأخي فسلمت نفسي إليهم وأخذوني إلى مأمور الزقازيق الذي اصطحبني إلى وكيل النيابة فقلت له إني لن أتكلم حتى يخرج المأمور ثم قلت: الحقيقة إنها مصيبة أمة يعمل فيها بوليس جاهل، يسوي بيننا وبين اللصوص. وكان القاضي فيه وطنية تحكمه وكان يمدد حبسنا كل أربعة أيام حتى حكم علينا بسجن شهر وكنا قد قضينا شهرا في السجن وبذلك أفرج عنا).

اعذروني يا جماعة… فالكلام عن الشيخ الشعراوي يحملني لمناطق بعيدة… فنحن نعيش في زمن وزراءه مشغولون إما في بيع البلد أو “البلطة” في الساحل الشمالي…

أما مولانا الشيخ الشعراوي -رحمه الله- فعندما كان وزيرا للأوقاف أنشأ بنك فيصل الإسلامي ليخدم فقراء المصريين، برغم أنها لم تكن “شغلته” وكانت مسئولية وزير المالية، ولما سألوه… قال الشيخ: راعيت وجه الله ولم أجعل في بالي أحدًا لأنني علمت بحكم تجاربي في الحياة أن أي موضوع يفشل فيه الإنسان أو تفشل فيه الجماعة هو الموضوع الذي يدخل هوى الشخص أو أهواء الجماعات فيه… أما إذا كانوا جميعًا صادرين عن هوى الحق وعن مراده، فلا يمكن أبدًا أن يهزموا، وحين تدخل أهواء الناس أو الأشخاص، على غير مراد الله، تتخلى يد الله.

بالله عليكم اقرءوا كلامه مرة أخرى!

لا أعرف إذا كنا نظلم الشيخ الشعراوي أم نظلم أنفسنا عندما نختصر علمه في أمور الدين ولا نحاول أن نستفيد به في أمور الدنيا… مثلا نتكلم عن تربية الأولاد بأسلوب متحضر ديموقراطي بجد… اسمع ماذا يقول عن تربية أولاده: أهم شيء في التربية هو القدوة، فإن وجدت القدوة الصالحة سيأخذها الطفل تقليدًا، وأي حركة عن سلوك سيئ يمكن أن تهدم الكثير.

فالطفل يجب أن يرى جيدًا، وهناك فرق بين أن يتعلم الطفل وأن تربي فيه مقومات الحياة، فالطفل إذا ما تحركت ملكاته وتهيأت للاستقبال والوعي بما حوله، أي إذا ما تهيأت أذنه للسمع، وعيناه للرؤية، وأنفه للشم، وأنامله للمس، فيجب أن نراعي كل ملكاته بسلوكنا المؤدب معه وأمامه، فنصون أذنه عن كل لفظ قبيح، ونصون عينه عن كل مشهد قبيح.

وإذا أردنا أن نربي أولادنا تربية إسلامية، فإن علينا أن نطبق تعاليم الإسلام في أداء الواجبات، وإتقان العمل، وأن نذهب للصلاة في مواقيتها، وحين نبدأ الأكل نبدأ باسم الله، وحين ننتهي منه نقول: الحمد لله… فإذا رآنا الطفل ونحن نفعل ذلك فسوف يفعله هو الآخر حتى وإن لم نتحدث إليه في هذه الأمور، فالفعل أهم من الكلام.

بقلم: محمد عبد الله

أضف تعليق

error: