خطبة: مراحل بناء الشخصية في السنة النبوية على أُسس من كتاب الله ﷻ

في هذا اليوم المبارك -إن شاء الله ﷻ- يا إخواني سننشر لكم خطبة جمعة بعنوان: مراحل بناء الشخصية في السنة النبوية؛ على أُسس من كتاب الله ﷻ. وهي خطبة جمعة للشيخ أسامة بن عبدالله خياط من المسجد الحرام؛ فجزاه الله خيرا.

الخطبة تأتيكم مكتوبة، كاملة؛ والله ﷻ نسأل أن ينفعكم بها جميعا.

خطبة الجمعة القادمة مكتوبة, مراحل بناء الشخصية في السنة النبوية

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

الخطبة الأولي

أما بعد؛ فيا عباد الله: ألم تروا إلى الشجرة الطيبة المثمرة كيف تؤتي أطيب الثمر حين يعني بها صاحبها أتم عناية، بتعهدها بالسقي والتهذيب والرعاية؛ حذر أن تصيبها جائحة، أو يفسدها تطفل نباتٍ آخر عليها، في تربتها أو مائها وغذائها!

إنها – يا عباد الله – مثل للشخصية المسلمة المستقلة المتفردة، تبلغ من الرقي والنضج والكمال أسمي المراتب وأرقع الدرجات، حين يعني بها الرعاة من العلماء والآباء والمربين والإعلاميين، والقادة وصناع القرار.

إن بناء هذه الشخصية الفذة التي لا تضلها الأهواء، ولا تنحرف بها المسالك، ولا تزعزعها أعاصير الباطل: هو من المقاصد الكبرى في دين الله؛ لأن في ذلك حفاظًا علي حياة الأمة، وصيانة لخصائصها العظيمة الكريمة، التي سمت بها؛ فكانت – كما أراد الله – خير أمة أخرجت للناس، كما قال ﷻ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وتبوأت – كما أراد الله أيضًا – مقام الشهادة علي الأمم يوم القيامة، كما قال ﷻ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.

ولأن في هذا البناء – أيضًا – ضمانًا لاستمرارية هذه الأمة في أداء رسالتها الكبرى في دعوة الناس إلى دين الله: بتقديم الواقع، وعرض السيرة وبيان المنهج، عملًا لا قولًا، وممارسة لا دعوى.

فعماد الحفاظ علي هذه الشخصية – يا عباد الله – وأساس الاستمساك بها و رعايتها حق رعايتها هو هذا الدين الحق، دين الله الإسلام، الذي أكمل لنا به الدين، وأتم به علينا النعمة، ورضيه لنا دينًا؛ فقد جاءت شعائره وتكاليفه وسننه وأجابه كلها موصلة إلي هذه الغاية، محققة هذا المراد وإذا كانت بعض الأمم المعاصرة التي قامت حضارتها علي أساس علماني مادي قد أدركت أن الحفاظ علي حضارتها رهين ببقاء شخصيتها مستقلة بسماتها الخاصة؛ فأخذت نفسها بحماية جذورها معتمدة لغتها وتاريخها وتراثها أساسا ومحورًا، مع أن الأساس المادي جامع بينها وبين خصومها = أفلا يجدر بأولي الألباب من هذه الأمة المسلمة أن يتخذوا من ذلك العبرة وهم أصحاب دين رباني ووحي إلهي، جعله الله روحًا ينبض به قلب الأمة، ونورًا أخرجها به من الظلمات إلي النور، كما قال ﷻ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾.

أفلا يجدر بهم أن تكون لهم من ذلك العبرة؛ فتتضافر منهم الجهود، وتصح منهم العزائم، وتتسابق الهمم إلى الحفاظ على هذه الشخصية الفذة: بالعناية بروافدها، والرعاية لأسباب نمائها:

فالأبوان: بما ينحلان أبناءهما من تربية وتوجيه وتقويم وحياطة تقتضيها التنشئة الإسلامية الراشدة.

ودور العلم: بسعيها في نقل حقائق الدين وشعائره وأحكامه من معارف مبثوثة في السطور واماني تعتلج بها الصدور، وإلي سلوك حي فاعل مؤثر في دنيا الواقع ومسيرة الحياة، وبتربيتها المسلم العزيز بإسلامه، الذي لا يقبل الذلة في دينه، ولا المداهنة في عقيدته، ولا المساومة عليها في أي صورة، وتحت أي شعارٍ، وبعلمها أيضًا علي أن تستنبت العلم في مزرعة الإيمان؛ فإن العلم الصحيح رديف الوحي في تثبيت الهدى؛ تحقيقًا لوعد الرب ﷻ بجعل آياته في الآفاق و الأنفس عاملًا من عوامل بيان الحق وتثبيت اليقين، كما قال ﷻ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

وأجهزة الإعلام: بحملها أمانة الكلمة، واستشعارها عظم المسؤولية وثقل التبعة، وبالحفاظ على عقيدة الأمة وشريعتها وأخلاقها وكل منابع الخير الكامن فيها، مدركة ان حصاد الألسنة والأقلام هي من أعظم ما تحذر عاقبته وتخشي مغبته.. كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين سأله متعجبًا: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال ﷺ: “ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد السنتهم؟! — أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد حسن.

والمجتمع المسلم كله: بتوجيه دفة حياته وفق شريعة ربة، مستمسكا بها، متحاكمًا إليها مخلصًا لإسلامه، معتزا بإيمانه.

وهكذا يكون من تضافر الجهود وصحة العزائم وتسابق الهمم: كمال هذا البناء، وتمام هذا السعي، وحصاد هذه الثمار يانعة جنية، متبدّية في هذه الشخصية الفريدة.

فاتقوا الله – عباد الله – واعلموا علي الحفاظ علي الشخصية المسلمة المستقلة بسماتها الفريدة وخصائصها الفذة، تكن لكم العقبى في الآخرة والأولي، وحذار من أي عامل نقض لهذه الشخصية: بالانتقاص منها، أو توهين عراها، أو التقاعس عن المشاركة في بنائها فإنه مفضٍ إلي سوء العاقبة وقبح المصير، مورث ضياعاً لخيرية هذه الأمة، وتبعية لغيرها، وذهابًا لريحها واضطرابًا في جميع أحوالها، وباعثًا علي استلاب هذا الدين حقه في قيادة الناس قيادة مسددة راشدة يسعدون بها؛ لأنها تستنقذهم من عبث الحياة، وتخرجهم بإذن الله من الظلمات إلي النور.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه ﷺ.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وهنا نقرأ أيضًا خطبة: حياة النبي ﷺ من الميلاد إلى البعثة – مكتوبة كاملة

الخطبة الثانية

الحمد لله العلي القدير، أحمده ﷻ له الدنيا والآخرة وإليه المصير، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلي آله وصحبه.

أما بعد؛ فيا عباد الله: إن خطر فقدان الشخصية المسلمة لا يقف عند حد ولا يختص بفئة دون فئة، بل هو خطر عام شامل ينذر بزعزعة القواعد وتوهين الأركان، وتصدع البنيان، وإن من أشد ذلك ان تنشأ أجيال من المسلمين في انفصالٍ عن أمتها، وغربة وتنكر لدينها، فتغدو بذلك سلاحًا من أمضي الأسلحة في أيدي أعدائها، ويسومونها به الخسف والهوان والصغار، أعاذنا الله جميعًا من ذلك.

ألا فليعمل لدرء هذا الخطر كل المخلصين من أبناء هذه الأمة، وليجهدوا فيه جهدهم، ولتجتمع عليه كلمتهم، وليبلوا فيه بلاءهم، فإنه حري بذلك، خليق به، مستوجب له.

وصلوا وسلموا علي الحبيب رسول الله؛ فقد أمرتهم بذلك في كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهم صل وسلم علي عبدك ورسولك محمدٍ، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن سار علي نهجهم واقتفي، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك.. يا خير من تجاوز وعفا!

تمت..

ونترككم مع اقتراحنا الأخير هنا؛ وهو خطبة: هدي النبي ﷺ في بيان منزلة الشهادة والشهداء.. وبالتوفيق للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى