خطبة مفهوم العبادة في الإسلام «مكتوبة ومنسقة»

خطبة مفهوم العبادة في الإسلام

في خطبة الجمعة القادمة سيكون الحديث مُنصَبًا على الأهم؛ نعم، إنها خطبة مفهوم العبادة في الإسلام؛ التي ستكون بين يديكم في هذه الصفحة، مكتوبة ومنسقة، ومشتملة على ما يلزم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقَصَص.

فأعيرونا القلوب والأسْمَاعٌ والأبصار، واقرأوا ما تحويه هذه الصفحة من أجلِكُم.

مقدمة الخطبة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله؛ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئا مما أُمر به إلا بلغه، فتح الله به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبا غُلفا، وهدى الناس من الضلالة ونجاهم من الجهالة، وبصرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط المستقيم.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

الخطبة الأولى

أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، فإن ربنا جل جلاله ما خلقنا في هذه الدنيا ليستكثر بنا من قِلّة، ولا ليستأنس بنا من وحشة، ولا ليستعين بنا على أمرٍ قد عجز عنه؛ ولكنه جل جلاله خلقنا لنذكره كثيرا، ونعبده طويلا، ونسبحه بكرة وأصيلا.

العبادة، عبادة الله جل جلاله هي الغاية التي من أجلها خلقنا، وعلى أساسها نحاسَب، وبها نُثاب أو نعاقب.

لماذا نعبد الله جل جلاله؟

نعبده سبحانه لأنه الذي خلقنا؛ {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}، {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين}.

وقال تعالى {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون}، {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير}، {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون}.

الله جل جلاله جعل خلقنا آيةً من آياته، {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}، {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذٰلك لآيات للعالمين}.

نعبد الله يا عباد الله لأنه خالق السماوات والأرض، {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}، {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم}.

من عبدوا غير الله، الله جل جلاله احتج عليهم بخلقه سبحانه، فقال سبحانه {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه}.

هؤلاء الذين يُعبَدون من دون الله ما خلقوا شيئا، {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب}. ضعف الطالب، أي هذا المعبود من دون الله، وضعف المطلوب، أي الذباب.

أو؛ ضعف الطالب، أي هذا الذي يعبد غير الله، وضعف المطلوب، وهو ما عُبِد من دون الله من حجر أو بشر.

قال تعالى {ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز}. يا أيها المسلمون، يا عباد الله، عبدة الله -عز وجل- لا تنقطع بعد رمضان، أو في غير يوم عرفة، أو في أيام الأسبوع الأخرى غير الجمعة.

فقد شرع لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نحافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات حديث يُنادى بهِنّ، احرص على أن تكون صلاتك مع الجماعة، مع جماعة المسلمين في بيوت الله -عز وجل-؛ ونسأل الله أن ييسر فتحها في المشارق والمغارب عما قريب؛ وإلى أن يحصل ذلك نقيم صلاة الجماعة في بيوتنا مع أزواجنا ومع أولادنا، لا نضيعها.

نحرص على أن نصوم نفلا ما استطعنا، فإن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قد قال «من صام يوما في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا»، ولما قال له بعض الصحابة: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني من الجنة؟ قال «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»، أي لا مثيل له.

مفهوم العبادة

أرشدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نعبد الله -عز وجل- بكل ما نستطيع. ليست العبادة أيها المسلمون قاصرة على هذه الشعائِر.

بعض الناس إذا اسمع كلمه العبادة فإنه لا يخطر في ذهنه سوى الصلاة والصيام والحج والعمرة والصدقة وقراءة القرآن وما إلى ذلك.. لكن الله جل جلاله قد تعبدنا في أوقاتنا كلها، وعلى أحوالنا كلها، ونوَّع لنا العبادات لألا يصيبنا الملل:

عبادات لسانية: ذكر الله، تلاوة القرآن، تعليم العلم، الدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إفشاء السلام، «رحم الله امرءا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم».

عبادات مالية: الزكاة المفروضة، صدقات التطوع، إطعام الطعام، إكرام الضيف.

عبادات قلبية: بمحبة الله، بمحبة رسل الله وأولياء الله الصالحين من عباد الله، بمحبة المؤمنين في الله من أجل أعمالهم التي يحبها الله، التوكل على الله، الرضا بقدر الله، رجاء ما عند الله، الأمل في الله، الخوف من الله.

عبادات بدنية: في ركوعنا وسجودنا، في غسلنا ووضوئنا، في عملنا بخصال الفطرة، في سعينا إلى بيوت الله -عز وجل-، في سعينا لنفع خلق الله -عز وجل- بما نستطيع.

عبادات يجتمع فيها المال مع البدن: كعبادة الحج، وعبادة العمرة. يبذل الإنسان فيها ماله ويستعمل فيها بدنه.

عبادات وزعها ربنا على الليل والنهار، بكرة وعشيا، على كل أحوالك أيها المسلم. تستطيع أن تكون عبدا لله -عز وجل-.

ليست العبادة قاصرة على الشعائِر. أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا مع أصحابه يوما فمر بهم شاب قوي، فقال الصحابة: يا ليت قوته في سبيل الله {يا ليل هذا الجسد الفارع وهذه القوة الظاهرة، ليتها كانت في الجهاد في سبيل الله}. فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام -مصححا- «إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله».

فحين تخرج من بيتك لصلاة الصبح فأنت في سبيل الله، حين تخرج من بيتك إلى مقر عملك من أجل أن تنال رزقا حلالا تطعم فيه نفسك أو عيالك أو أبويك أو من أجل أن تتصدق، فأنت في سبيل الله.

هذا هو ديننا، يعلمنا أن نكون إيجابيين، أن نتعبد الله -عز وجل- على أحوالنا كله.

قال أهلم العلم: المباحات تتحول إلى عبادات لو استحضر الإنسان نية صالحة؛ الطعام والشراب، المنام والنكاح؛ هذه التي يشترك فيها الإنسان العاقل مع الحيوان البهيمي. مثلما آكل وأشرب وأنام، فهكذا الحيوان يصنع، لكن المؤمن يستحضر في طعامه أنه يتقوى به على طاعة الله، في شرابه، في منامه، فالإنسان الذي يريد أن يسهر ثم بعد ذلك يقول لا، بل أنام من أجل أن أقوم في ثلث الليل الآخر لأركع لله ركعات، أو من أجل أن أقوم لصلاة الفجر؛ نومه هذا عبادة.

النبي عليه الصلاة والسلام قال «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه، عز وجل».

يا أيها المسلمون؛ العبادة لا تنقطع بعد رمضان أو في غير أيام الصيام، بل هي مستمرة إلى أن تفارق أرواحنا أجسادنا.

أسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا من العابدين الذاكرين الشاكرين.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كُلٍّ وصَحب كُلٍّ أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أما بعد، أيها المسلمون؛ فاتقوا الله حق تقاته وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، واعلموا إخوتي في الله أن العبادة لا تكون مقبولة عند الله -عز وجل- إلا إذا توافرت فيها شروط ثلاثة:

أول هذه الشروط أن تكون خالصة لله؛ فالإنسان ما يعبد الله رياءً، من أجل أن يراه الناس، ولا سمعة من أجل إن يقول الناس عنه أنه عابد، هو زاهد، هو كثير الصلاة، أو هو كثير الصيام؛ بل يعبد الله طلبًا لرضاه، يعبد الله طمعًا في جنته، يعبد الله استجابة لأمره جل جلاله، لأنه أمرنا بالعبادة سبحانه؛ فقال {اعبدوا ربكم}.

هذا هو الشرط الأول، أن تكون العبادة خالصة لله؛ {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين}.

ثانيا، أن تكون مبنية على أساس من الإيمان؛ كله بناءٍ لا أساس له فهو معرضٌ للانهيار. لابد من أن تكون مؤمنا بالله، لابد أن تكون محققا لأركان الإيمان كلها من أجل أن تكون عبادتك مقبولة.

الآن، وربما ترى إنسانا من غير المسلمين قد يكفل يتيما، أو يطعم جائعا، أو يتصدق على مسكين، أو تجده ذا خلق حسن. هذه كلها أعمال طيبة يجزيه الله بها في الدنيا، لكن يوم القيامة لا تنفعه عند الله.

الله جل جلاله قال {والذين كفروا أعمالهم كسراب}، {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد}، {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}. لا تنفعه تلك الأعمال يوم القيامة.

ولذلك لما مثَّل بالسراب، قال {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا}. ولم مثَّله بالرماد قال {كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء}.

مثَّل تلك الأعمال بالهباء الذي يطير مع الهواء.

ثم الشرط الثالث أيها الإخوة المسلمون، أن يكون عملك موافقا لشريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو سلكنا الناس كل طريق واستفتحوا على الله كل باب ما فتح لهم حتى يأتوا خلف محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

لا تظنن أنك تخترع عبادة من عندك، أو تستحسن طريقة من نفسك، ثم تعبد الله بها. لا، أُعبد بالله متشبهًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

صحيح أننا لا نستطيع أن نعبد الله كما عبد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يصوم في كل عام بضعة وسبعين يومًا سوى رمضان، وكان أقل ركعاته في اليوم والليلة ٤٠ ركعة، يصلي الفرائض سبع عشرة ركعة، والسنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، ويصلي الوتر بالليل إحدى عشرة ركعة = ٤٠ ركعة، أقل شيء كان يصليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ربما لا نستطيع ذلك، وذلك خفف علينا عليه الصلاة والسلام فقال «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم».

هذه هي شروط ثلاثة: إخلاص لله، إيمان بالله، متابعة لسنة رسول ﷺ.

يا أيها المسلمون ما أحوجنا إلى تذكر هذه المعاني في ظل هذا الوباء الذي خوَّف الناس وأحال حياة بعضهم إلى جحيم لا يطاق، لأنهم يعيشون مع الهواجس والوساوس، يحسبون كل صيحة عليهم.

مطلوب منا أن نعبد الله -عز وجل-، متى ما جاءنا الموت يأتينا ونحن على خير -إن شاء الله-.

الدعاء

  • ألا وصلوا على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد. اللهم صل وسلم وبارك عليه، ولا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا نفسته، ولا عسيرًا إلا يسرته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا ضالا إلا هديته، ولا غائِبًا إلا رددته.
  • اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
  • أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
  • اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا أجمعين، وفك أسر المأسورين برحمتك يا أرحم الراحمين.
  • اجعل لنا من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية.
  • اللهم تولَّ أمر كل مؤمن ومؤمنة، وتولَّ أمر كل مسلم ومسلمة.
  • اللهم أنزل علينا في ساعتنا هذه رضوانك الأكبر الذي لا سخط بعده.
  • اللهم اقض حوائجنا فيما يرضيك يا رب العالمين.
  • اجعل وجوهنا من الوجوه الناضرة الناظرة إلى وجهك الكريم، واختم لنا بخير، واجعل عواقب أمورنا إلى خير، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، وأحسن الختام يا علام.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين؛ وأقِم الصلاة.


هذه خطبة مفهوم العبادة في الإسلام..

ألقى هذه الخطبة المباركة الدكتور عبدالحي يوسف. وهو أحد الأئِمَّة والدعاة والخطباء المعروفين بقوَّة إلقائِهم.

إذا أردتم خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف pdf للتحميل؛ والتي تتوافق مع ما وفَّرناه أعلاه من خطبة مفهوم العبادة. فيُمكنكم طلبها في التعليقات أدناه، وسنعمل على تلبية طلبكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: