خطبة ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾.. مكتوبة

خطبة ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾.. مكتوبة

إخواني الخطباء، نأتيكم اليوم بخطبة الجمعة لهذا الأسبوع، وهي في ضوء قول ربنا ﷻ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾. وهي مكتوبة كاملة -بحول الله ﷻ وقوته-. غزيرة الوعظ والإرشاد ومُعزَّزة بالآيات القرآنية وأحاديث نبينا المصطفى ﷺ.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله رب العالمين ﷻ؛ نحمدك ربي ونستعين بك ونستغفرك ونستهديك ونستنصرك، ونعوذ بك ربي من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا وشفيعنا محمدا عبده ورسوله.

نشهد يا رسول الله أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت للأمة وكشف الله بك الغمة. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وقائدنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى

أمر الله ﷻ نبيه ﷺ بتقواه في أول سورة الأحزاب، قوله ﷻ: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾. وأمر أمته بالتقوى في ختامها. ولذلك إذا سمع المؤمن نداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يجب عليه أن يُصغي إليه لما يحمله من أمر رباني يتطلب الاستجابة له، أو نهي يدعو المؤمن للإقلاع عنه والتوبة فوراً، وهو ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم هذا النداء الرباني الطيب.

ولا ريب أن الكلمة الطيبة، التي تؤلف القلوب، وترصّ الصفوف، وتعزز الأخوة في المجتمع مطلبٌ شرعي في كل عصر ومصر، لذلك كان النبي ﷺ يبتدئُ خُطبه العظيمة، وكلامه الشريف بقول الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

لقد جاء بعد هذا النداء المبارك أمران عظيمان يتطلبان من الذين آمنوا الإسراع بالطاعة، الأول: الأمر بالتقوى التي فيها الوقاية من غضب الله ﷻ، وهي واجبة على المؤمن في كل أحواله حال يقظته في حركاته وسكناته. وأما الأمر الثاني: فهو أن نقول قولاً سديداً، إرضاء لله ﷻ الذي خلقنا في أحسن تقويم، وأنعم علينا بنعمه السوابغ، قال ﷻ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.

ومن هذه النعم أن نقول قولاً سديداً نذكر فيه المؤمنين والمؤمنات بالجميل من الصفات يسدُّ عن الذين آمنوا باب النيران، ويفتح لهم أبواب الجِنان.

وقد أرشدنا ﷻ إلى أن الكلمة الطيبة لها نتائج دنيوية وأخروية تنعكس على صاحبها بكل نفع وخير، فأما في الدنيا فهي قوله ﷻ: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ فصلاح الأعمال، هي التوفيق من الله ﷻ لفعل كل خير ومعروف، حتى يصل المؤمن إلى طمأنينة النفس وراحة البال، واختيار أطيب الكلام وأعذبه، وهو دليل على رجاحة العقل، وسعة الصدر، والحكمة في التصرف، ويسدّ أبواب شرور عظيمة في المجتمع، فكم من كلمة طيبة أغلقت باب فتنة بين الناس، وكم من كلمة طيبة، جبرت قلوب وخواطر لذلك أخبرنا الله ﷻ بأن القول الطيب هو هداية وتوفيق من الله ﷻ: يقول ﷻ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾.

إن القول الصادق، والإقبال على ذكر الله ﷻ وقراءة القرآن الكريم، هو سبيل عزّة المسلم، ورفعته عند الله ﷻ، وهو سبيل النصر للأمة الإسلامية على من يريد بها سوءاً، أو من يمكر لها من أعدائها، فقال ﷻ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾، ففي الآية الشريفة دليل على قوة الكلمة، وأنها تأثيرها في النفوس أكبر وأعظم من تأثير الوسائل المادية، لذلك فإن من واجبنا في الوقت الحاضر أن نستثمر وسائل التكنولوجية الحديثة، وأدوات التواصل الاجتماعي في كل خير، وإيصال الكلمة الطيبة التي جعلها الله ﷻ هي الأساس في الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، يقول ﷻ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

والحق أن القول السديد هو قول الصدق الذي له أعظم الأثر في كسب القلوب، وفتح مغاليقها، وتطبيب النفوس، والدلالة على الله ﷻ، لذلك يقول الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فالصدق هو الكلمة الطيبة التي تُنتج ثمار الدعوة إلى الله ﷻ ويبقى أثرها على مدى الدهور والعصور، يقول ﷻ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

هذا البيان والمثال البديع من الله ﷻ يخبرنا أن الكلمة الطيبة هي التي ترسخ الإيمان في النفوس لتصبح نفوساً عالية تطال بصفائها عنان السماء، فلا تنال منها رياح الشبهات والشهوات، ولا تعصف بها المنكرات، وتجود بخيرها في كل زمان وأوان، وأما الكلام الفظ، والمعاملة الغليظة فلا ينتج عنها إلا الفرقة بين أبناء المجتمع، ويزيد من الشحناء والبغضاء بينهم، ويقلب المودة إلى عداوة، والألفة إلى فرقة، يقول ﷻ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

يقول قتادة: “ما تقول في الكلمة الخبيثة؟”، قال: “لا أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها يوم القيامة”.

وكما أمرنا الله ﷻ بالقول السديد والكلمة الطيبة التي لها آثار إيجابية في المجتمع ونهانا عن القول الفاحش البذيء الذي له آثار مدمرة في المجتمع يقول النبي ﷺ: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ» سنن الترمذي، بل نهى ﷻ عن كل ما يمكن أن يُحمل على سيء أو يُحرف عن ظاهره، فقال ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

فالواجب اليوم على كل واحد منا أن يراقب، لفظه، ومنطقه، فإذا تغافلت المجتمعات عن ذلك فانتشرت مقالة السوء، وأصبح التواصل بين الناس قائما على الكذب والشتم واللعن والقذف والتشكيك، تصدع بنيان المجتمع، وانهدمت أركانه، وانتشرت ثقافة الكراهية، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وقال طاوس: لساني سبع إن أرسلته أكلني، وقال وهب بن منبه: حق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه، وقال الحسن: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه، يقول الإمام الشافعي رحمه الله ﷻ.

لا يَلدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعبانُ
اِحفَظ لِسانَكَ أَيُّها الإِنسانُ

كانَت تَهابُ لِقاءَهُ الأَقرانُ
كَم في المَقابِرِ مِن قَتيلِ لِسانِهِ

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم والصالحون الذين تربوا في مدرسة النبوة الشريفة، ذات الأخلاق الحميدة، هم أولى الناس بمعرفة مكانة الكلمة الطيبة ووقعها على النفوس، فكانوا يتخيرون أطايب الكلام كما يتخيرون أطايب الثمر، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل على قومٍ قد أشعلوا ناراً فقال لهم منادياً: “يا أهل الضوء”، ولم يقل لهم: “يا أهل النار” حتى لا تؤذيهم الكلمة.

وهذا الإمام الشافعي رحمه الله ﷻ حينما سمع تلميذه المزني رحمه الله ﷻ يومًا يقول: فلان كذاب، فقال: يا أبا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، فلا تقل: فلان كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء فالعبارة الأولى قاسية شديدة، والعبارة الثانية أليق.

أقول قولي هذا وأستغفر الله الحليم الكريم، لي ولكم.

وهنا: خطبة «مشكولة» عن واجبات المواطن الصالح تجاه وطنه.. حُب، دعاء، إعمار، بناء

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

عباد الله: إنَّ من أسرار التلازم بين الأمر بالتقوى والأمر بالقول السديد أن التقوى هي معدن الخير في قلوب الذين آمنوا، والقول إنما ينبع من هذه القلوب المطمئنة بذكر الله ﷻ، والعامرة بالتقوى والخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، وطاعة سيدنا النبي الكريم ﷺ في كل وقت وحين.

نعم إنه الفوز الذي لا يقترب منه أي فوز في الدارين أبداً، فلنحرص على تحصيله بالتقوى والقول السديد في هذه الدار قبل الرحيل إلى دار الخلود.

وكما أنّ للقول السديد ثماره ونتائجه في الدنيا، كذلك فإن له نتائجه في الآخرة عند الله ﷻ، وهذه النتيجة هي مغفرة الذنوب، والفوز بالجنة عند الله ﷻ كما أخبر ﷻ، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وبالمقابل فإن من لم يلتزم بالقول السديد، والكلمة الطيبة كان مصيره الخسارة في الدنيا والآخرة، ويقول النبي ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم» صحيح البخاري.

لذلك؛ أمرنا الله ﷻ بضبط النفس عند المشاحنة، وعدم إطلاق ألسنتنا في الكذب وأعراض الناس عند الغضب قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» رواه الترمذي.

وقال ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيراً أو ليصمت” رواه البخاري ومسلم.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد؛ فقد قدمنا لكم -إخوتي الخطباء- خطبة جمعة مكتوبة؛ في ضوء قول ربنا ﷻ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾. وهنا كذلك خطبة العمل شرف.. مكتوبة ومشكولة الآيات ومنسَّقة. نسأل الله ﷻ أن ينفعنا وإياكم بكل درس وخطبة ومحاضرة وفرناها لكم هنا على موقع المزيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: