دلالات الأحداث لها عبر ودروس

دلالات الأحداث لها عبر ودروس

قال الله ﷻ: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت: ٥٣).

إن ما شهدناه ونشهده في هذه الأيام من أحداث جسام وتطورات متلاحقة متسارعة لم تكن في الحسبان وما حلم بها إنسان، وتدل على عجائب صنع الله ﷻ، وشهدتها الساحة العربية، لهي من أبرز الدلائل على قدرة الله ﷻ وحكمته والتصرف في ملكه كيف يشاء ﷻ وأن كل ملك زائل لا محالة إلاملك الله ﷻ، قال الله ﷻ في محكم التنزيل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: ٢٦).

ولا يستطيع أحد أن يشك في حكمة الله ﷻ وقدرته ومشيئته وحسن تدبيره وإنفاذ مشيئته ﷻ متى يشاء وكيف يشاء.

وإن ما تجري به الأحداث لا يعلم أحد من البشر أهي خير أم شر، فإن كان الحدث خيراً لبعضهم فقد يكون شراً لبعضهم الآخر والعكس كذلك، فإن ما يظنه أحدنا شراً لأحد من الناس قد يُريد الله به خيراً كأن يتوب ويرجع عن الذنوب والمعاصي وينال من الأجر والحسنات ما لم يعمله بل قد يكسب من حسنات غيره أكثر مما يعمل هو، وقد يكون لآخر ضياع بعض حسناتهم نتيجة خوضهم في أعراض الآخرين وإطلاق العنان لألسنتهم وغيبة غيرهم. {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون} (البقرة ٢١٦)، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الأية وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئاً وليس فيه خيرة ولا مصلحة.أ.هـ

وهذا المقال يدور على ثلاثة محاور:

المحور الأول: آيات ودروس وعبر

على المرء المسلم ان يأخذ العبرة والعظة ويستنبط الدروس المستفادة مما يجري حوله ويقع من أحداث عظيمة حتى يسلم ويغنم، ولا يغرم فيندم، وكل منا به من الأخلاط العجيبة والأخلاق المتباينة من حسن وقبح وخير وشر ما لا يعلمه إلا الله.

وإذا أردنا أن نستفيد ولو باليسير مما جرى من آيات، فعلينا المقارنة بين زوال الدنيا عن الإنسان ووقوفه بين يدي الله ﷻ يوم القيامة، ولا وجه حقيقي للمقارنة، بل هي للتشبيه فقط للاستفادة، فإن ما يجري في هذه الدنيا من سنن كونية لا تتبدل ولا تتغير من أجل أحد، كذلك يوم القيامة والنظر في أحداثه من واقع الكتاب والسنة، فإن الهول عظيم والموقف عصيب وليس هذا فحسب، فإن كان الموقف عسيراً وقصيراً لهان على النفس ألمها وحسرتها وندمها على ما فرطت وما قدمت، ولكن الموقف عسير والزاد قليل والسفر طويل، وهذا اليوم (يوم القيامة) مبشر أو منفر بالنسبة لما بعده، إما إلى جنة (نسأل الله أن نكون من أهلها) فاق جمالها وحسنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وما وصفها الشعراء ولا الأدباء والحكماء، وإما إلى نار (أعاذنا الله من شرها) بها من العذاب والهوان والخسران ما تنخلع منه القلوب و تتفتت منه الأفئدة وتذوب من حراراته الجبال الراسيات.

نعود فنقول: إن المقارنة ليست متكافئة وعلينا أن نتذكر يوم الحساب يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يكون القصاص بالحسنات والسيئات: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: ٧ – ٨).

وفي الوجه الآخر من المقارنة ما حدث من زوال الدنيا عن بعض الأشخاص، أو زوال المرء عن الدنيا بالموت كما هو معلوم لدى الجميع، فإن زال الإنسان عن الدنيا بالموت ولم يدرك التوبة فهذا خسران مبين، وبيت القصيد هو زوال الدنيا عن الإنسان بعد أن كان علا شأنه وارتفعت مكانته في هذه الحياة حتى أصبح يظن أنه قادر على فعل ما يريد وأن سلطانه باق؛ فإنه يصدق فيه قول الشاعر:

لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنســــــانُ

هي الأمور كما شاهدتها دول
من سرهُ زَمنٌ ساءته أزمــــــانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد
ولا يدوم على حال لها شــــــانُ

أين الملوك ذوي التيجان من يمن
وأين منهم أكاليلٌ وتيجــــانُ؟

وأين ما شادهُ شدّاد في إرم
وأين ما ساسه في الفرس ساسـانُ؟

وأين ما حازه قارون من ذهبٍ
وأين عادٌ وشدادٌ وقحطـــــــــانُ؟

أتى على الكل أمر لا مرد له
حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

واطَّلع هنا على: التحذير من الفتن

المحور الثاني: التوبة والانابة إلى الله

فإن من زال ملكه وعزه وهو على قيد الحياة فكأن الله ﷻ يريد به خيراً إذ تفضل ﷻ على عبده وأفسح له في الأجل وأطال له في العمر لكي يدرك التوبة قبل الممات وقبل أن يقول: إن العمر قد فات.

فمن كثرت ذنوبه وعظمت خطوبه ومهما بلغت الخطايا واشتدت عليه الرزايا فإن باب التوبة مفتوح؛ قال الله ﷻ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: ٥٣) وقال ﷻ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء: ٤٨)، وقال أيضا: {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالا بَعِيدًا} (النساء: ١١٦).

نقول: إن رحمة الله ﷻ وسعت عباده المسلمين مهما بلغت خطاياهم ولكن عليهم أن يتوبوا، قال الله ﷻ: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر: ٧).

فمن تحولت عنه الدنيا وتجاوز خريف العمر وجاءه النذير وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ملاقاة ربه، فعليه أن يرد المظالم إلى أهلها وأن يتحلل منهم ويعتذر اليهم ويستسمحهم، ومن هذه المظالم الأموال العامة، ففي صحيح مسلم: «عن أبي هريرة قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ: كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ: شراك من نار أو شراكان من نار».

وعلى المرء أن يندم على ما قدم وما قصر فيه في حق العباد والبلاد وما ظلم به نفسه أو غيره فإن الإنسان واقع في الظلم لا محالة، قال الله ﷻ: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} (الأحزاب: ٧٢) والظلم تتفاوت درجته وعاقبته، ولكن باب التوبة مفتوح ولا يستطيع أحد من البشر أن يغلقه في وجه أحد أو يمنع أحدا من التوبة أو من قبولها، فمهما عظمت ذنوبه وعيوبه فعليه ألا يقنط وليبادر بالتوبة والإنابة والندم على ما فات وأن يستسمح من كان تحت ولايته بتوجيه كلمة أو رسالة إليهم عبر أي وسيلة من الوسائل الممكنة التي توصلها إليهم فإن العمر سريع انقضاؤه وقريب انتهاؤه.

وهنا تقرأ: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله

المحور الثالث: الدعاء للمسلمين

الأولى لمن يظنون أن الظلم وقع عليهم أن يعفوا ويصفحوا {ألا تحبون أن يغفر الله لكم}، وهذا من المروءة والورع الذي عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «ترك ما تخاف ضرره في الآخرة» وحري بنا أن نبتعد عن المحرمات ونتجنب الشبهات، واطلبوا الأجر والمثوبة من الله وحده فإن الخوص في المثالب وذكر المعايب لا يفيد بشيء، وكذلك إطلاق العنان للسان والتشفي في الغير وأن يفعل الإنسان ذلك ابتغاء مرضاة الله وحده، كما ينبغي عدم الشماتة بالمسلم، لأنها لا تحل ومن خوارم المروءة، وبعد ذلك قد يخرج الإنسان مدينا بعد أن كان دائناً، فقد يتكلم الإنسان بالكلمة في حق غيره لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا، قال ﷻ: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور: ١٥).

كما علينا أن نحب أوطاننا ونتفانى في خدمتها وحبها، والعمل على نهضتها ورقيها من خلال التمسك بكتاب الله العزيز وسنة رسوله الأمين ﷺ وصحابته الكرام واقتفاء أثرهم والسير على طريقهم.

وعلينا أن نعصم ألسنتا من الفتنة بعد أن منَّ الله علينا وعصم أيدينا منها، ونسأل الله ﷻ بالصلاح وحسن الخاتمة للمسلمين كما قال خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (إبراهيم: ٤١).

وما فائدة الدعاء على غيرنا بالويل والثبور واللعن ولاسيما بعد أن أصبح الطرف الآخر لا يملك حولاً ولا قوة، والمسلم حريص على هداية إخوانه وإخراجهم من الظلمات إلى النور والدعاء للمسلمين بالهداية والتوبة وحسن الخاتمة .

بقلم: عمر شحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى