قل لي ماذا أقرأ؟! «بقلم صلاح منتصر»

قل لي ماذا أقرأ

كثيرا ما أتلقى سؤالا مكررا من عدد كبير من القراء الشبان يسألون فيه عن أنواع الكتب التي يقرؤونها وأن أدلهم على هذه الكتب التي تشجعهم على القراءة.. ولا أظن أن هناك كاتبا أو مفكرا يستطيع أن يقول لأي شاب اقرأ كذا.. فأنواع الكتب والقراءات عديدة ومتنوعة وما قد يحلو لواحد لا يعجب واحدا آخر..

ثم ان القراءات ليست كتبا فقط، بل هناك الصحف الكثيرة التي اصبحت تلعب دورا مؤثرا في حياة القراء وربما تشغل كل وقتهم بحيث لا يجدون وقتا لقراءة الكتب.

ولا بد ابتداء من الاعتراف بفضل اختراع المطبعة على نشر العلوم والمعرفة سواء بالنسبة للكتب أولا أو الصحف فيما بعد.. وكما هو معروف فقد ظهرت المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر على يد الألماني جوهان جوتنبرج.

وليس معنى هذا أنه لم تكن هناك كتب قبل ذلك التاريخ فقد بحث الإنسان دوما عن كل وسيلة لنشر افكاره ومعلوماته والنقوش التي نقشها المصريون القدماء على جدران المعابد والمسلات كانت أول وسيلة من وسائل النشر التي نقلت الي البشرية عبر الاجيال بعض ما توصل اليه القدماء من حضارات ممثلة في صور الحياة التي كانوا يعيشونها ونقشوها على أعلى درجة من الفن والروعة..

بعد ذلك ظهرت الأمثال القصيرة السريعة التي كان صاحبها يلخص في كلمات قليلة معاني كثيرة يريد أن يعبر عنها، ولكن لأنه لم تكن هناك وسيلة للنشر سوى الاعتماد على الحفظ لذلك كان الاتجاه إلى الامثال التي ما أن يسمعها أحد حتى تدخل ذاكرته سريعا ويتناقلها..

وعن طريق الحفظ تناقلت الاجيال قصائد الشعر التي كان العرب فرسان الكلمة يعبرون بها عن أجمل المعاني ويقيمون المباريات في نظم قصائدها..

خطوة أخري وعرف العالم ما أصبح مشهورا باسم المخطوطات.. فأنت إذا ذهبت إلى أي مكتبة عالمية مثل دار الكتب تجد أن من بين كنوزها التي لا تقدر بثمن كتب المخطوطات التي كتبت بخط اليد.. وهذا عمل تم قبل ظهور المطبعة حيث كان المؤلفين والأدباء والشعراء يذهبون بكتبهم إلى افراد متخصصين من الخطاطين الذين يتولون نسخ الكتب بخط واضح.. ولم تكن هناك وسيلة لتكرار الكتاب سوى بإعادة نسخه وبالتالي كانت الأعداد المنسوخة من أي كتاب محدودة العدد وربما قد لا تكون هناك سوي نسخة وحيدة من هذا الكتاب ولذلك تصبح قيمة هذه النسخة او أي كتاب مخطوط قيمة كبيرة..

إن هؤلاء الخطاطين قاموا بدور كبير في كتابة القرآن الكريم وفي نسخ مئات الكتب التي تناولت مجالات المعرفة المختلفة.. لكن القفزة الكبرى بلا شك كانت بعد ظهور المطبعة وامكان نسخ مئات الصفحات بسرعة وفي صورة واحدة.

لقد كان للمطبعة فضل نشر الكتاب وظهور الصحف منذ حوالي 300 سنة وتيسير القراءة بعد أن أصبحت المطابع تقذف إلى الأسواق كل عام بملايين النسخ المقروءة في مختلف الأشكال.. ومع تطور فنون الطباعة وصناعة الورق والألوان تطورت المغريات التي تجذب القارئ على القراءة.. حتى أصبح السؤال الصعب أمام الشاب عندما يدخل مكتبة ان يحتار ماذا يقرأ؛ فيبحث عن إجابة سؤاله لدي الكتاب.

وكما قلت في البداية ليس هناك طريق محدد للقراءة.. ولكن من الطبيعي أن يبدأ من يريد بتدريب نفسه اولا على القراءة.. فالقراءة رياضة ذهنية وفكرية وعقلية يستمتع بها صاحبها متعة غير محدودة.. وكما أن هناك رياضة بدنية يمارسها الانسان ويتعب في القيام بها إلا أن هذا التعب اللذيذ تشعره بالمشقة والسعادة، كذلك تعتبر القراءة نوعا من رياضات العقل التي تحتاج إلى جهد لكنه جهد ممتع..

لذلك قلت: إن القراءة تحتاج إلى تدريب وأسهل تدريب هو الإمساك بأي صحيفة والتقليب فيها وقراءة ما يجده القارئ منجذبا اليه. وفي العادة فإن القارئ المبتدئ سوف يجذبه موضوعان: الرياضة على أساس أنها تمس موضوعا يعيشه من خلال المباريات التي يشاهدها والتعليقات التي يرددها مع زملائه، واخبار الحوادث والقضايا. ولا مانع من أن يبدأ القارئ هذا الطريق ولكن بشرط أن تكون مرحلة ينتقل بعدها إلى اختيار مجالات وابواب اخرى في الجريدة أما إذا حصر نفسه في باب الرياضة فقط فيجب ألا يعتبر نفسه قارئا. وربما كانت النقلة المهمة هي قراءة القصص والروايات باعتبار أن القصة تكون دوما مادة مغرية للقراءة في مختلف الأعمار خاصة السنوات الأولي من القراءة لما تتضمنه تلك القصص والروايات من اثارة وتشويق وأسلوب. بالإضافة إلى أن قراءة الرواية او القصة في كتاب هي الخطوة الأولى للامساك بالكتاب إلى جانب الصحف والمجلات. فمن أسف أن علاقة كثير من الشبان بالكتاب تقتصر على الكتاب المدرسي الذي يسارع التلميذ إلى التخلص منه فور أدائه الامتحان.

وهناك من تستهويهم قراءة الشعر أو كتب التاريخ باعتبار أنها نوع من القصص الواقعي الذي يتحدث عن حياة الشعوب واسرار الحكايات في الماضي. وهناك من تجذبه كتب العلم او الكتب الدينية أو السياسية او المذكرات او كتب الفن أو الحيوانات او الطبيعة. الخ. وكما ترى فالمجالات متعددة ومتنوعة، وهذا التنوع والتعدد في مصلحة القارئ لأنه يسهل لكل قارئ تلبية اتجاهاته الذاتية. وإذا كنت تجهل هذا الاتجاه فجرب ان تدخل مكتبة وأن تقرأ عناوين الكتب المختلفة التي تصافحها عيناك.

وثق بأنك ستجد نفسك تلقائيا تنجذب أمام كتاب معين. رواية. قصة. شعر. دين. سياسة. تاريخ. الخ. المهم أنك ستجد كتابا معينا يجذبك. ابدأ به فورا ولا تتردد. وكل الذين عرفوا القراءة سوف تجد في ذاكرتهم كتبا معينة جذبتهم كانت بالنسبة لهم مفتاح المغارة المليئة بكنوز الفكر.

وقد استهواني شخصيا كتاب قرأته عدة مرات كتبه جواهر لال نهرو الزعيم الهندي وكان نهرو أحد ثلاثة قادوا في الخمسينيات حركة عدم الانحياز. نهرو كان وقتها يحكم الهند، وجمال عبد الناصر وكان يحكم مصر، وجوزيف تيتو وكان يحكم يوجوسلافيا. لكن نهرو كان أعمقهم فكرا وفلسفة بسبب القراءات الكثيرة التي قرأها وهو صغير. وخلال سنوات كفاحه تم القبض عليه وإدخاله السجن في الثلاثينيات فراح يستثمر وقت سجنه في كتابة خطابات إلى ابنته انديرا حكي لها فيها بأسلوب مشوق تاريخ العالم.

هذه الرسائل من نهرو إلى ابنته كانت مفتاح دخولي إلى كنوز الكتب. ولكن ليس معنى ذلك أن هذا هو المفتاح الوحيد او الدائم لكل قارئ. إن هناك آلاف المفاتيح فقط لو دخلت مكتبة واخترت كتابا وبدأت. فإذا بدأت لن تنتهي. وهذه مشكلة القراءة ومتعتها الكبرى أيضا!

بقلم: صلاح منتصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: