عالم من الأغبياء

في عام 1921 وجهت إحدى الصحف الأكاديمية المتخصصة سؤالا واحدا إلى 14 خبيرا في علم النفس والتعليم طلبت إليهم فيه تعريف ما هو الذكاء وقد تلقت الصحيفة إجابات العلماء التي تضمنت 14 تعريفا مختلفا فلم يحدث أن تشابهت إجابة واحد من الخبراء مع تعريف خبير آخر…!

وفي عام 1968 بعد 45 عاما كرر الباحثون التجربة، ورغم التطورات الكبيرة التي حدثت خلال هذه الفترات في العلوم وفي الاتصالات وفي التقارب بين البشر، إلا أن كل واحد من الخبراء الذين وجه إليهم السؤال أجاب إجابة مختلفة عن الآخرين وهو ما يعني أن ذكاء الإنسان وعبقريته ليست فقط لغزا في عدم معرفة أسبابه، بل إنها أيضا لغز في تعريف ما هو الذكاء؟ فمن الممكن أن تشير كلمة الذكاء إلى قدرات العقل على التحليل أو التبرير أو الفهم أو حل المشاكل أو المعرفة أو الاستفادة من خبرات الماضي كما أنه من الممكن قياس الذكاء بمعايير مختلفة مثل الذاكرة والعلم، واتخاذ القرار، والتفكير، والتبرير والبصيرة، والقدرة على الفهم… إلخ…

ورغم كل ذلك يبقي السؤال: هل الذكاء مقدرة عامة، أم مقدرة عدة أنظمة مستقلة؟ هل الذكاء أمر يختص بالمخ وبالشخصية أم بالسلوك والمهارات والمعرفة؟

وعبر التاريخ شهدت العلوم الاجتماعية والنفسية العديد من الخبراء والدراسات والأبحاث حاول أصحابها تعريف الذكاء وتبريره… وهناك من توصل إلى مقاييس لاختبار ذكاء الإنسان ولكن ما من نظرية قال بها عالم أو متخصص إلا وهدمها عالم أو متخصص آخر.

وربما كانت أخطر إشكاليات الذكاء اللون والنوع… فهل الإنسان الأبيض يملك استعدادا مختلفا عن الأسود في الذكاء وهل الأمر كذلك بالنسبة للرجل والمرأة بحيث يمكن القول إن مواصفات النوع تولد معها قدرات الذكاء ودرجته؟

الذين تحاملوا على السود يحاولون تأكيد أن قضية الذكاء خاصة بالجينات، وبالتالي فإن جينات السود لا تورث أصحابها مواصفات الذكاء كما يحدث مع البيض… أما المنصفون للسود فيتهمون البيض أنهم هم السبب في تخلف السود بسبب سوء المعاملة والظروف المتخلفة التي سجنوا فيها السود فكانت النتيجة تخلف السود، بينما في الظروف التي أتيحت فيها للأسود أن يتعلم وينمو ويكبر في نفس ظروف زميله الأبيض فلقد برزت عبقريته بدرجة لا تختلف أبدا عن الأبيض… بل أكثر من ذلك فإن هناك أنشطة مثل عدد كبير من الرياضات تظهر فيها عبقرية السود أكثر كثيرا من البيض.

وفي الولايات المتحدة فأنهم يربطون بين الذكاء وبين فهم الإنسان للمسائل الرياضية، بينما يختلف الأمر في الدول الساحلية التي ترتبط الحياة فيها بالبحر ويصبح مقياس الذكاء معرفة الإنسان لألغاز الإبحار والصيد والاستفادة من الظروف. وهو ما يحدث أيضا في المجتمعات الزراعية التي يصبح الذكاء فيها مرتبطا بمقاييس أخرى لا علاقة لها بالبحر أو المسائل الرياضية… ورغم هذا الخلاف فإن كل شاب يتمنى أن يكون ذكيا وكل أب أو أم من أمنياته أن يثبت أولاده ذكاءهم… فالذكاء مرتبط بالعبقرية والعبقرية أقصر الطرق إلى النجاح… وهي نظرية لم تؤكدها حكايات التاريخ تماما… فكم من أشخاص متوسطي الذكاء والعبقرية وصلوا إلى مواقع استحال على من هم أكثر منهم ذكاء ودهاء بلوغها… واذكر في ذلك نماذج من الأشخاص الأغبياء أو فلنقل محدودي الذكاء الذين بلغوا مناصب عليا مما جعل بعضهم يقول! إن هذه النماذج أكبر عزاء لأي أم لم تنجب ابنا ذكيا بألا تيأس من رحمة الله ومن بلوغ ابنها منصبا عاليا…!

ولكن الجديد هو ما أعلنه مؤخرا عدد من الباحثين من أنهم توصلوا إلى أن هناك جينات مختلفة تربط بين الإنسان وبين ذكائه… وإنهم في سبيلهم إلى تحديد هذه الجينات بما قد يمكنهم من تطوير إنسان المستقبل وإنتاج إنسان أكثر ذكاء وعبقرية!

وهي مسألة تشبه في رأيي مسألة الاستنساخ التي قيل إن العلماء توصلوا إليها وأصبح في قدرتهم استنساخ إنتاج جديد من البشر في صورة مشابهة لنماذج ناجحة قديمة من العباقرة والمخترعين والعلماء… وأيضا الجمال والإغراء والأنوثة بالنسبة للنساء.

ولكن هل يؤدي ذلك إلى سعادة المجتمع؟

تخيل مجتمعا نجح في إنتاج نوعيات جديدة من الرجال العباقرة في ذكاء أينشتاين، ونوعيات أخرى من الإناث في جمال مارلين مونرو؟ هل تكون الحياة أفضل وأجمل؟

هات أي إنسان واختر له أجمل أنواع الأطعمة واجعله يأكل هذا الطعام بصورة مستمرة فهل يتقبله؟

كان لنجيب الريحاني مقولة في إحدى مسرحياته يشبه فيها النساء بالفاكهة ويقول ما معناه: إن أمزجة الرجال لا يمكن أن تتفق على فاكهة واحدة لا يأكلون غيرها… ففي الوقت الذي يحب البعض المانجو فهناك من يستمتع بالتفاح في الوقت الذي يرى غيرهم أن (جميزة) أحلى من أي شيء آخر، والمعنى أن الاختلاف أمر ضروري… والحياة لا يكون لها طعم دون التعدد… فالحياة بين مجتمع كله من الأذكياء أمر ممل وصعب… فلولا الغباء ما تميز الذكاء… ولولا القبح ما عرف الإنسان الجمال… ولكن حتى هذا الجمال تختلف مقاييسه بين الرجال… ولو أن زواج الرجال اقتصر على نساء من مواصفات مارلين مونرو لأمضي أكثر من ثلاثة أرباع نساء العالم حياتهن عانسات… بينما الحقيقة أن ملكة جمال أي رجل هي التي اختارها من دون النساء لأسباب قد لا يراها غيره…

ولقد تعودت مدينة طوكيو أن تشهد مؤتمرا سنويا يقتصر على خلاصة العباقرة في العالم… وقد وضعوا مقياسا لهذه الاختراعات التي توصل إليها هؤلاء العباقرة… وبعد دراسة هذه المخترعات ينتهون إلى تحديد مائة فقط من بين المتقدمين يتولون دعوتهم… وفي آخر مؤتمر عقده هؤلاء العباقرة قدم أحدهم عطرا ينشط الرغبة الجنسية، وقدم شخص آخر مضربا للجولف يستهدف الكرة أوتوماتيكيا، بينما قدم شخص ثالث جهازا لتخفيض ضغط الدم، وقدم رابع حذاء يتصل بموتور صغير يمكن من يلبسه على الانطلاق بسرعة تفوق سرعة دراجة…!

وكما ترى فإنها اختراعات متعددة وعبقرية… ولكن هل معنى ذلك أن أصحابها جميعهم من الأذكياء؟ وهل الذي توصل إلى موتور حذاء يملك شهادة عبقرية عامة تفتح له كل الأبواب، أم أنه ذكي في مجال ومحدود الذكاء في مجالات أخرى… إن النور لا جمال له دون الظلام… وكذلك العالم لا طعم للحياة فيها إذا كان كل أفرادها من الأذكياء… فلولا الأغبياء ما تفوق الأذكياء أو فلنقل معظم الأذكياء!!

بقلم: صلاح منتصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: