«شجاعة علي» من الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

شجاعة علي, الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

إنّ كثيرًا من الدروس المستفادة من الهجرة النبوية ستظل تخرج للنور كُلَّما حَلّت ذكرى هجرة رسول الله ﷺ من مكَّة إلى المدينة. وهنا سنتناول أحد هذه الجوانب من الدروس والعبر؛ وهو شجاعة علي بن أبي طالب عندما نام في فراش الرسول. فهيّا بِنا..

شجاعة علي بن أبي طالب

هذا عليّ -رضوان الله عليه- في فراش النبي ﷺ، ويخرج النبي ﷺ من بين أيديهم وهو يقرأ أوائل سورة ياسين، حتى يصل إلى قول رب العالمين ﷻ ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾.

الرواية نحفظها جميعا، ولكِن هُنا تجد أمر عجيب. ينظر المشركون من ثقوب الباب، فينظرون الفراش وقد تغطَّى من فيه وغطى رأسه، وما كانت هذه عادة رسول الله ﷺ. ثم إنه يتقلَّب، وما كان رسول الله ﷺ يتقلَّب في نومه. فأنكروا ذلك، لأن الرسول ﷺ كان تنام عينه ولا ينام قلبه، فكأنه في نومه يقظان، قلبه معلّق برب العالمين ﷻ في حضرة الله مُسبحٌ، خاشعٌ، عابدٌ، يتلقى عن الله ﷻ مدد أنواره.

فلما طلع النهار فتح عليّ -رضوان الله عليه- الباب، فوجدوه علي.. الذي كان في الفراش طوال الليل، عليّ. فقالوا: أين ابن عمك؟

انظر إلى عليّ -رضوان الله عليه- وهو في العشرين من عمره، وهؤلاء الفرسان حوله.

يقول -بقلب ثابتٍ-: قلتم له اخرج عنا، فخرج عنكم. فما تجرَّأ أحد منهم أن يرفع سيفا على عليّ، لأنهم يعلمون أن عليًّا فارسٌ لا يُشَق له غبار.

علي -رضوان الله عليه- في هذا الموقف؛ يُقيم مكان النبي ﷺ؛ يرعى حريمه، ويرعى أبناء النبي ﷺ، ويرد عن النبي ﷺ الأمانات التي كان كفار قريش -على رغم ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من عداوة- كانوا لا يأتمنون غيره.

وبعد أيام يبلغ عليّ أن رسول الله ﷺ وصل إلى المدينة المنورة، ويُرسل إليه رسول الله ﷺ أن يخرج بنسائه وأبنائه. فيخرج علي -رضوان الله عليه-، ولا يستطيع أحد أن يعترض طريق فتى الفتيان عليّ.

وهنا نقرأ سويًّا: مقال عن هجرة الرسول ﷺ

الدروس المستفادة

بداية نورانية في بيت رسول الله ﷺ، ميلادٌ في جوف الكعبة، وعناية ورعاية من فاطِمة بنت أسد، وحِفظ وتربية من رسول الله ﷺ، ينشأ عليٌّ وفيه من الفتوَّة ومن القوّة ومن الشجاعة ومن الحِكمة ومن العِلم ما تشرَّبه من رسول الله ﷺ.

لنتعلم أمرا هاما، لأن هناك أمور لا يصح في عُرف العقل أن تمر عليها مر الكرام، هذه تربية عليّ لتعلم أن تأثير المُربّي في من يربي يتعدى مجرد التوجيهات. أن يقول له افعل لا تفعل كذا، وهذا صواب وهذا خطأ، ولكن التربية معايشة. لذلك قديمًا كان العِلم في الأزهر الشريف أبرع وأظهر، وكان العلماء في الأزهر الشريف أعلى كعبا، وأوسع اطلاعا، لماذا؟ لأنهم لم يكونوا يتعلموا في الأزهر وفقط، وإنما كانوا يعيشون العلم حياة.

يعيش علي -رضوان الله عليه- في بيت الحبيب ﷺ، فيتشرَّب الأنوار حينا بعد حين، فيزداد كل يوم تنورا، يزداد كل يوم تطهرا، يزداد كل يوم رقيا، لأنه يعيش الدين حياة من المثل الأعلى، من رسول الله ﷺ.

ليتعلم كل مربٍ في هذه الدنيا، ويتعلم كل معلم في هذه الدنيا، فرق كبير بين أن تُلقي إلى الناس رسالة وأن يعيش الناس العلم حياة، فرقٌ كبير بين أن تُعلِّم وبين أن يحيا ولدك التعليم، فرق كبير بين أن تربي وأن يرى ولدك التربية فيك مثلا حيا.

ولذلك؛ مما قالوا في هذا: حال رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل.

لأن الكلام المزوّق المُنمق المُرتَّب كثير، ولكن قلَّت جدواه إذا لم يقترن بعمل، إذا لم يقترن بتربية، إذا لم يقترن بطريقة لإدارة هذه الحياة.

فأنا أخرج في صبيحة كل يوم أسعى على رزقي، يرى أبنائي ذلك فيتعلمون أن بداية الأيام للسعي على الأرزاق، ولو أني ظللت نائما حتى تطلع الشمس، أو حتى ينتصف النهار، وجِئت بعد ذلك لأُربي في أبنائي أن يسعى كل واحد منهم على رزقه، لن يؤثر كلامك شيء، ولن يفيد في شيء.

النبي ﷺ ما قال يوما لعلي بن أبي طالب افعل كذا ولا تفعل كذا، كما ورد -مثلا- في قوله لعمر بن أبي سلمة «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك»، لم يرد هذا عن -رضوان الله عليه-، ولم يرد هذا عن أحد من أبناء النبي ﷺ، لأنهم كانوا يرون رسول الله يفعل ذلك فكانوا يتعلمون هذا بالمُعايشة، كانوا يتشبعون بذلك من مجاورتهم لرسول الله ﷺ.

ولمزيد من الإلمام؛ يُمكنكم أيضًا الاطلاع -هنا- على: خطبة عن الهجرة النبوية مكتوبة ومُعنصرة ومشتملة على دروس وعبر وعظات عظيمة

أضف تعليق

error: