قصة «صباح الخير»

قصة صباح الخير

نهض من نومه متراخيا.. توجه إلى الحمام ووقف يحلق ذقنه في كسل وملل، أدار مؤشر الراديو فتدفقت منه الأخبار الكئيبة. عاد إلى غرفة نومه وارتدي ملابسه بلا حماس.. خرج إلى الصالة وجلس إلى المائدة المستديرة، ونشر أمامه صحيفة الصباح واختفي وراءها. تنبه بعد قليل إلى حركتها وهي تضع فنجان الشاي أمامه على المائدة وتهمهم بصوت مبحوح لا يكاد يسمع: صباح الخير.. رد على همهمتها بهمهمة مماثلة، ومد يده إلى الفنجان وعاد إلى قراءة الصحيفة.. من بين صفحاتها تسلل بنظراته إليها، ليستكشف الأحوال الجوية هذا الصباح.. فأنذره تجهم وجهها بغيوم متلبدة تهدد بسقوط بعض الأمطار قبل خروجه إلى عمله.

ما أسرع ما تجري أمور الحياة.. حين تزوجها كانت شعلة متوهجة دائما بالمرح والبهجة والابتسام.. خفيفة الروح.. متسامحة.. تكره النكد وتسرع بمصالحته إذا غضب منها ولا تدعه يغادر البيت إلى العمل أبدا إلا وهو مبتسم وسعيد مهما حدث بينهما من خلافات ومشادات.. الآن أصبحت ضيقة الصدر، وعصبية، ومتجهمة، معظم أيامها كأنما تؤدي حكما صادرا عليها بالأشغال الشاقة.. تتهلل لإثارة المشاكل.. ولا يسمع منها إلا حديث المطالب وشئون الأولاد.. ومهما أخطأت لا تبدأ بالاعتذار ولا تسعي إلى مصالحته كما كانت تفعل في الأيام الخالية.. وإذا عاتبها في ذلك احتجت بمتاعب الأبناء وصعوبة الحياة واتهمته بالأنانية واللامبالاة والتخلي عن مسئولياته!

يا إلهي من يصدق أن هذه هي مديحة التي حارب الدنيا لكي يفوز بها ويتزوجها، وتزوجته هي على غير إرادة أهلها وتحملت مقاطعتهم لها عدة سنوات حتى رضوا عنها وتحملت متاعب البداية معه بلا شكوي حتى حققا معا أحلامهما، وبدلا من أن يسعدا بجني ثمار الكفاح بدأ الشقاق يعرف طريقه إلى عشهما السعيد.. متي بدأ التحول؟ ربما منذ 4 أو 5 سنوات.

جفت ابتسامتها.. ونضبت كلمات الحب على شفتيها حتى خيل إليه أنها لم تعد تحبه، وحزن حتى الموت على ضياع حب حياته.

أفاق من أفكاره على نظراتها المسددة إليه فأغلق صحيفته.. وتوجه إليها ببصره.

قالت: الولد لا يذاكر كما ينبغي.. وأنت لا تأخذه بالحزم الواجب!

قرر أن يتفادي الاشتباك معها بكل وسيلة ليذهب إلى عمله هادئ الأعصاب، فاليوم هو يوم اجتماع مجلس الإدارة.. وعليه أن يكون حاضر الذهن، فقال لها راغبا في المهادنة: سأتكلم معه عند عودتي هذا المساء، وسأطالبه ببذل جهد أكبر.

قالت: لا يكفي هذا.. عاقبه بخصم نصف مصروفه.. وتوعده بأنك ستخصم مصروفه كله إن جاءت نتيجة الامتحان الشهري على غير ما يرام.

قال: حاضر.. سأفعل.

تصور أن الأمر انتهي عند هذا الحد.. لكنها لم تكتف: لماذا تبدو غير متحمس هكذا، لماذا تتركني وحدي لأواجه إهماله وألاحقه بالرقابة والزجر لكي يذاكر وأنت لا يسمع منك سوي المداعبات.. هل تريد أن أبدو قاسية عليه وأنت فقط الأب الحنون؟.. وحدي أحترق وأنت هادئ سعيد لا يزعجك شيء؟!

يا فتاح يا عليم.. في الخارج يستطيعون تحديد مواعيد دقيقة للأعاصير القادمة قبل هبوبها فيستعدون لها.. أما في بيتي فالعواصف تهب بغير إنذار.. قال محترسا من أن يزيد النار اشتعالا:

ليس الأمر كما تقولين.. فكثيرا ما أتحدث إليه في ذلك.. وهو له منطقه الذي لا نستطيع تجاهله خاصة أنه في سن المراهقة وهي سن الحساسية والرغبة في إثبات الذات، إنه يقول: إنه يؤدي واجبه وإنه واثق من نجاحه، لكنك تطالبينه بالمزيد وبالتفوق دائما.

هتفت: وطبعا أيدته ضدي فيما قال.

أجاب: ليس ضدك.. وإنما استمعت فقط لوجهة نظره ولابد أن نسمع له، فالولد لم يعد طفلا وإنما في السادسة عشرة وهو يشعر أنه رجل ولا يصح معاملته معاملة الأطفال، إنه يقول: إنه سواء ذاكر أم لم يذاكر فإنك تتهمينه بعدم أداء واجبه حتى إنه يفكر أحيانا في أن يوفر تعبه ولا يذاكر مادامت النتيجة واحدة وهي أنه متهم عندك بأنه لا يذاكر!

نفخت في ضيق وقالت متهكمة: وطبعا صدقته؟ دائما تصدق أولادك ولا تصدقني. وهل أنا عمياء حتى لا أعرف إذا كان يذاكر أو لا يذاكر.

قال معتصما بأكبر قدر من ضبط النفس: لا يا ستي لا أصدقه وإنما أصدق فقط أنه يؤدي بعض واجبه.. لكن الإلحاح عليه دائما ولومه وتعنيفه باستمرار لن يحققا الغرض.. إنه يحتاج إلى التشجيع أكثر من الزجر.. وإلي التجاوز أحيانا عن تراخيه المؤقت، لأنه في سن المراهقة.. وهي سن تتناوب الأولاد فيها دورات من الحماس.. ومن الخمول.. فساعديه على اجتيازها بالحنان والتشجيع وليس بالتقريع المستمر.

قالت مشتكية: أهكذا تري جهدي في تربيته وتربية أخته، إنني أشقي من الصباح حتى المساء في خدمتهما ورعاية بيتك ورعايتك.. ولا أسمع منك كلمة تقدير واحدة.. وفي النهاية تصورني كما لو كنت قاسية على ابني.. أهذا هو العدل بعد19 سنة من الحياة معك؟

استقرت سحب الكآبة فوق المائدة المستديرة التي يجلسان إليها، فأحس بحجر ثقيل يرزح على صدره وتنفس بعمق قبل أن يقول: لا أقصد شيئا من ذلك.. وأنت تعرفين كم أقدر دورك في حياة أولادنا وفي حياتي فلا تحولي هذه المناقشة العابرة إلى نكد.

ونهض واقفا وحمل حقيبته وقال لها مودعا كعادته منذ الأيام الأولي لزواجهما: صباح الخير!

فلم ترد وقالت في ضيق: تقول ماتشاء من الكلمات الجارحة ثم تحمل حقيبتك وتنصرف وتذهب إلى عملك وتنشغل به وتنسي كل شيء، وأبقي هنا وحيدة بين جدران الشقة أفكر في مغزي كلماتك ويحترق دمي!

يا إلهي.. لكم يتغير الإنسان دون أن يدري.. كان حين يودعها قائلا.. صباح الخير ويهم بالانصراف تحتال عليه بكل الحيل لكي يبقي دقائق أخري وتغريه بشرب فنجان آخر من الشاي أو برواية نادرة جديدة سمعتها من جارتها البدينة.. أو تشاكسه بجذب حقيبة أوراقه من يده ليتحدث دقائق أخري.. والآن جف نبع الكلام الممتع.. وأصبح يشرب فنجان الشاي صامتا في معظم الأحيان، ثم يحييها تحيته التقليدية عند انصرافه فتجيبه بمثلها بلا زيادة ولا نقصان.. صباح الخير.. صباح الخير.. وهاهي الآن لا تجيب حتى هذه التحية!

توقف حاملا حقيبته وقال لها برقة مفتعلة: لم أقل شيئا يستحق الغضب وبرغم ذلك فحقك على أرجو ألا تغضبي وسأفعل ماتريدين.. صباح الخير.

.. ومد يده إلى مقبض الباب فلاحقته بصوتها الساخط: وماذا قلت في موضوع ريهام؟

.. يبدو أن هذا اليوم لن ينتهي على خير..

استدار إليها وقال: تاني يامديحة؟

أجابت بعناد وإصرر: تاني يا كمال!

لقد جاءتني أم عادل أمس وأكدت لي أن الخطبة لن تعوقها عن الحصول على الثانوية العامة، وأن ابنها ملتزم بأن تستكمل تعليمها كما تشاء وخسارة أن تضيع هذه الفرصة من يدها.

نظر إلى ساعته فوجدها تعدت الثامنة.. فقال لها متسلحا بالصبر:

هل يمكن تأجيل هذه المناقشة للمساء.. فإني أوشك على أن أتأخر ولدي اليوم اجتماع مجلس الإدارة.

قالت: وهل مجلس الإدارة أهم من مستقبل ابنتك؟ هل تريدني أن أبدو أمام أسرة عادل كأنه لا رأي لي في زواج ابنتي، وأن الرأي كله لك وحدك.. لقد وعدتها بالرد عليها.. فماذا تقول؟

قال لها وهو يتهيأ للانصراف: الحقيقة أنه لا رأي لي ولا لك في هذا الموضوع، فأنا لم أرفضه فقط لأنها صغيرة ولم تتعد18 سنة ولا لأنها مشغولة فقط بالثانوية العامة.. وإنما لأنها -وهذا هو الأهم- ترفض الفكرة من الأساس ولا تميل لهذا الشاب بل تكرهه، وقد فشلت أنت وأنت أمها في إقناعها به.. فماذا تريدينني أن أفعل؟

قالت: طبعا رفضت وتمسكت بالرفض لأن بابا الحنون يؤيدها ولايريد أن يضغط عليها.. إنها لا تعرف مصلحتها كما نعرفها نحن، ومن واجبك أن تضغط عليها بشدة لتري وجه العدل فيما أقوله لها؟

انتزع ابتسامة ساخرة وقال:

أنت يا مديحة التي تقولين ذلك؟ أنت التي رفضت أن يضغط عليك أهلك للزواج من العريس الجاهز الذي كانوا يرغبون فيه وتمسكت بالزواج مني برغم معارضة أسرتك.

قالت بلهجة ساخرة: كنت مخطئة.. والآن عرفت أنه ينبغي ألا يكون للبنت رأي في زواجها!!

قال متسامحا: الله يسامحك.. هل شبعت من الإساءة إلى وأستطيع الانصراف الآن.. صباح الخير.

كادت الابتسامة تفلت من وجهها، لكنها كبحتها بتجهم مفتعل وقالت:

– انتظر.. لماذا طلبت تأجيل الكلام للمساء.. ألن تعود في موعد الغداء؟!

– سأتناول طعام الغداء مع ضيوف الشركة في فندق الشرق.

قالت: طبعا كل يوم غداء في الخارج.. وكل عدة أيام عمل في المساء ولا اعتبار للحيوانة التي تعيش بين أربعة جدران في انتظارك، ومهمتها أن ترعي الأولاد وشئون البيت لتصنع نجاحك وتتمتع أنت بالمركز المرموق في الشركة.. لماذا لا تعترف بالحقيقة، وهي أنك لم تعد تحبني وأنك ستتناول غداءك معها.. ثم تطلق سراحي.

يا إله السماوات.. قالها لنفسه ساخطا ثم قال لها:

– لو فعلت ما تقولين لما لامني أحد.. فلقد فقدت عقلك وافتقدت فيك كل ما كنت أحبه.. وبرغم ذلك فإني لم أفعل ولم أخن عهدك.. ولا أعرف لماذا لا أفعل.. ولماذا أظل أحبك برغم كل هذا الجنون الذي أواجهه منك.. أأنت المرأة الوحيدة في العالم التي بلغت سن الأربعين منذ شهور.. هل فقدت ثقتك في نفسك لهذا الحد؟… إنك مازلت نفس الفتاة التي أحبها.. إنني سأتغدي في فندق الشرق بقاعة السحاب الأحمر وتستطيعين مفاجأتي هناك للتأكد من ذلك.. إذا لم تصدقيني!

قالت متهكمة: مفاجأتك؟ هل تريدني أن أطاردك في الأماكن العامة كما تفعل الزوجات المجنونات بالغيرة على أزواجهن.. لكي تسعد بغيرتي عليك، وتحس انك الرجل المرغوب الذي تخاف عليه زوجته من أن يضيع من يدها؟ لن يحدث هذا أبدا.. إنني لا أرضي لنفسي بأن أعيش مع رجل غادر مثلك.. كمال.. طلقني!

يا مثبت العقل والدين يارب! نفس الاسطوانة المشروخة القديمة التي كانت تديرها زمان في الخلافات العابرة، وأصبحت تكررها بكثرة من حين لآخر منذ اقتربت من سن الأربعين.. علمته التجربة معها أنه مطلب شائك إذا أجاب عليه بكلمة لا غضبت أو تظاهرت بالغضب.. وإذا أجاب عليه بكلمة حاضر هاجت وماجت وانهارت باكية مولولة نادبة حظها الذي أوقعها في هذا الرجل الغادر الذي تفانت في حبه وإسعاده، وتحملت معه كل أنواع المعاناة حتى صنعت منه رجلا مرموقا وموعودا بأرقي المناصب، ثم تسقط فجأة على الأرض شاحبة الوجه عاجزة عن تحريك ذراعها اليسري وساقها.. ويستدعي الطبيب فيصف لها دواء مهدئا وينصحها بالراحة في الفراش لمدة 3 أيام، فتقضيها بلا حراك في سريرها وعيناها لا تتوقفان عن البكاء، كأنما تخرج دموعها من بحر لا ينضب.. ويلازمها هو بالطبع هذه الأيام الثلاثة ويدها لا تفارق يده ولسانه لا يتوقف عن إقناعها بأنه لم يوافق على الطلاق إلا من باب العناد معها، لكنه لم يكن ينوي أبدا طلاقها.

مر الشريط المعتاد أمام مخيلته.. ونظر إلى ساعته فوجدها تقترب من الثامنة والنصف.. وتذكر اجتماع مجلس الإدارة، فقرر أن يفوت عليها الفرصة هذه المرة.

ففتح الباب والتفت إليها قائلا: مديحة.. صباح الخير..

أجابته بنفس العناد: كمال.. طلقني..

فخرج من الباب وهو ينظر إليها نظرة معبرة كأنما يقول لها:

لا داعي لهذه الحركة لأني متعجل، ثم قال لها وهو خارج الشقة: مديحة: صباح الخير..

أدركت أنه مصر على تفويت الفرصة فلاحقته والباب يتحرك لينغلق:

– صباح القطران.. لا تتأخر!

ثم نهضت عن المائدة وتعبيرات وجهها تتراوح بين التجهم والابتسام، ودخلت إلى المطبح لتبدأ مشوار واجباتها اليومية!

تمت..

بقلم: عبدالوهاب مطاوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: