نفس جميلة

نفس جميلة

كل الخصال الجميلة فيه. النبل، والشهامة، والتفاني، والوفاء، عهدتهم به في مواقف عدة كانت تقدمه لنا برغم رقة حاله دون تزييف، تعلمت منه أن دواخل الإنسان الجميلة هي التي تصنع معدنه الأصيل، كثيرا ما كنت ألمح نبالة خضرة الريف الذي أتي منه في عزة نفسه التي جعلته لدينا أثيرا ومحبوبا.

لم يكن متكالبا علي شيء ولا طامعا في شيء، بل كان جل وقته مانحا من روحه الطيبة، عندما كان الأولاد صغارا كنت أعجب منه وقد ملأ أحضانهم بأكياس الحلوى التي أعرف أنها فوق طاقته، وقد وضع أصغرهم في حضنه يطعمه بيده حتى لا تتسخ ملابسه، وعندما كنت أصمم علي دفع ثمن ما اشتراه لهم كان يرد يدي برفق وهو يقول عيب يا ست هانم دول عيالي.

وكنت أعرف ولعه بالأطفال وقد حرم الذرية فاتركهم يلعبون حوله، أتراه كان يستمد منهم العزاء في وحدته الطويلة، يعود شريط عم شاكر الآن كأنه كان بالأمس، تلامس ذاكرتي وجهه في حنو بالغ واذكر كيف كان يفطن إلى أن ابني ساخن وقد التهيت في تنظيف الشقة ويأتي حاملا إياه منبها بضرورة عرضه علي طبيب، اذكر أنني دائما ما كنت أنسي طلب حاجيات البيت دفعه واحدة، كنت أعتمد علي ذاكرتي دون ورقة، فيظل عم شاكر بيني وبين السوق حتى أفرغ من طلباتي.

لم ألحظ قط أنه تأفف يوما، أو أعلن غضبه أو ضيقه بزفرة أو حركة، بل كان يرحمني من خجلي ويقول في كل مرة بأدب جم (جل من لا يسهو) وارد (معاش يا عم شاكر أنا آسفة تعبتم) ويرد ببشاشة ألمحها جليه في عينيه (تعبك راحة يا ست هانم) لا شيء خارج خط الذاكرة، مشوار طويل مع عم شاكر، مملوء بأحاسيس صعب أن تكتب، صعب أن تفسر وقد كان بعشرته الودودة، يؤكد دائما بأنه واحد منا من أسرتنا، طالما أهمه ما أهمنا، وأسعده ما أسعدنا، لا يمكن أن أتجاوز الآن ارتجافات وجهه الحزين وقد عرف أننا مسافرون وسيطول غيابنا بأول غربة في العمر، بكى وهو يودعنا بنشيج عال أوجعنا وأبكانا.

ما زال في سمعي صوت قرآن مسجله الخارج صباح مساء من حجرته المتواضعة، وما زالت هيبته في عيني وقد رأيته آخر مرة، العينان مطوقتان بذبول يشي بتعب المرض والإجهاد، الخطوات بطيئة.. شاب الشعر، وازداد الجسد هزالا، مسبحته بين أصابع يده المحروقة تتوالى حباتها، بينما شفتاه غارقتان في تسابيحه صورة عم شاكر حاضره اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة عندما توقفت السيارة أمام البيت ولم يركض عم شاكر لإنزال الحقائب، كان على كرسيه صاحب وجه آخر، بملامح أخرى.

ما لبث أن نزل السلم على مهل، بمشاعر محايدة قال: حمد الله على السلامة، ومضي يرفع الحقائب في صمت. سأله الأولاد بلهفة: فين عم شاكر؟ ودون أن يلتفت.. البقية في حياتكم.

عندها خيّم علينا سكون حزين، وسرح كل واحد منا مع شريطه الخاص وعم شاكر، وأدركنا جميعا أننا فقدنا إنسانا عزيزا من صعب أن يتكرر.

بقلم: هدى أحمد جاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: