خطورة الكلمة في الإسلام

صورة , الكلمة , حوار
حوار

من عظيم آيات الله عز وجل، أن أنطقنا وجعلنا متكلمين، وعلم آدم الاسماء كلها، ووهبنا من القدرة على التعبير ما يسري عنا، ويعيننا على التواصل والبوح بما يعتمل في دواخلنا، واللجوء إلى الله بالشكوى والضراعة، فجعل الكلام وسيلتنا للتنفيس عن كل ما نشعر به من حب أو غضب أو ثورة أو غيره، وجعل اختلاف الألسنة وتعدد اللغات واللهجات أية من آياته المعجزات، وهو القائل: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) (22)، ولأن الكلمة هي أداة التواصل بين البشر وبعضهم وبينهم وبين ربهم، كان لها في الإسلام شأن عظيم وأثر خطير ومساحة من التشريع لا يستهان بها، ومن ثم يسعدنا أن نسلط الضوء في هذا المقال على تلك النقطة الحيوية، وهي خطر الكلمة ومدى أهميتها في الإسلام، والضوابط التي وضعتها الشريعة للكلام.

لماذا كانت الكلمة من أخطر ما يصدر عن الإنسان؟

تستمد الكلمة أهميتها وتكتسب خطورتها من قدرتها اللامحدودة على تغيير المصائر والانتقال من حال إلى حال، والكلمة هي الفيصل بين الحكمة والحمق، وهي المرآة التي تعكس جوهر ناطقها وترسم ملامح شخصيته في وضوح لا يقبل الاختلاف، فعن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه وأرضاه- أنه قال: (أظل أهاب الرجل حتى يتكلم فإن تكلم سقط من عيني .أو رفع نفسه عندي) ومنها قول الإمام علي بن طالب -كرم الله وجهه- كذلك مؤكدا نفس المعنى: (تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه) والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

فكلمة التوحيد تنقل المرء من الكفر إلى الإيمان، وكلمة الميثاق الغليظ هي كلمة تُبنى عليها البيوت، وتلزم صاحبها بواجبات وتخول له صلاحيات وتمنحه حقوقا ما كانت تمنح له إلا انطلاقا من هذه الكلمة، وكلمة الطلاق ما هي إلا كلمة تهدم البيوت القائمة وتفرق الشمل، وتنقل المرء من واقع إلى واقع، ومن حياة السعادة والصحبة والأنس والاستقرار إلى الشتات والوحدة والقلق!

وكم من حصون استُبيحت بكلمة، وكم من خطايا وانزلاق في هوة الفاحشة ارتكبت بفعل كلمة، خرجت من لسان خبيث متمكن أصابت قلبا ظامئا ونفسا متشوقة ففعلت فعلتها، وحاكت خيوطها حولها وأوقعتها في المحظور.

يقول -صل الله عليه وسلم- (إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ رضوان الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم).

ضبط الكلام من تمام الحكمة وأوامر الشريعة

من الأحاديث القصيرة المبني العظيمة المعنى والتي تؤسس قاعدة هامة في ضبط الكلام والحث على التثبت وزنة الكلام بميزان العقل، قبل أن نتركه يجري على اللسان هكذا بلا ضابط، ذلك الحديث القصير الذي يقول فيه النبي –صلى الله عليه وسلم- ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

وقد وضعت الشريعة لنا ضوابط واعتبارات نراعيها قبل أن نطلق ألسنتنا بالكلام، ومن أهمها أن نتذكر جيدا قول الله عز وجل: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ). ومن ثم ينبغي للمتكلم أن يزن كلامه بميزان الشرع قبل أن يتلفظ به، فلا يجوز أن يتلفظ بكلمة فاحشة أو دعوة إلى رزيلة أو ينهى عن فضيلة، أو يخرج من بين شفتيه كلمة تقدح في إيمانه وعقيدته أبدا.

كذلك نهانا الإسلام عن نوعية من الكلام تدمر المجتمعات وتنشر السم في أوصالها، ومنه الخوض في الأعراض وذكر عورات الناس بلا بينة، كما نهانا عن الغيبة والنميمة وحذرنا منهما اشد تحزير.

وفي المجمل فإن الشريعة نهت عن التكلم بأي كلمة تجلب ضرا لاحد أو تحمل بين ثنايا حروفها سوءا فيما يتعلق بأي جانب من جوانب الحياة.

الإيمان بالله واليوم الآخر وأثره في السلوك

فوائد إمساك اللسان عن التلفظ بما لا يرض الله

في الصمت نجاة وفي حفظ اللسان سلامة من المهلكات والتوابع التي تلقي بصاحبها في هوة الذنوب والمعاصي، وفيه راحة للكرام الكاتبين، وفيه نجاة من المظالم التي يطالب بها العبد يوم القيامة، وفيه سد للذرائع وغلق لباب الفتن.

أضف تعليق