مقال عن فضل الأم وواجبنا نحوها

الأم

إن الأم لها الفضل الكبير على أبنائها، فهي تحيطهم بعنايتها منذ الصغر إلى أن يشتد عودهم، وتغلف حياتهم بالرحمة والمحبة التي لا تنقطع، وتهب أبنائها من حنانها، وتربيهم، وتشقى من أجلهم دون أن تنتظر منهم مقابلًا.

إن الأم خصها الله بالذكر؛ لما لها من الحق العظيم على الأبناء، والبشرية جمعاء، ومن شدة ما تقدمه الأم من التضحية والمعاناة من أجل أن تنشئ جيلًا جديدًا يتسم بالرحمة والأخلاقيات الجميلة، جُعل لها عيد الأم، يحتفل فيه العالم كله بفضل الأم على الإنسانية، وكيف ساعدت في بناء الحضارات، من خلال الأجيال التي سعت الأم لتربيتها أجل تربية، حتى يخدموا الأوطان، ويرتقوا بالمجتمعات.

وفي هذا المقال أحاول أن أفصل القول في فضل الأم على أبنائها من الصغر وحتى يشتد عودهم، وفضلها على مسيرة الإنسانية كلها، وأشير إلى التقدير الذي يكنه الإنسان تجاه الأمهات، كما أحوال أن أبرز وصية القرآن بالأم، ومكاة البار بأمه، وكيف يستطيع الإنسان أن يبر أمه خير البر.

فضل الأم على أبنائها

إن الأم، حين تعلم أن في رحمها طفل جميل قطعة منها، تبدأ حياتها تأخذ منحى جديد كليًا، فتشكل حياتها كلها، وتعدها لأجل هذا الطفل الجميل المشرف على الوجود، وكلما كبر الطفل في رحم أمه، زادت معاناته، من أجل الحفاظ عليه، وتغذيته بقدر ما تستطيع حتى يأتي إلى الدنيا في أجمل صورة، واضعة نصب عينيها ذلك الحلم الجميل الذي تنتظره من الحياة، حتى يشارف الطفل على الخروج إلى شمس الدنيا.

وما إن يشرق شمس يوم على وجه طفلها، حتى تهب حياتها كلها من أجل هذا الطفل، فتهبه محبتها، وعطفها، وحنانها، ولا تميز شيء عليه، فيكون هو في المقام الأول عندها، تغذيه، وتحرص على صحته، وتقلق إذا مرض، وقد يصل قلقها إلى حد البكاء الناتج عن حرقة القلب، فالأم أكثر الناس شعورًا بأبنائها، تضحي من أجله، وتهبه كل ما تستطيع من الدنيا، حتى ينشأ في صحة، وعافية، ويصبح متزنًا عقليًا وجسمانيًا، ليتأهب بعد ذلك ليخوض غمار الحياة.

والطفل حين يرى ضوء الشمس، ويبدأ يحبو، تكون الأم على كل خطوة من خطواته، تعلمه وتلقنه كل شيء، وتغذيه حتى تشتد عظامه، ويصبح قادرًا على الحركة بمهارة أكثر، وتبدأ في تلقينه بضع كلمات، بنفس مرحة صابرة، حتى يبدأ ينطق أولى كلماته، فلا يسعها الفرح بنطقه الكلمة الأولى، التي في الغالب تكون (ماما)، ولا تفتر عزميتها أبدًا مهما حيت، بل تظل مستمسكة بالأمل الذي يبعثه وجود ابنها فيها حتى يستطيع أن يحسن الكلام، ويبدأ في التعلم.

وفي هذه المرحلة: تكون الأم هي المتصدرة الأولى له في كل ما فيه مصلحته، تلقنه وتعلمه، وتنصحه، وترشده، وتدفئه في أحضانها إذا واجه الصعوبات، وتفرح لفرحه حين ينجح في الاختبارات، ولا تيأس منه أبدًا ولا تشعره باليأس، وإذا ناله منها بطش ناتج عن ضغوطات الحياة، فإنها سرعان ما تندفع تجاهه حتى تطمئنه من جانبها، وتهبه من محبتها، وتغمر كيانه من جديد حتى لا يشوب قلبه كره ناحيتها.

وفي مراحل الطفل كلها تكون الأم حريصة على ألا يمرض طفلها، أن يتغذى جيدًا، تسهر لأجله، وتشقى لأجله، وتفعل كل شيء من أجل مولودها، وقلما تفعل شيئًا من أجل نفسها.

حتى يكبر الابن ويصير مسئولًا عن نفسه وعن اختياراته في الحياة، فلا تفتر عزيمتها أيضًا، بل تظل على نفس وتيرتها من إسداء النصح، والأرشاد، والتدفئة بالكلمات الطيبة العطرة، والتغذية اللذيذة، والحضن الدافئ الذي يحتوي الابن عند الشدة، فيشعر في أحضان أمه أنه في جنة مغروسة على الأرض.

هكذا يكون فضل الأم على أبنائها على مدار حياتها، حتى يكبر الأبناء، ويتركوها ليكملوا حياتهم بعيدًا عنها، أو قلما يتذكروا فضلها.

ما رأيك أن تقرأ أيضًا

فضل الأم على الإنسانية كلها

ونظرًا لما تضفيه الأم على حياة أبنائها، فغنها لها فضل كبير على ما في الإنسانية من رقي وتحضر؛ فالأم حين تحيط الطفل بعنايتها تعطي مثالًا يحتذى به في الرحمة والعطف والمودة، ذلك المثال يقتدي به الأبناء في التعامل على مستوى حياتهم مع الآخرين، فينشأ جيلًا راقيًا في تعامله، متعاطفًا مع الآخرين، كما أنها بنصحها تعطي الأبناء من خبراتها الكثيرة في الحياة، فيصيروا بذكائهم ذوي خبرات متعددة في الحياة، تتضافر هذه الخبرات لنباء المجتمع الراقي.

وكما قال الشاعر: (الأم مدرسة، إن أعددتها، أعدد شعبًا طيب الأعراق).

القرآن وضرورة بر الأم

بعد أن أوضحنا فضل الأم على الأبناء وعلى الإنسانية كلها، لابد أن نشير إلى ضرورة بر الأم، نظرًا لما لها من الفضل العظيم على تقدم الإنسانية، وإضفاء الرحمة والمودة في قلوب البشرية.

قال “تعالى”: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).

فالقرآن الكريم، يوصي بضرورة بر الوالدين، معطيًا لمحة بسيطة، لكنها ذات أثر جليل على الإنسانية، وهي أن الأم تحمل الابن في بطنها رغم ضعفها ووهنها، إلا أنها تتحمل مشاق الحياة كافة من أجله، حتى تلده وتتم رضاعته حتى يبلغ الفطام.

وفي ذلك قمة التضحية والمحبة التي يمكن أن تقدمها الأم لأبنائها، لذلك يوصي الله “سبحانه وتعالى” بضرورة بر الوالدين، لا سيما الأم.

البار في منزلة عالية

إن البار بأمه يكون ذا منزلة كبيرة في الدنيا والآخرة؛ ففي الآخرة يكون من أصحاب الجنة، الذين يُرجح كفة أعمالهم الصالحة، بر الأم، فيكون مصيره الجنة، ويكون ذا منزلة عالية فيها لا تضاهيها منزلة.

والبار بأمه يتمتع بمكانة كبيرة في الحياة الدنيا، إذ يرزقه الله العافية، والصحة، والبركة وسعة الرزق، فيعود عليه بالخير، لذلك لابد من رضا الأم، بنية خالصة، ومحبة صافية، حتى ينعم الإنسان في الدنيا بظلها، ويغدقه الله بنعمه الوافرة التي لا تنقطع.

لقد فضل الرسول “صلى الله عليه وسلم” بر الوالدين على الجهاد؛ ففي الحديث الشريف: جاء رجل إلى النبي “صلى الله عليه وسلم” فاستأذنه في الجهاد، فقال “صلى الله عليه وسلم” (أحي والداك؟) قال: نعم، قال نبي: (ففيهما فجاهد).

ومن الحديث الشريف يتضح مدى ضرورة بر الوالدين، ومدى ضرورة بقاء الأبناء بجانبهما يعينهما، ويلتمس الجنة في جانبهما.

كيف نبر أمنا؟

إن الإنسان حتى يكون بارًا بأمه، لابد أن يكون عونًا لها في الدنيا، يساعدها عند الكبر، ويغدقها من عطفه وحنانه الذي ورثه عنها، فلا تشعر أنها وحيدة في الحياة بعدما ينفتح الطريق في وجه ابنها، بل تشعر بثمرة إنجابها في الدنيا، وتعيش هانئة مطمئنة في كنف ابنها، لا تخاف شيئًا ولا تبالي جور الحياة عليها، والشيب الذي وصلت إليه، قاضية عمرها كله في تربية ابنها.

إن الإنسان كي يبر أمه لابد أن يراعيها، فلا يجرحها بالكلمات التي تدمي قلبها، أو يقول لها حتى كلمة (أف)، فالأم لها مشاعر رقيقة حساسة، خاصة تجاه ابنها، فهي قد تتحمل أي شيء من أي أحد، إلا ابنها، لأنها تتوسم فيه دائمًا الخير والرعاية لها.

لكي يبر الإنسان أمه لابد أن يحافظ عليها عند المرض، وأن يبقى في جانبها يطمئنها ويفعل كل ما في وسعه من أجلها.

إن بر الأم خلق عظيم لابد أن يتحلى به كل إنسان.

أضف تعليق