أثر أمهات المؤمنين في خدمة القرآن الكريم وعلومه

أثر أمهات المؤمنين في خدمة القرآن الكريم وعلومه

كلّ الأوامر الواردة في الترغيب في تلاوة القرآن الكريم شاملة للرجال والنساء. وكذلك ما ورد في الحثّ على استظهاره والترغيب في تعلمه وتعليمه، يدخل في ذلك النساء، لهذا فقد عُني نساء المسلمين من الصدر الأول من الصحابيات وعلى رأسهن أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن- بهذا الفضل العظيم.

لذلك فقد تمثل اهتمامهن -رضوان الله عليهن- بكتاب الله ﷻ فيما يلي:

المطلب الأول: الحفظ في الصدور

لم يشتهر من نساء المسلمين قارئات ومتقنات لكتاب الله كما هو الحال في الرجال. وهذا لا يعني عدم وجود حافظات وقارئات لكتاب الله بدليل وجودهن في هذه الأزمنة المتأخرة بكثرة فكيف بالصدر الأول الذي كان فيه نساء المسلمين أحرص وأرغب في الخير من النساء في الوقت الحاضر.

والذي يوضح عدم وجود أسماء للقارئات من الصدر الأول في كتب التراجم إلا نادرا – والعلم عند الله – هو عدم ظهورهن وتصدرهن للإقراء؛ إذ الأصل في المرأة المسلمة الستر والقرار في البيت، فإذا أُمرت بما هو أهم من القرآن وهو الصلاة بأن تكون في بيتها حيث إن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، كذلك الشأن في قراءة القرآن، فلا يجوز لها أن تظهر أمام الناس وتجوِّد عليهم القرآن وتُسمعهم صوتها، وترتيلها بل تكون في بيتها وتسر قراءتها ولا تعلنها إلا عند بنات جنسها، أو مع الصبيان إن أرادت تعليمهم.

ومع ذلك فقد ذكر أبوعبيد القاسم بن سلام القراء من أصحاب النبي ﷺ فعدَّ من المهاجرين: الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبدالله بن السائب والعبادلة وعائشة وحفصة وأم سلمة، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة، ومجمع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة ابن مخلد، وصرح بأن بعضهم إنما كمله بعد النبي ﷺ.

وفي الرواية التي نقلها ابن الجزري عن المصدر نفسه قوله: «وذكر من الأنصار أبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء، وزيد ابن ثابت، وأبا زيد، ومجمع بن جارية، وأنس ابن مالك – رضي الله عنهم أجمعين».

قلت: ومما يعين على توضيح الأمر هو قوله في الرواية الثانية: «وممن نقل عنهم شيء من وجوه القراءة من الصحابة وغيرهم فذكر من الصحابة أبا بكر…».

وهذا يدل على أن بعضا ممن ورد ذكرهم رووا شيئا من وجوه القراءة، وهذا لا يختلف عليه أحد. فكتب الصحاح والسنن روت كثيرا من ذلك. والذي يظهر لي – والله أعلم – أن من جمع القرآن من النساء قلة حتى أمهات المؤمنين، وهذا مع عنايتهن الفائقة بتلاوة القرآن وسماعه ونقله، ومما يدل على ذلك أن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – كان يؤمها عبد لها يكنى أبا عمرو، وفي رواية عن ابن أبي شيبة والبخاري معلقا أنه كان يؤمها في المصحف.

وقد ورد أن أم ورقة بنت عبدالله بن نوفل – رضي الله عنها – جمعت القرآن الكريم كله. فقد أخرج أبوداود في سننه: أن النبي ﷺ لما غزا بدرا قالت: قلت له يا رسول الله! ائذن لي في الغزو معك، أمرِّض مرضاكم، لعلَّ الله يرزقني شهادة، قال: (قَرِّي في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة)، فكانت تسمى الشهيدة. قال وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها، قال: وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس، فقال: من كان عنده علم من أمر هذين فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة.

وفي رواية قال: وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها.

هذا وقد أفرد الترمذي – رحمه الله – في سننه كتابا سماه: كتاب القراءات وساق فيه روايات كثيرة روتها أم المؤمنين عائشة وأم سلمة – رضوان الله عليهما – توضح أوجها لقراءات القرآن في سورة هود والكهف وغيرها، تدل على عناية أمهات المؤمنين بحفظ كتاب الله ونقله كما سمعنه على تنوع قراءاته.

المطلب الثاني: الحفظ في السطور

مما يدل على عناية أمهات المؤمنين – رضوان الله عنهن – بالقرآن الكريم، حرصهن على اتخاذ المصاحف والأمر بكتابتها لهن، فعن أبي يونس(6) مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (وصلاة العصر) وقوموا لله قانتين}، قالت عائشة سمعتها من رسول الله ﷺ: أما العطف الموجود فهو تفسيري، لأن القرن لا يثبت إلا بالتواتر إجماعا، قال الباجي: «وهذا يقتضي أن يكون بعد جمع القرآن في مصحف وقبل أن تجمع المصاحف على المصاحف التي كتبها عثمان -رضي الله عنه- وأنفذها إلى الأمصار؛ لأنه لم يكتب بعد ذلك في المصاحف إلا ما أُجمع عليه وثبت بالتواتر أنه قرآن».

ثم عقب – رحمه الله – في شرحه لمعنى قولها – رضي الله عنها – «سمعتها من رسول الله ﷺ قال: «يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت…، فلعل عائشة – رضي الله عنها – لم تعلم بنسخها أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقي رسمه، ويحتمل أنه ذكرها ﷺ على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها فظنتها قرآنا فأرادت إثباتها في المصحف لذلك، أو أنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن معه على ما روي عن أبي وغيره من الصحابة أنهم جوزوا إثبات القنوت وبعض التفسير في المصحف وإن لم يعتقدوه قرآنا».

والشاهد في هذا الحديث السابق هو اهتمام أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – بالمصحف وعنايتها به حفظا وكتابة حتى حملها ذلك على اتخاذ مصحف خاص بها يكون عندها للتلاوة والحفظ والتفسير والتدبر.

هذا وقد وردت في الباب رواية أخرى لأم المؤمنين حفصة – رضي الله عنها – متشابهة بل هي مطابقة للرواية السابقة في أمرها – رضي الله عنها – بكتابة مصحف خاص لها، تدل على اهتمامها هي الأخرى بكتاب الله ﷻ. فقد روى الإمام مالك في الموطأ في باب الصلاة الوسطى عن عمرو بن رافع أنه قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة أم المؤمنين – رضي الله عنها – فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: {حافظوا على الصلوات الوسطى (وصلاة العصر) وقوموا لله قانتين}.

وهذه الرواية المثبتة في الموطأ أشار إليها الترمذي – رحمه الله – بعد حديث عائشة – رضي الله عنها – السابق بقوله: «وفي الباب عن حفصة».

هذا ويكفي أم المؤمنين حفصة – رضي الله عنها – شرفا أنها كانت هي الحافظة للمصحف الإمام الذي جمع وكتب أيام خلافة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- حيث كان عنده بقية حياته. ثم كان عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بقية حياته. ثم تركه عند حفصة – رضي الله عنها. وجاء اليوم الذي احتاجت إليه الأمة كلها.

فعن أنس -رضي الله عنه-: أن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قدم على عثمان -رضي الله عنه- وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال عثمان -رضي الله عنه-: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان. فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتي إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة. وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فألحقناها في سورتها في المصحف.

قال الإمام ابن حجر -رحمه الله- عند قوله: حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة قال: «وعن عبدالله بن عمر قال: كان مروان يرسل إلى حفصة – يعني حين كان أمير المدينة من جهة معاوية يسألها الصحف التي كُتب منها القرآن فتأبى أن تعطيه. قال سالم فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبدالله بن عمر ليرسلن إليه تلك الصحف. فأرسل بها إليه عبدالله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت. وقال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب».

المطلب الثالث: الخشوع والتدبر عند تلاوة كتاب الله

لقد منَّ الله ﷻ على أمهات المؤمنين بكثرة الخشوع عند تلاوة القرآن الكريم مع حسن التدبر لما فيه من عبر وعظات وأحكام، كيف لا وقد أكرمهن الله ببيت النبوة، فهن زوجات رسول الله ﷺ الذي هو أتقى الناس وأخشاهم لله، ويرينه ﷺ صباح مساء، وهو يتلو آيات الله ﷻ آناء الليل وأطراف النهار. وأحيانا ينمن ويستيقظن على صوته ﷺ وهو يناجي ربه بتلاوة كتابه. كلُّ ذلك أكسبهن فضيلة الخشوع والتدبر للقرآن الكريم والإقبال على عبادة الله رب العالمين.

وما هذه الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﷺ في فضائل القرآن الكريم والحث على تدبره وتعلمه وتعليمه من لدن أمهات المؤمنين إلا أعظم شاهد على حرصهن وفضلهن في هذا الباب. وما هذا العلم الغزير الذي ورثته أمهات المؤمنين في الكتاب والسنة إلا نتيجة للتدبر والتفكر في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.

هذا ولقد عنيت أمهات المؤمنين -رضوان الله تعالى عليهن- بكتاب الله ﷻ تلاوة وتدبرا أيما عناية. فلقد كانت الواحدة منهن مضرب مثل في العبادة وطول القنوت في الصلاة وتلاوة كتاب الله ﷻ وتدبره.

فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبدالله بن أبي موسى. قال أرسلني مدرك إلى عائشة – رضي الله عنها – أسألها عن أشياء، قال: فأفتيتها، فإذا هي تصلي الضحى، فقلت: أقعد حتى تفرغ، فقالوا هيهات.

وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تشهد لأم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها بالتقوى والصلاح والصدق وصلة الرحم تنفيذا لآيات الله في محكم كتابه وعملا به وتدبرا وخشوعا عند تلاوته.

وكذلك تشهد أم المؤمنين عائشة لأم المؤمنين سودة -رضي الله عنهما- بالصلاح والتقوى وتتمنى أن لو كانت في مسلاخها من فرط المحبة والسبق في الخير والصلاح، فتقول: «ما رأيت امرأة أحب إليّ أن أكون في مسلاخها من سودة».

وهذا كله من ثمرات العمل والتدبر لكتاب الله ﷻ. وهي ذاتها -رضي الله عنها- تشهد لأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث – رضي الله عنها – بالتقوى والصلاح، فتقول: «… أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم». وتعظم الشهادة لأمهات المؤمنين حين يشهد جبريل -عليه السلام- أمين الوحي لأم المؤمنين حفصة – رضي الله عنها – بأنها صوامة قوامة.

فهذا من أقوى الأدلة الدالة على العلم والعمل وتدبر كتاب الله من لدن أمهات المؤمنين – رضوان الله تعالى عليهن أجمعين.

بقلم: د. خالد محمد الحافظ العلمي

أضف تعليق

error: