دعوات شهر رمضان المبارك جميلة

شهر رمضان دعوات

المرء المسلم إذا خالج نفسه همٌّ أو غمٌّ، أو أصابه بلاءً، أو حتى تمنى أن ينال نعمة من نعم الله، وكان موقنًا برزق الله له، وحسن الظن به، لا يتوانى أن يرفع يديه إلى الله، في الأوقات التي يحبها الله ويكون فيها قريبًا من عباده أشد القرب، ومن ثم يشرع في الترويح عما يخالج نفسه.. يدعوه أن يزيل همه، أو يكشف غمه، أو أن يصل إلى ما يربو إليه، ولا يتعجل في الإجابة، فإن الله حتمًا سيجيبه، لكن في الوقت المناسب، الوقت الذي يعود عليه بالخير ولا يضر عبده فيه.

هكذا الدعاء.. إنه وسيلة يسيرة ومضمونة من الوسائل التي يتقرب فيها العبد من ربه، فيسمي حاجاته، ويطلقها في سماوات الله، ولا يقلق بعدها، أو يغتم، فإن الله مجيب سريع الإجابة، يُنزِّل السكينة على عباده المحتاجين إليه، ويحقق لهم أمانيهم، ويفعل الخير والحكمة، حتى أن المسلم أمام حكمة الله يقف خاشعًا خاضعًا موقنًا أن إجابة الله لدعائه فيها من الحكمة ما لا يقدر عليها سلطان، أو يبتدعها إنسان.

فأنت إن جعلت دعاؤك لغير الله، فإن ما دعوت له قد لا يعطيك ما تريد، قد ينظر إليك نظرة تعالي، ويزرع في نفسك شيء من المذلة والحسرة والندم، وقد تكون إجابته ليس فيها الخير الوفير الذي عند الله، وفي الحقيقة، إن الخير الذي عند الله لا يضاهيه خير من عند العباد، فالله خالق العباد، ورازقهم كل ما هم فيه من الخير، أيكون دعاؤنا “بعد ذلك” لغير الله؟

ونخلص من هذا إلى قيمة الدعاء، وما يضفيه على قلوب المسلمين وحياتهم من السكينة، والعزة بين غيرهم من الناس، لأنهم لا يرفعون يد الطلب إلا إلى الله “سبحانه وتعالى. والدعاء عبادة لها مكانتها بين العبادات، ولها أوقاتها المستحبة التي ذكرها الله، وعليها يثاب المرء خير الثواب، فبالدعاء يعترف المرء بألوهية الله، ووحدانيته، وأنه في يده ملكوت كل شيء، وأن الإنسان لا يرجع لسواه.

وشهر رمضان، كما نعلم، شهر خير وبركة على المسلمين كافة، يأتينا بما وعدنا الله به، فيزرع في قلوبنا البهجة والراحة، لأنه فرصة في كل عام نأمل دائمًا ألا نضيعها، فرصة تمنحنا الخلاص من ذنوبنا، وهمومنا، تدعونا دائمًا على التركيز على عبادة الله “سبحانه وتعالى” والاجتهاد في عبادته، وكيف يكون ذلك؟ إنما بالصوم عن كل ما يغضب الله، وعمل كل ما فيه الخير، باجتهاد ونية خالصة لوجه الله، وبالاجتهاد في العبادات يظفر المسلم بجنة الله التي وعد بها في رمضان، ويرزقه الخير والبركة في رمضان، وبعد رمضان.

هذه العبادات، كما أشرت، منها الدعاء، ولأن شهر رمضان شهر الخير، وطلب المغفرة، وطلب الرزق، وطلب الثبات، وطلب زوال الهم، فإن الدعاء من خير العبادات في شهر رمضان.

أتذكر في ليالي رمضان، في بعض المساجد، التي يؤمها شيخ عذب اللسان في تلاوته القرآن، حين يشارف قيام الليل على الانتهاء، وبعد الركوع من ركعة الوتر، يبدأ في الدعاء، ويطنب فيه، لا يمل من طلب ما يحلو له من الله “سبحانه وتعالى”، ويستمر في دعائه يطلب المغفرة من الله لنفسه ولكل المسلمين، ويطلب كل ما يعود على الأمة بالنفع. والجميل أن الناس تندمج معه في دعائه، فيرددون بأصوات عالية ترج الجدران قائلين “آمين” و “يا الله” وأصواتهم يتخللها الشجن، والنشيج، والعَبَرات تسيل من أعينهم لا تنقطع، وبعد الانتهاء من الدعاء يغطي على قلوبهم سحابة من السكينة، تمطر على أفئدتهم فتثلج قلوبهم بالرضا، كأن الله “سبحانه وتعالى” يهدهد قلوب الصادقين في الدعاء له ويطمئنها. إن تلك اللحظات لا يمكن نسيانها، ونشتاق دائمًا لها، لما نشعر فيها من شعور الخلاص مما يثقل كواهلنا، فكل شيء يتبخر إلى سماوات الله “سبحانه وتعالى”.

تلك هي قيمة الدعاء في كل الأوقات، لاسيما في شهر رمضان، فيجب أن نعرفه، وأن نجتهد في أوقاته المستحبة، وأن نتبتل إلى الله بالدعاء، في استحضار القلوب لعظمته وجلاله.

أوقات مستحبة للدعاء

للمؤمنين أوقاتٌ هي مستحبة عند الله في الدعاء، وهذا لا ينفي أن يمتنع المسلم عن الدعاء في الأوقات الأخرى، بل المسلم يدعو الله في أي وقت، وأينما كان، ولكن الأوقات التي سأذكرها هي الأوقات التي يجب على المسلم أن يغتنمها أثناء عبادته في الدعاء إلى الله بكل ما يحتاج إليه، وكل ما يخالج نفسه ويعكر صفوها.

بين الأذان والإقامة، وفي الاستعداد لأداء الصلاة المفروضة، لا مانع من أن يرفع المؤمن يديه إلى الله ويسمي حاجاته، ويطلب عونه ومغفرته، ومشورته فيما هو مقدم عليه، أو ما يتمنى أن يرزقه إياه.

وفي جوف الليل، أي في الوقت المستحب لقيام الليل، فإن المسلم يزين عبادة قيام الليل بالدعاء إلى الله، بقلب وجل، ونفس مطمئنة موقنة من استجابة الله “سبحانه وتعالى، ففي هذا الوقت يكون الدعاء مستحبًا وأقرب إلى الإجابة.

ولا نغفل أن الله أقرب ما يكون إلى عبده عند السجود، ففي السجود وخشوع السجود لا مانع أن يدعو المسلم ربه بما يريد، وأن يطلب المغفرة والعفو من الله، فالمسلم لا يخلو من الخطأ والذنوب، وبالدعاء في السجود يكتسب مكانته عند الله، وهي مكانة كبيرة، لأنه لا يتعجل الصلاة، بل يتخذها وسيلة، مع الدعاء، في القرب إلى الله والخشوع له.

تلك هي الأوقات العامة المستحب فيها الدعاء إلى الله “سبحانه وتعالى”، وهي أوقات ثمينة لا يجب أن يغفلها المسلم دون أن يعتصر فيها قلبه بكل ما يخالجه ويخرجه إلى الله في تبتل وخضوع. وهناك أوقات أخرى خصها الله للدعاء في شهر رمضان، هي خير الأوقات عند الله، وهي ثلاث ساعات تمرُّن على المسلم في يوم رمضان لا يجب أن يغفل عنها.

الساعة الأولى: هي أول ساعة من نهار رمضان، أي بعد صلاة الفجر، يخلو المسلم بنفسه ويتبتل إلى الله بالذكر والدعاء، ويرجو الله المغفرة، ويسمي ما يحتاج إليه.

الساعة الثانية: هي آخر ساعة من النهار، وفيها يلتهي المسلمون بما يعدونه للإفطار، فإذا اغتنم هذه الساعة في الدعاء إلى الله والتقرب إليه، فإنه يفوز فيها فوزًا عظيمًا.

الساعة الثالثة: وهي ساعة السحر، أي قبيل الفجر، إذا استغلها المسلم في الدعاء والاستعداد لصلاة الفجر، فإن باله لن يخلو من الهدوء والاطمئنان.

آداب الدعاء

للدعاء آدابه التي يجب أن يلتزم بها المسلم في دعائه، والآداب، تعني الهيئة التي يكون عليها المسلم حين يعزم على الدعاء لطلب المغفرة أو حاجة في نفسه يريدها من الله، وبهذه الآداب يكون للدعاء رونقه، ويستقبل الله الدعاء بالغبطة والرضا عن عبده الذي يدعو.

من هذه الآداب ألا يشرك المسلم في دعائه مع الله أحد، فالله الأولى بالدعاء، وعند الله إجابة الحاجة، ومغفرة الذنوب، ولا داعي أن ينازعه في قلب المسلم أحد.

وأن يستقبل القبلة متوضئًا خاشعًا، ويبدأ دعاؤه بالثناء على الله وحمده، ثم الصلاة على رسول الله “صلى الله عليه وسلم”، وفي خشوع وندم يقر بذنبه ويطلب المغفرة، ويكثر من الاستغفار، ولا يتعجل الإجابة، ولا ييأس، ويكون ملحًا في دعائه.

فإذا عرف المسلم مكانة الدعاء حق المعرفة، والتزم أوقاته، وتحلى بآدابه، فإن الله سيجيبه “إن شاء الله” ويضفي السعادة على نفسه والرضا.

أضف تعليق