علم الأحياء النمائي التطوري

علم الأحياء النمائي التطوري , developmental biology

قبل أن نستفيض في الحديث حول علم الأحياء النمائي التطوري نود أن نتذكَّر شيئًا من البراءة؛ فعندما يقول الأطفال الصغار إنهم يريدون أن يُصبحوا علماء عندما يكبرون فهم في الحقيقة يريدون فقدت تفجير بعد الأشياء في المختبر، أو تعديل شكل الذبابة وراثياً لإعطائها عيون على ظهرها، أو يريدون إعطاء الدجاجة بعض الأنياب.

ولكن في الواقع لا يقوم العلماء بمثل هذه الأمور، وفي حال أرادوا تفجير شيء ما يكون ذلك إما في بيئة مُسيطر عليها أو حادث غير متوقع.

ولكن إذا كنتم من العلماء المتخصصين بدراسته الفرع الحديث من علم الأحياء المعروف بعلم الأحياء النمائي التطوري.

قد تتسنى لكم فرصة تعديل شكل الذبابة وراثياً لإعطائها عيوناً إضافه على ظهرها أو لإعطاء الدجاجة أسناناً مثلاً.

علم الأحياء النمائي التطوري

يعتبر علم الأحياء النمائي التطوري من العلوم الحديثة، وهو يدرس الجينات بالتفصيل لمعرفة كيف تقوم هذه الجينات بإعطاء التعليمات الوراثية لتكون الأجزاء المختلفة من الجسم.

وكما هو واضح من اسم هذا العلم؛ فهو يهتم بدراسة طبيعة وآلية عمل التطور.

ومن أهم الأمور التي توصل إليها هذا العلم؛ هو أن وجود التشابه بين جميع الحيوانات أكثر بكثير مما كنا نتصور.

الجينات المنظمة للعمليات النمائية

كما عرفنا هذا العلم على نوع مميز من الجينات تعرف باسم الجينات المنظمة للعمليات النمائية.

غالباً عندما يتم ذكر الجينات يخطر ببال الكثير من الناس الجينات التي تحمل شيفرة الأنزيمات المفيدة أو البروتينات مثل تلك التي تحدد شكل الكاحل مثلاً، ولكن جينات الكاحل هذه لا تعمل وحدها بشكل عشوائي، بل يجب تشغيلها وإيقافها هذا ما تقوم به هذه الجينات المنظمة للعمليات النمائية، فهي تقوم بتفعيل الجينات التي تقوم بتكوين أجزاء الجسم.

وهذه الجينات لا تُحدد طريق تكوين هذه الأجزاء بل هي مسؤولة فقط عن إعطاء إشارة لبدء العمل.

جينات الفجوة

بما أن هذه الجينات المنظمة هي التي تتحكم بمعظم العمليات الهامة في الجسم لذلك فهي تبدأ عملها في مراحل مبكرة من مراحل نمو الجنين.

على سبيل المثال هناك نوع من الجينات المنظمة يطلق عليها اسم “جينات الفجوة” وهي مسؤولة عن أمر الأريمة.

تلك الكرة المجوفة الصغيرة من الخلايا التي تتشكل المراحل الأولى من النمو كانت تكون الفم في جهة محددة وفتحة الشرج في الجهة المقابلة.

جينات الهوكس “جينات النحت”

هي من أكثر الأنواع المدهشة من الجينات المنظمة وتُسمى أيضاً “جينات النحت” وتبدأ عملها بعد أن يكون الجنين قد نما أكثر.

تتحكم جينات النحت في تحديد هوية أجزاء الجسم، كما تحدد خطة بناء جسم الحيوان، فتتحدد مثلاً مكان تكوين رجله أو مكان نمو ذيله.

وكمان ذكرنا؛ جينات النحت لا تُعطي تعليمات حول طريقة صنع الأرجل والذيول. فهناك جينات أخرى مسؤولة عن عملية صنع أجزاء الجسم المختلفة.

يُمكن تشبيه وظيفة جينات النحت بوظيفة كبير المهندسين المعماريين أثناء عملية بناء مبنى معين؛ فهو المسؤول عن رسم المخطط الرئيسي ولكنه لا يُنفذ عملية البناء بنفسه، فهذه وظيفة عمال أو مقاولين آخرين.

حيث يتلو هذه درجة الأولى من الجينات المنظمة مجموعة من الجينات الأخرى التي تعمل بمثابة مقاولين ثانويين.

على سبيل المثال إذا أمر جين النحت الجينات الأخرى الخاضعة له بصنع عين في مكان محدد ستقوم هذه الجينات الخاضعة له بتفعيل جينات منظمة أخرى لإعطائها تعليمات أكثر تفصيلاً.

مثل التعليمات التي تحدد المكان الذي يجب وضع الكولاجين فيه في الطبقة الخارجية لمقلة العين، أو التعليمات التي تخص مكان تكوين بعض الأنسجة العصبية لشبكة العين، وهذه الجينات المنظمة من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة وغيرها لا تقوم بالعمل بنفسها بل تقوم فقط بإرسال سلسلة من التعليمات مُضيفة معلومات أكثر تفصيلاً على التعليمات التي تم إرسالها في البداية.

أنه تسلسل هرمي صارم، فلا يمكن لأي جين في الجسم ما عدا ذلك الجين الأول أن يقوم بأي شيء إلا عندما تصله تعليمات تُحدد له متى وكيف سيبدأ عمله.

والآن تتساءلون ما الذي يُفعل ذلك الجين المنظم الأول؟

إن علم الأحياء النمائي التطوري هو علم جديد مليء بالأسئلة غير المجابة ويمكنكم اتخاذ ذلك كدافع لتصبحوا علماء أحياء وتجدوا إجابة لهذه الأسئلة.

توصل العلماء حديثاً إلى أن معظم الجينوم البشري الذي كان يصنف على أنه حمض نووي مهمل لا يؤدي أي وظيفة لأنه لا يحتوي على شفرات وراثية هو في الواقع جينات منظمة.

في السنوات القليلة الماضية اكتشف العلماء أن الجينوم البشري يحتوي على ما يقرب من 230 جيناً، وتظهر جميع هذه الجينات على كل كروموسوم من كروموسومات الجسم حتى على الكروموسومات الجنسية.

وما زالت آلية توارث الجينات المنظمة غير معروفة بالكامل. ولكن تمكن العلماء حتى الآن من استنتاج أن أغلب الجينات المنظمة يتم توارثها بنفس الطريقة التي تورّثُ فيها باقي الجينات الأخرى.

ولكن بالنسبة لبعض الجينات المنظمة في المراحل المبكرة من النمو تكون البروتينات التي يفترض أن تنتجها هذه الجينات والتي تعرف باسم “النواتج الجينية” موجودة في الأصل في البويضة قبل أن يتم إخصابها.

حيث تكون في انتظار الخلايا الجنينية لتعطيها التعليمات التي تحتاجها لتبدأ بالنمو، وهذه واحدة من الأمور العديدة التي يوفرها جسم الأم لضمان نمو جنينها.

ومن المثير للاهتمام هو أنه؛ بالرغم من تمرير معظم الجينات المنظمة بالتوارث إلا أن جميع أفراد النوع الواحد لديها نفس تسلسل الحمض النووي الموجود على هذه الجينات.

فلا يوجد اختلاف حتى في الأليلات، وهذا أمر منطقي إذا فكرتم بالأمر؛ فجميع أفراد النوع الواحد يجب أن تمتلك نفس المخطط الرئيسي لتكوينها لضمان عدم وجود اختلافات جوهرية في تكوين أفراد النوع؛ كأن يظهر لبعضها إبهام على رؤوسها.

إن جينات النحت والجينات المنظمة والأخرى من الدرجة الأولى التي تعطي التعليمية الأساسية مثل تحديد موقع الرأس والعينين هي ليست فقط متماثلة في نفس النوع بل هي أيضاً متشابهة جداً بين العديد من المجموعات الحيوانية؛ أي في جميع الثدييات مثلاً أو حتى جميع الفقاريات.

وتكون الاختلافات بين الجينات المنظمة للإنسان وحيوان فقاري آخر هي فقط بين التعليمات التي تُرسلها الدرجات السُفلى من الجينات المنظمة؛ أي تعليمات شديدة التفصيل.

ولكن بالنسبة للمعلومات الرئيسية مثل تلك التي تُحدد أن الإنسان لديه عمود فقري، وأربعة أطراف وشعر، ونسيج الثدي وعظم الأذن، وكل التفاصيل الأخرى الموجودة عند جميع الثدييات. قل هذه التعليمات العامة هي متشابهة.

تقرأ هنا أيضًا عن التطور والانتخاب الطبيعي.. بالأمثلة والشرح

تجارب علمية غريبة

في سنة 1995 قام فريق من الباحثين بتجربة علمية غريبة ورائعة.

في سويسرا حيث أخذوا جين نحت من جنين فأر، وكان هذا الجين مسؤول عن إصدار أمر بصنع عين للفأر في موقع ما، وتم إدخاله في الحمض النووي لجنين ذبابة الفاكهة.

ولكن قام هؤلاء العلماء بتفعيل جين عين الفأر في الموقع الذي سينمو ليكون الرجل الخلفية للذبابة.

فماذا كانت النتيجة؟

لم ينمو لدى ذبابة الفاكهة عين فأر بجانب الرجل الخلفية للذبابة، بل نمت عين ذبابة بجانب الرجل الخلفية للذبابة.

وتذكروا أن هذا الجين لا يحمل أي تعليمات تخص طريقة صنع العين وتركيبها، ولكنه مسؤول فقط عن إصدار الأوامر للبدء بصنع العين.

فلو كانت تحمل تعليمات عن طريقة صنع العين لكانت النتيجة هي نمو عين فأر على الجزء الخلفي من الذبابة.

ولكن بدلاً من ذلك قام هذا الجين بأمر خلايا الذبابة بصنع عين في تلك المنطقة. وبما أن خلايا الذبابة لديها تعليماتها الخاصة التي حصلت عليها من جينات منظمة أخرى.

بمجرد وصول الأمر إلى هذه الجينات بصنع العين ستبدأ بصنعها حسب الطريقة التي اعتادت صنع العين فيها.

إنها تجربة في غاية الغرابة؛ ولكنها حقاً مذهلة أليس كذلك؟

هذا النوع من التجارب أحدث ثورة في طريقة دراسة علم الأحياء النمائي التطوري، وفي طريقة فهمنا للتطور.

من المعروف أن التطور يتم خلال فترة زمنية طويلة جداً، ولكن لم يكن هناك أي تفسير لحدوثه بشكل مفاجئ في بعض الأحيان.

قد تكون مهتمًا بالقراءة عن الانتواع: بحث كامل ومفصل

الطفرات الجينية

إحدى الطرق الرئيسية التي اتبعها العلماء في الماضي لتفسير التطور هي من خلال الطفرات الجينية، ولكن يشير ذلك إلى ضرورة حدوث العديد من الطفرات للكائن الحي ليتطور من ديناصور إلى عصفور مثلاً.

كان العلماء يعتقدون أنه ليحدث تغير في شكل الكائن بنسبة 50% فإن ذلك يتطلب حدوث طفرات في الجينات بنسبة 50%

ولكن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً جداً أطول بكثير من سرعة التطور التي تم رصدها حتى الآن.

وهكذا اتضح أن تغير بسيط في الجينات المنظمة من الدرجات العليا يمكن أن يكون له آثار هائلة على تركيب الكائن الحي.

لتفسير ذلك؛ دعونا نوضح لكم سبب عدم امتلاك الطيور للأسنان؛ طورت الطيور من الديناصورات الثيروبودية، ويُصنف من ضمن هذه الديناصورات ديناصور الفيلوسيرابتور الذي يشبه الطيور كثيراً، ولكنه يمتلك أسنان حادة وكبير.

وكما تعرفون؛ فالطيور ليس لديك أسنان بل لديها مناقير. وعند محاولة تفسير هذا التغير بناءاً على الطريقة القديمة في فهم التطور فيمكن القول أن فقدان الأسنان قد حدث ببطء شديد بسبب حدوث طفرات على الجينات المسؤولة عن تصنيع الميناء والعاج في الأسنان، وتدريجيا انخفض مستوى تصنيعها إلى أن توقف بالكامل.

ولفترة طويلة اعتقد العلماء أن هذه الطريقة هي التي تطورت فيها الطيور من الديناصورات، ولكن كان هناك مشكلة واحدة إذ أن هذه الطريقة كانت ستستغرق وقتاً أطول بكثير من الوقت الذي تطورت فيه الديناصورات إلى طيور في الواقع بناءاً على ما هو واضح من السجل الأحفوري.

تمكن علم الأحياء النمائي التطوري من تفسير ذلك بطريقة مقنعة أكثر؛ حيث يمكن لطفرة واحدة في أحد الجينات المنظمة أن تتسبب بإيقاف إنتاج الميناء والعاج.

كما قد تتسبب طفرة واحدة أخرى في أحد الجينات المنظمة أن تأمر بإنتاج المزيد من الكيراتين فبدلاً من صنع الخلايا للحراشف ستقوم بصنع المنقار.

وفي الواقع يوجد عند الطيور جينات الأسنان من أسلاف للديناصورات، ولكن هذه الجينات لا تعمل لأن الجينات المنظمة لا تأمر بتشغيلها.

ولكن ما دليل ذلك؟ في عام 2006 اهتم عالم أحياء من جامعة ويسكونسن اسمه جون فالون John Fallon بدراسة تشوهات الولادة، وعندما كان يتفحص بعض أجنة الدجاج الطافرة مثل أسنان صغار الزواحف، اتضح لاحقاً أن الطفرات أثرت على تنظيم جينات الدجاج، مما سمح للأسنان وهي سمة فقدتها الطيور من 60 مليون سنة أن تظهر مرة أخرى.

كما رصد العلماء حالات أخرى لرجوع سمات قد اختفت منذ وقت طويل؛ حيث ولدت أفاعي لديها أرجل مثل تلك التي كانت موجودة عند أسلافها.

وولدت كذلك أسماك مثل سمكة الكهف العمياء بعيون مرة أخرى.

فتبين أنه عند إعادة تفعيل هذه الجينات مرة أخرى فإن تلك السمات التي اختفت بفعل التطور يمكنها أن تظهر مرة أخرى، إن لأمر في غاية الدهشة أليس كذلك.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: