صحيح البخاري: رحلة في حياة الإمام وكتابه الجامع الصحيح

ما أنْ تُذْكَر أو تثار أحد الجِدالات حول حديث نبوي مُعيَّن، وعن مدى صحته؛ إلا وتكْثر المصطلحات الرَنَّانَة، مثل: صحيح البخاري، أمير المؤمنين في الحديث، أصَحّ كتاب بعد كتاب الله، كتاب الجامع الصحيح.. وغيرها. وبالتّبعيَّة تأتي الأسئلة: هل رواه البخاري؟ ماذا قال الإمام في رواته؟ ما عِلَّة الضعف التي ذكرها؟ وغيرها الكثير.. ما رأيكم أن نُبْحِرُ في تعريف هذه الشَّخصية صاحِبَة الأثر الإسلامي الكبير!

صحيح البخاري

مكانة السُّنَّة النبويَّة

أهلا بكم إخوة الإيمان، ونحن نزيدكم عِلمًا بهذا الإمام العالم العلامة، الحَبر الفهامة، الحافظ المُجيد؛ صاحب كتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه. وهو أهم وأشهر كتب الحديث؛ والذي يُعَدّ أصح كتابٍ بعد القرآن الكريم.

إنه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الذي شرَّق وغرَّب وعرف فضله القاصي والداني.

فمن المعروف أن الله -تعالى- أرسل رسوله رحمة للعالمين، وأنزل عليه القرآن الكريم، وآتاه الحِكمة وفصل الخِطاب وجوامع الكلم، وعلمه ما لم يكن يعلم.

وكانت السَّنَّة النبوية المطهرة نِتاج تعليم الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- الذي قال عنه القرآن ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى | إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى | عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾.

يا إمام الأنبياء… يا ملاذ الأتقياء… يا سراج الأولياء

والسنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله -عز وجل-، وهي أصلٌ أصيل من أصول الدين، ومنهلٌ خصب لشرائِعه، ودليل أساسي من أدلة الأحكام. إذ تُعرفنا حُكم الله -سبحانه وتعالى- في كثير من الأمور التي أجملها القرآن الكريم أو لم يرِد لها ذِكرٌ فيه. فهي بحق جامعة مانِعة عامَّة شامِلة، لا تفوتها شاردة ولا واردة إلا وقد أعطتها حكمًا شرعيًا، وفيها بيان لِما كان وما سيكون، وفيها تنظيم عملي رائع لشؤون الحياة مستوىً عن الله -تعالى- خالق الحياة الذي ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾.

والسنة النبوية المطهرة مفسرة لكثير من الآيات القرآنية؛ ولذلك هناك التفسير بالمأثور. كما أنها مفصلة لما أُجمِل. وفيها بيانٌ لكثير من الأحكام التي لم يرِد ذكرها في القرآن، لأنها مُكملةٌ ومُتمِمَةٌ له، ولا يُستَغنى بها عن القرآن، كما لا يُستَغنى عن القرآن بها.

قال -تعالى- ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾. فالنور هو السنة المطهرة، والكتاب هو القرآن الكريم. وقد عُطِفَ بينهما بحرف العطف الواو، الدالة على المشاركة.

ولهذا كانت السنة المطهرة في مُجْمَل أحكامِها وتشريعاتها من حيث وجوب العمل بها بمنزلة كتاب الله -تعالى-. فما ثبت فيها فهو ثابتٌ بوحيٍ من الله -سبحانه- وأمر منه وتكليف. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.

وقد أجمَع علماء الأمة على أن من أنكر حجيتها عموما فهو كافرٌ مرتد عن الإسلام. ولهذا حذَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أُناسٍ يدعون إلى العمل بكتاب الله دون السنة. فعن عُبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «- لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه».

وقفت على رأس الطريق مُيمّما — أُروح بالأنفاس قلبًا مُتَيَّما

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المُطَبق الأول لشريعة الله -تعالى-، هو المكلف الأول ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وهو القدوة الصالِحة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾. وهو الذي تلقَّى الوحي من السماء ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى | إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾. وهو الذي أدَّبه ربه فأحسن تأديبه. وهو الذي قذف الله النور في قلبه وأجرى الحق على لسانه، وجعل طاعته من طاعتِه، ومعصيته معصية له -سبحانه- ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.

وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا بد للمسلمين من الرجوع إلى ما نُقِل عنه -صلى الله عليه وسلم- من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، والأخْذ بما ثبت عنه ليُعْمَل به. وهذا ما يُعرَف بالسنة النبوية، التي هي قول قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو فعل فعله، أو تقرير أقرَّ من قام به ورضي عنه بمدحه أو بسكوته.

سبحانه أعطاك فيض فضائل — لم يعطها في العالمين سواك
سوّاك في خلق عظيم وارتقى — فيك الجمال فجلّ من سواك

الجامع الصحيح «صحيح البخاري»

ولقد بذل السلف الصالح من العلماء جهودًا مشكورة في خدمة دين الله -عز وجل- والسنة النبوية المطهرة. فدونوا لنا أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مصنفات تنوَّعت أساليبها. وكان من أفضلها وأصحها الجامع الصحيح «صحيح البخاري» لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري؛ الذي تلقَّفته الأمة بالقبول، وأولته عناية بالقراءة والدراسة والحِفظ؛ وتناولته بالشرح تارة، والاختصار تارة أخرى.

وأقبل عليه طُلَّاب العِلم يقرؤون متنه ويحفظونه له عن ظهر قلب، ويتسابقون في ذلك.

ولا غرابة؛ فهو المصدر الثاني لديننا الإسلامي الحنيف بعد كتاب الله -عز وجل-. ولا تزال المدارس والجامعات في العالم الإسلامي تُعنى به دراسة وحِفظا؛ وبعضها تقرره في مناهجها ليُقرأ من أوَّله إلى آخره في مختلف صفوفها.

الإمام البخاري

اسم البخاري كاملا

والإمام البخاري هو أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف البخاري. نسبة إلى بخارى، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر. بينها وبين سمرقند مسافة ثمانية أيام.

ولادته

كانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤ هجريَّة.

وكان الحسن بن الحسين التمَّار يقول: رأيت محمد بن إسماعيل؛ شيخًا نحيف الجسم ليس بالطويل ولا بالقصير.

يا رازق الأطيار في أكنانها — أرجوك يا جوَّاد فيض مداك
يا من نصرت محمدًا في ليلة — لم يلق فيها ناصرًا إلَّاك

سبب انشغاله بالحديث

أما عن سبب انشغاله بالحديث الشريف؛ فقد قال محمد بن سليمان ابن فارس: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- كان واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحة أذُب عنه. فسألت بعض المعبرين، فقال: إنك تذُب عنه الكذب.

فهو الذي حملني على إخراج الصحيح.

تعليمه

أما عن تعليمه؛ فقد سُئِل الإمام البخاري؛ كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ فقال: أُلهِمت حِفظ الحديث بعد حفظ كتاب الله وأنا في الكُتَّاب ابن ١٠ سنين أو أقل. ثم خرجت من الكُتَّاب بعد العشر؛ فجعلت أتعلم من علماء عصري، مثل الإمام الداخلي. فبينما كان يقرأ للناس يوما، قال: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت له: يا أبا فلان؛ إنَّ أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم؛ فانتهرني، فقلت له: إرجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل ونظر فيه، ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عَديّ، عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأحْكَم كتابه، وقال: صدقت.

فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة.

ولا يزال الإمام البخاري يتحدَّث عن رحلته التعليمية. فيقول: فلما كنت في سن السادسة عشرة حفِظت كتب ابن المُبارك ووكيع. ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججنا رجع أخي وتخلَّفت أنا بها في طلب الحديث. فلما كنت في الثامنة عشرة من عمري جعلت أُصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنَّفت كِتاب التاريخ عِند قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الليالي المقمرة. وقَلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قِصة؛ إلا أني كرهت تطويل الكتاب.

كما قال أيضا: كتبت عن ألف شيخ.

مَهَر الإمام البخاري في علم الحديث، ورُزِقَ الحفظ له، والمعرفة له، ورحل في طلبه.

وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر؛ وقدِم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرُّده في عِلم الرواية والدراية.

قال ابن وضاح ومكيّ ابن خلف: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف نفرٍ من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمَّن قال الإيمان قولٌ وعمل.

أي أنه كان يتحرَّى من يكتُب عنه. فلا بد من أن يكون جامِعًا بين الإيمان قولا وعملا، ليضمن صدقه فيما يكتبه عنه.

وعن أبي إسحاق الريحاني، أن البخاري كان يقول: صنَّفت كتاب الصحيح بسِت عشرة سنة؛ خَرَّجته من ستمئة ألف حديث. وجعلته حجة فيما بيني وبين الله -تعالى-.

وارتحل سنة عشر ومائتين؛ فسمع مكيّ بن إبراهيم وأبا عاصم النبيل وأحمد بن حنبل، وخلائِق عدتهم ألف شيخ.

وكان من أوعية العلم يتوقد ذكاءَ.

وقال محمد يوسف: كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري في منزله ذات ليلة، فأحصيت أنه قام وأسرَج يستذكر أشياءَ في ليلةٍ ثمانية عشرة مَرَّة.

وهذا يؤكد انشغاله التام بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ذكائه

أما عن ذكائه وقوَّة حِفظه، فقد كان -رحمه الله- قوي الذاكرة سريع الحفظ.

ذاكر عنه المُطلعون على حاله ما يتعجب منه الأذكياء ذو الحفظ والإتقان؛ فضلا عمن سواهم.

فقد قال أبا بكر الكلواذاني: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، كان يأخذ الكتاب من العلم، فيطّلع عليه اطّلاعة واحِدة، فيحفظ عامَّة أطراف الحديث من مرة واحِدة.

وقال محمد بن أبي حاتم -ورَّاق البخاري-: قُلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلته في المصنف؟ قال: لا يخفى عليَّ جميع ما فيه.

وقال محمد بن الأزهر السجستاني: كنت في مجلس سليمان بن حرب، والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلى بخارى ويكتب من حِفظه.

ورعه

أما عن ورعه؛ فقد كان الإمام البخاري ورعًا زاهدا، ينام في الظلام، وربما قام في الليل نحو ٢٠ مرة يُسرِب ويكتب أحاديث، ثم يضع رأسه.

وكان يصلي كل ليلة آخر الليل ثلاث عشرة ركعة، يُوتِر بواحدة منها.

وكان يصلي بأصحابه في ليالي رمضان كل ليلةٍ بثُلثِ القرآن، ويختم كل ثلاث. ويقول: عِند كل ختمٍ دعوة مُجابة.

وما وضع حديثا في الصحيح إلا وصلى عَقِبه ركعتين شكرا لله -عز وجل-.

وكان -رضي الله عنه- يأكل من مال أبيه لكونه حلالا. وكان أبوه يقول: ما أعلم من مالي درهما حرامًا، ولا شُبهة.

مناقِبه

أما عن مناقِبه؛ فهي كثيرة مشهورة -رضي الله عنه-. فكان من العلماء العاملين، تُسْتَنزل الرحمة عِند ذِكره.

كان صائم الدَّهر، وجاع حتى انتهى طعامه كل يوم إلى تمرةٍ أو لوزةٍ، ورعًا وحياء من الله -تعالى- في تردده إلى الخلاء.

وعن بكر بن منير، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله -سبحانه وتعالى- ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا.

وكان -رضي الله عنه- يقول: المادِح والذَّام من الناس عندي.

من يطلب الرحمن جل جلاله — لم يخشى بعد ملامة من شان
إن حدثوا عنى فإني مغرم — متمسك بالواحد الديان

وعن أبي سعيد بكر بن منير، قال: كان حُمِل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة أنفذها إليه فلأن، فاجتمع التجار بالعشية فطلبوها منه بربح ٥٠٠٠ درهم. فقال لهم: انصرفوا الليلة. فجاءه من الغَدِ تجارٌ آخرون، فطلبوا منه تِلْك البضاعة بربح ١٠ آلاف درهم، فردهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى أولئك، ولا أحب أن أنقُض نيَّتي؛ فدفعها إليهم.

احترامه للسُّنَّة

وعن احترامه للسنة النبوية المطهرة؛ فقد عَرَفَ الإمام البُخاري للعلم مكانته وقدره. فكان يتخيَّر الأماكن التي يؤلف فيها؛ فصنَّف كتاب التاريخ عند قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الليالي المقمرة.

وكان يصلي لكل ترجمةٍ ركعتين.

وكان أكثر احترامًا وتقديرًا لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. إذ يقول: وما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت وصَلَّيت ركعتين.

وقال محمد بن إسماعيل: ما أدخلت في كتابي الجامع [صحيح البخاري] إلا ما صَحّ.

واتُّفِقَ أن خالد بن أحمد الذهلي -والِي بخارى- سأله أن يحضر عنده ليسمع منه الكتاب الصحيح والتاريخ. فقال: أنا لا أذِل العلم؛ أن أراد سماع ذلك فليحضر عندي.

وعنه أنه قال: صنَّفت كتابي [الصحيح] لسِت عشرة سنة، خرَّجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حُجَّة فيما بيني وبين الله -عز وجل-.

مناظراته العِلميَّة

أما عن مناظراته العِلميَّة؛ فقد حكى أبو عبد الله الحَميدي في كتابه [جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس] والخطيب في [تاريخ بغداد]؛ أن الإمام البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد إسناد حديثٍ آخر. ودفعوا إلى عشرةِ أنفس؛ إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقون ذلك على البخاري.

وأخذوا الموعد للمجلس؛ فحضر المجلس جماعةٌ من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان، وغيرها؛ ومن البغداديين.

فلما اطمئن المجلس بأهله، أُنتُدِب إليه واحدٌ من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث.

فقال الإمام البخاري: لا أعرفه.

فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه.

فما زال يلقي عليه واحِدًا بعد واحد، حتى فرغ من عشرة. والإمام البخاري يقول: لا أعرفه.

فكان الفقهاء مِمن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: لقد فهِم الرجل الحيلة. ومن كان منهم ضد ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم.

ثم أُنتُدِب رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة؛ فقال الإمام البخاري: لا أعرفه. فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه.

فلم يزل يُلقي عليه واحِدًا بعد واحد، حتى فرغ من عشرته؛ والإمام البخاري يقول: لا أعرفه.

ثم أُنتُدِب الثالث والرابع.. إلى تمام العشرة؛ حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والإمام البخاري يقول: لا أعرفه.

فلما علِم البخاري أنهم فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء.. حتى أتى تمام العشرة. فرد كل متنٍ إلى إسناده، وكل إسنادٍ إلى مَتنِه؛ وفعل بالآخرين كذلك.

ورَد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.

آراء العلماء في الإمام البخاري

وعن الإمام البخاري في عيون العلماء، لما قام الإمام البخاري -رحمه الله- بالعناية التامة في تدوين سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتنقيتها من الشوائِب وتجريد الأحاديث الصحيحة؛ جعل الله له لسان صدق في الآخرين.

فما زال الناس منذ عصره ولا يزالون يُثنون عليه، ويترحمون عليه، ويولون كتابه الجامع الصحيح «صحيح البخاري» العناية التامة. وما من مؤلف في التاريخ وتراجم الرجال إلا ويزين مؤلفه بذكر ترجمته والتنويه بشأنه ونقل أخباره -رحمه الله-.

وهذا الحافظ الذهبي -رحمه الله- يترجم له في تذكرة الحفاظ ويقول -بعد نقل شيء من مناقبه-: قلت قد أفردت مناقب هذا الإمام في جزءٍ ضخم، فيه العجب.

وهذا الحافظ بن حجر يترجم له في تهذيب التهذيب، ويقول في ترجمته: قلت مناقبه كثيرة جدا، قد جمعتها في كتاب مفرد، ولخَّصت مقاصده في آخر الكتاب الذي تكلمت فيه على تعليقات الجامع الصحيح.

وقد ترجم له أيضا في آخر كتاب هدي الساري مقدمة فتح الباري، ونقل شيئا من ثناء مشايخه وأقرانه عليه؛ ثم قال: ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس ونفدت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له.

وترجم له ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، وعّدَّد شيئا من مناقبه، ثم قال: واعلم أن مناقب أبي عبد الله كثيرة فلا مطمع في استيعاب غالبها والكتب مشحونة به وفيما أوردناه مقنع وبلاغ.

وقال الفربري: سمع هذا الكتاب تسعون ألف رجل، مما يؤكد وشهرته وانتشاره والعناية به.

وروى عنه بعض رفقائه أنه كان يختلف معهم إلى مشايخ البصرة وهو غلام، ولا يكتب. فسألوه بعد أيام: لما لا تكتب؟ فقراء عليهم جميع ما سمعوه من حِفظه. وكان يزيد على خمسة عشر ألف حديث.

وكان بندار يقول: ما قدِم علينا مثل محمد بن إسماعيل البخاري. ودخل مرَّة إلى مجلس بندار؛ فما عرفه. فقيل له: هذا أبو عبد الله. فقام، فأخذه بيده، وعانقه، وقال: مرحبا بمن افتخر به منذ سنين.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل.

وقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال إسحاق بن راهويه -وعنده البخاري-: يا معشر أصحاب الحديث؛ انظروا إلى هذا الشاب؛ واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفهمه.

وقال أبو حامد أحمد بن حمدون الأعمشي: سمعت الإمام مسلم بن الحجاج يقول لمحمد بن إسماعيل البخاري: لا يعيبك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.

وقال أحمد بن حمدون الأعمشي: رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ومحمد بن يحيى يسأله عن الأسامي والكُنى وعِلَل الحديث. ويمر فيه محمد بن إسماعيل البخاري مثل السهم، كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾.

وروى أبو إسحاق، عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب الصحيح من محمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل.

وقال النسائي: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال ابن الأهدل -بعد الإطناب في ذِكر البخاري-: أجمع الناس على صحة كتابه، حتى لو حلف حالِف: ما في صحيح البخاري حديثٌ مُسند إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وهو صحيح عنه كما نقله، لكان صادقا.

نُقِل ذلك عن غير واحد من الفقهاء وقرروه.

وقال أبو داود: كان حافظًا متقنا.

وقال محمد بن أبي حاتم -ورَّاق البخاري-: سمعت يحيى بن جعفر يقول: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل البخاري لفعلت، فإن موتى يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم.

وقال رجاء بن مرجى بن رجاء: البخاري آيةٌ من آيات الله تمشي على ظهر الأرض.

وقال أبو عبد الله الحاكم -في تاريخ نيسابور-: هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل.

وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال الحافظ الذهبي -في تذكِرة الحفاظ-: وكان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والعبادة. ويقول في كتابه [العِبَر]: وكان من العلم، يتوقَّد ذكاءَ.

وقال الحافظ ابن حجر -في كتابه [تقريب التهذيب]-: أبو عبد الله البخاري جبل الحِفظ وإمام الدنيا، ثِقة الحديث.

وقال الحافظ ابن كثير -في كتابه [البداية والنهاية]-: هو إمام أهل الحديث في زمانه، والمُقتدى بِه في أوانه، والمقدم على سائِر أضرابه وأقرانه. وقال: وقد كان البخاري -رحمه الله- في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء والرغبة في الآخرة دار البقاء.

وقال ابن السبكي -في [طبقات الشافعية]-: هو إمام المسلمين، وقدوة الموحدين، وشيخ المؤمنين؛ والمعَوَّل عليه في أحاديث سيد المرسلين، وحافِظ نظام الدين.

وقال محمد بن يعقوب: سمعت أصحابنا يقولون: لما قدِم البخاري نيسابور استقبله أربعة آلاف رجل. وهذا يؤكد منزلته عند أهل العلم.

وقال عنه ابن خلدون: وجاء محمد بن إسماعيل البخاري -إمام المحدثين في عصره- فخرَّج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازين والعراقيين والشاميين. واعتمد منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه. وكرَّر الأحاديث يسوقها في كل بابٍ بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث. فتكررت لذلك أحاديثه حتى يقال إنه اشتمل على تسعة آلاف حديث ومئتين؛ منها ثلاثة آلاف متكررة.

الجامع الصحيح , صحيح البخاري

مؤلفات البخاري

أما عن مؤلفاته؛ فقد أتحف الإمام البخاري -رحمه الله- المكتبة الإسلامية بمصنفات قيمة نافعة. أجلّها وعلى رأسها كتابه الجامع الصحيح. الذي هو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي.

ومن مؤلفاته:

  • الأدب المفرد.
  • رفع اليدين في الصلاة.
  • القراءة خلف الإمام.
  • بر الوالدين.
  • التاريخ الكبير والأوسط والصغير.
  • خَلْق أفعال العباد.
  • الضعفاء.
  • الجامع الكبير.
  • المسند الكبير.
  • التفسير الكبير.
  • كتاب الأشرِبة.
  • كتاب الهبة.
  • أسامي الصحابة.

إلى غير ذلك من مؤلفاته الكثيرة التي أورد كثيرا منها الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في مقدمة كتابه فتح الباري.

وفاته

أما عن وفاة الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- فقد قال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتنك -وهي قرية من قُرى سمرقند-، وكان له أقرباء؛ فنزل عليهم.

قال: فسمعته ليلة من الليالي، وقد فَرَغ من صلاة الليل يدعو ويقول: اللهم قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت؛ فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله -عز وجل-. وقبره بخرتنك.

وتوفي -رحمه الله- ليلة السبت بعد صلاة العشاء. وكانت ليلة عيد الفطر. ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ٢٥٦ من الهجرة؛ بخرتنك، -رحمه الله تعالى- رحمة واسعة.

خاتمة

هذا هو الإمام البخاري الذي افترى عليه المفترون، وحاولوا التقليل من شأنه دون أن يقرأوا عنه. ها هو ظهر لنا قامة كبيرة، استحق أن يوصَف بأنه إمام الحديث في عصره، وأن يُوْصَف كتابه الصحيح [صحيح البخاري] بأنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم. فسلامٌ عليه في الصالحين، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: