الرئيس الراحل محمد نجيب وقاعدة الحمام العسكرية

أعتقد أن الرئيس الراحل محمد نجيب لم يدر بخلده على الإطلاق اثناء أقامته الجبرية بفيلا زينب الوكيل زوجة زعيم الوفد مصطفى النحاس حيث الوحدة والعزلة والانكسار بين حطام جدران بائسة وقطط لم يجد سواها انيس، ان بعضاً من حقوقه المعنوية ستسترد وسيعود ذكره يتردد بين أجيال وأجيال لم يعاصر معظمها.

فالألم والمرارة التي كست عباراته بمذكراته الشخصية التي صدرت بحياته تحت عنوان (كنت رئيسا لمصر) لم تكن توحي ابداً بالأمل فيما هو قادم، فالرجل كان يجتر فيها بكل آسى وحزن ما قابلة من جحد ونكران بعد ان غامر بعمرة في سبيل تخليص المصريين من حكم ملكي جائر.

فبغض النظر عن حقيقة عمق دورة بثورة يوليو أو موقعه الفعلي بتنظيم الضباط الأحرار الذي فجرها وقاد فعالياتها، فهو في النهاية رضى بأن يتصدر المشهد ويراهن على نجاح ضباط صغار في خلع الملك فاروق من الحكم رغم كل ما كان يكتنف مغامرتهم من تحديات وصعوبات ومآل محتوم في حالة الفشل حيث الإعدام رميا بالرصاص.

لاسيما انه على المستوى الشخصي لم يكن بحاجة لذك التغيير، فرتبته العسكرية رفيعة ومستواه المعيشي مرتفع وحياته الاجتماعية مستقرة بل انه رفض منصب وزير الحربية قبل اندلاع الثورة بأيام قليلة حيث السلطة والمكانة والأمان.

لكن رفقاء الطريق نسوا أو تناسوا تضحياته أو بالأصح جمال عبد الناصر الذي لم يكتفى بأبعاده من منصبة كرئيس للجمهورية وانما نكل به ووضعة قيد الإقامة الجبرية بفيلا مهجورة وعمد لإزالة اسمه من الذاكرة الوطنية بعد أن شوه صورته وسمح لإعلامه أن ينال من تاريخه وسجلة العسكري الحافل.

لقد كنت دوما قادراً على تفهم حرص الزعيم جمال عبد الناصر على تصدر الصفوف بعد ثورة يوليو فهو بحق صانعها الحقيقي ورأسها المفكر والمدبر، كما كنت متفهما أيضا لما قام به من إزاحة لمحمد نجيب بعيداً عن السلطة بعد خلافاتهما المتكررة حول شئون الحكم وأساليبه بصرف النظر عن صحة موقف ايهما، فكل صراع لابد ان يحسم لصالح طرف من أطرافه لكي تستقيم الحياة وتستمر بالسير بتناغم وسلام.

لكن مالا يمكن قبوله ان تصل علاقتهما لحد الانتقام والتنكيل، فلم يكن هناك ما يبرر استمرار احتجاز الرجل بعد ان استقر له الحكم ودانت له السلطة الشعبية والرسمية، كما لم يكن هناك ما يسوغ اهمال أسرته وتركهم نهبا للعوز والفقر والمرض حتى أن نجلة كان يعمل سائق على سيارة اجرة ليدبر قوت يومه.

لا شك أن تلك لعنة السلطة وقواعد لعبها التي لا تعرف كثيرا سوى تحقيق المصلحة ولو على حساب ابسط معاني الأخلاق والإنسانية، فكم كانت سببا في فراق الأصدقاء ورفقاء العمر والكفاح والأمثلة على ذلك تتدافع وتتزاحم.

صحيح ان الرئيس الراحل أنور السادات حاول ان يصلح من أحوال الرجل بأن ألغى اقامته الجبرية وحسن من أوضاعه الحياتية وأعاد سيرته للرأي العام، لكن كان الزمان قد مضى لحيث ما لا يفيد علاج، فالعقار لا ينفع فيما أفسده الدهر.

وها نحن بعد موته بسنين ليست قصيرة يأتي من يعيد له حقه كعسكري شريف ضحى من أجل وطنه وساهم بقدر ما أستطاع في إخراجه من عبودية الحكم الملكي، فما فعلة الرئيس عبد الفتاح السيسي من تخليد لذكره بأطلاق اسمه على قاعدة الحمام العسكرية التي افتتحها قبل أيام سيظل نقطة بيضاء بسجل حكمة.

فقد دوت سيرة اللواء محمد نجيب بكل وسائل الإعلام طوال الأيام الفائتة في مشهد أعاد بعض حقوقه المعنوية وعمق الإحساس بأن الظلم لابد له ان يرحل مهما طال الزمن، وأن بقي سؤال يطاردني دون إجابة شافية.. لمتى سيظل اعلامنا رهن إشارة حكامنا وفقط.

بقلم: د. ايهاب أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: