خطبة قصيرة عن قدوم شهر رمضان الفضيل

بين يديكم الآن خطبة قصيرة عن قدوم شهر رمضان الفضيل. الخطبة مكتوبة جاهزة، وكاملة. تحتوي على المقدمة والدعاء، فضلا عن المحتوى نفسه؛ من مواعِظ وإرشاد مُقسَّمة إلى عناصر ونقاط منفردة، حتى يسهل على الإمام أو الخطيب أن ينهَل منها ما يرغب ضمّه إلى خطبته.

خطبة قصيرة عن قدوم شهر رمضان الفضيل

مقدمة الخطبة

الحمد لله الرؤوف الرحيم بعباده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ».

وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الرحمة المهداة، المبعوث بالشريعة السمحة، -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن تمسك بهديه إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى

أما بعد؛ فأوصيكم ونفسي معشَر المسلمين بتقوى الله ﷻ.

أيها الأحِبة؛ في يوم عيد الفطر الماضي تواردت على قلبه مشاعِر كثيرة، اختلط فيها الحزن بالعزم. الحزن على تفريطه فيما مضى من ليالي رمضان، والعزم على اغتنام رمضان القادم. ولسان حاله يقول: لَئِنْ أدركت رمضان القادم ليرينّ الله ما أصنع.

يكاد هذا الشعور يعتلج في صدور كثيرٍ من المسلمين. إنه شعور جميل. ولكن السؤال: أما زال هذا الشعور باقيا حتى هذه اللحظات؛ ونحن جميعا على عتبات رمضان؟ إن استشعاره وتذكره الآن من الأهمية بمكان. فالضَّيف الكبير قادم الليلة أو غدا.

بمناسبة قدوم شهر رمضان.. لابد من وَقفة

إن ضعُف استذكارنا لهذه المشاعر، فليستعرض كل واحد منا قائِمة بمن غادرونا إلى الدار الآخرة. وقد كانوا معنا في العام الماضي أو الأعوام التي قبله القريبة. ورُبما كنا ممن شارك في دفنهم وتشييعهم.

كَم دفنا وودعنا من أصدقاء وأقارب وجيران؟ كم شيعنا من أشياخ وأقران؟ كم دفنا من شيبٍ وشبّان؟ رجال ونسوان؟ هذا مات فجأة، وذاك بحادث، وثالث بمرض. وقليلٌ منهم من بَلَغ الكبر عتيا. أنحن في منأى عن هذا المصرع يا عباد الله؟ أم ضمنا أن نبقى حتى نُحدد الأجل باختيارنا؟

بل، وكما هي العادة وسُنَّة الله في الناس؛ كم نقلت لنا الأخبار عن أموات سيرحلون اليوم؟ وبعضهم ربما رحل في أوائِل الشهر. وبعضهم أوسطه، وبعضهم ربما يفجأة الأجل قبيل العيد. بعضهم ربما مات يوم العيد.

إنها الحقيقة المذهلة يا عباد الله، إنها الحقيقة العظمى التي سيواجهها كل واحدٍ منا. وفي استشعارها واستشعار قربها وقربنا منها أثر عظيم على تحفيز النفس على اغتنام هذا الموسم المبارك.

والخوف كل الخوف على أحدنا أن يعُدّ نفسه غير معني بمثل هذه الكلمات. وأن المراد هو فلان وفلان. ليوسع على نفسه الأمل الذي يدفعه لمزيد من الغفلة والزلل.

الصوارف عن العبادة في رمضان

أيها المؤمنون؛ إن الصوارِف في رمضان وعن اغتنام رمضان -وخصوصا عقدين الأخيرين- كثُرت جدا. ولعل السُّعار الفضائي المحموم لإفساد جو رمضان على المسلمين باسم الترفيه المحرم تارة، وباسم الفن تارات أخرى؛ لعل هذا من أعظم الأدوات الإبليسية التي استعملها الشيطان لإفساد رمضان على الناس وتقليل بركته عليهم. بل ومحاولة طمس مراد الله من فرضية هذا الصوم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ~ الآية 183 من سورة البقرة.

هذا مراد الله؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فماذا تريد منا بعض الفضائيات؟ وماذا تورِثه بعض الجلسات الآثِمة مع بعض الرفاق والأصحاب؟ إنها تريد تمزيق هذا اللباس الذي أنزله الله علينا، وأكرمنا بالدعوة إلى التدثر به ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْر﴾.

على المؤمن العاقل أن يتساءل: هذه الأمور التي تبثها بعض القنوات أو يجلس لبعضها الأصدقاء والأصحاب؛ أهي تحقق مراد الله من فرض الصيام -التقوى-؟ أهي تحرك في قلوبنا الشَّوق إلى الله؟ أرحمة الله ورضوانه ومغفرته تُنال بمثل هذا الفسوق والفجور الذي تمتلئ به بعض الفضائيات؟ أيسر أحدنا أن توجَد هذه المجالس التي يجلسها عند هذه الفضائيات أو مع بعض الرفاق في سجل أعماله يوم يلقى الله؟

أيها المؤمنون إن من أعظم ما تجب المبادرة له ونحن على عتبات هذا الشهر الكريم أن تُحذف أمثال هذه القنوات إن كانت موجودة في الأجهزة التي عندك. والإبقاء على النافِع المفيد فقط. فذلك والله خير لك، عاجلا وآجلا. احذفها الآن قبل أن يجدها ورثتك من بعدك، فتكون هذه القنوات في صحيفة أعمالك. احذفها وابق على ما ينفع؛ وهو كثير ولله الحمد.

تفكروا في الجنة ونعيمها

أما الأمر الآخر الذي ينبغي المبادرة به، وأن نملأ قلوبنا منه. إن نكثر من التفكر في الجنة ونعيمها. وما أعده الله ﷻ للمسارعين في الخيرات، وللمتقين. إنها جنة عرضها السماوات والأرض. فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر قلب بشر.

فيها الأنهار، وفيها الوجوه الملحة، فيها الوجوه المسفرة؛ لا ترى فيها وجها كدرا ولا نفسا قلقة. هي للمتقين الذين حفظ كل منهم الرأس وما وعى والبطن وما حوى.

إن التفكر في هذا النعيم لمما يحفز القلب على اغتنام هذه الأيام والليالي. إن الجنة -يا عباد الله- في رمضان أقرب منها في غيره؛ بخبر الصادق المصدوق ﷺ إذ يقول «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين»؛ والحديث في صحيح البخاري.

لقد سمع المشتاقون إلى الجنة قول حبيبهم ﷺ «من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه». والحديث أخرجه الإمام البخاري. وفي رواية مسلم «ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه».

سمعوا ذلك فطاروا شوقا وفرحا، واجتهدوا في العمل لما يرضي الله ﷻ. فصلوا وصاموا وتصدقوا ووصلوا الرحم، وعفوا عن المخطئ، وبكوا من خشية الله ﷻ. لعل ذلك كله يبلغهم الغاية العظمى؛ رضوان الله والجنة.

الإعداد لرمضان

أيها المؤمنون؛ إن رمضان ضيف عظيم. وكلما كان الضيف عظيما كانت ضيافته على الكرام -أمثالكم- أعظم وأوجب. ومن عكس فقد خسر. وإن الإعداد والاستعداد للعمل، ولو بنية جازمة صادقة، وإن ضعف أحدنا عن بعض ما يريده.

إن الاستعداد لذلك علامة توفيق وأمارة خير. أما عكسه؛ فلنتأمل ماذا قال ربنا عن المنافقين حين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ في آيةٍ مخيفة للمؤمن، مقلقة للمقبل على الله ﷻ. إن كان يريد ما يريده الذين طارت قلوبهم شوقا إلى الله وشوقا إلى الجنة. اسمعوا ماذا قال الله عن المنافقين في غزوة تبوك حين تخلفوا عنها ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾. فالطاعة لا بد من أن يُمَهَّد لها بوظائف شرعية كثيرة حتى تؤتي أكلها ويُجتنى جناها؛ وخاصة في شهر رمضان. فالميدان فيه ثلاثون يومًا وليلة. حيث الأعمال الصالحة المتعددة، وميادين البر المتنوعة.

والسؤال هنا الذي ينبغي أن يطرح على القلب. أيها الأخ، ويا أيتها الأخت؛ إذا رأى أحد منكم من نفسه تثاقلا عن الطاعات والقربات، وكسلا عن الأعمال الصالحات؛ وخصوصا في شهر القربات والبركات، فليحذر أن يكون لهم نصيب من تتمة الآية السابقة. ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾. عياذ بالله ﷻ من الخذلان.

فليُدرِك العبد نفسه، وليفتش عن قلبه. لماذا تأخر عن ميادين الطائعين المتقين؟ لماذا تأخرت رتبته عن منافسة السابقين؟

وإن من الأسباب المجربة النافعة للانتفاع بمثل هذا الموسم العظيم -أيها المباركون- أن نطهر قلوينا من أدرانها ومعاصيها وأحقادها. فما بيننا وبين الله نُصلحه ونصححه بالتوبة الصادقة والندم والعزم على اغتنام الشهر. أما ما بيننا وبين الناس، وأخصهم الأقارب أو من لنا بهم علاقة خاصة من جيرة وزمالة عمل، فنصلحه بالعفو عمن ظلمنا منهم. ومسامحتهم عما أخطئوا في حقنا. فإننا نقول في دعائنا: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

فما نريده من ربنا فلنبادر به مع أحبابنا وأقاربنا، عسى الله أن يبدلنا بذلك راحة في نفوسنا. وعفوا وغفرانا من ربنا. وتلك والله غاية المنى.

أيها المؤمنون؛ كم من شخص أمَّل أن يصوم هذا الشهر، فخانه أمله. فصار قبله إلى ظُلمة القبر! كم مِن مستقبلٍ يومًا لا يستكمله! ومؤمل غدا لا يدركه!

إنكم -يا عباد الله- لو أبصرتم الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره.

نفعني الله وإياكم بما سمعنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد؛ فيدخل رمضان على بلادنا والاضطراب والقلاقِل في عددٍ من الدول التي حولنا تزداد. والمخاطر من قِبل أعداء هذه الأمة تكثر. ونحن نعيش في أمنٍ وأمان ولله الحمد. نُحسَد عليه من كثير من الناس. ووالله وتالله وبالله لن يحفظ هذا الأمن بمثل طاعة الله والتمسك بشرعه والتوبة من المظالم وشُكر نعمه ﷻ.

وثَمّة معنىً آخر، وآمُل من أحبتي الشباب خصوصا أن ينتبهوا له جيدا، وهو أن كثيرين ممن دخل رمضان عليهم أو سيدخل؛ يعيشون خوفا وقلقا وقلة أمن أو يعيشون جوعًا وقِلة ذات يد. ربما حرمهم ذلك كله من متعة الصوم، أو لذة الصلاة في التراويح، أو لذة مناجاة الله ﷻ.

فقلبه مشتت على أولاده، أو على أهله الذين لا يدري ما يصيبهم. أتنزل صواريخ من السماء، أو براميل متفجرة، أم يهجم عليهم مجرم عاتٍ أم يخاف على عرضه الذي استودعه بيته ولا يدري ماذا يحصل عليه؟ فهل من معتبر؟ أفلا يوجب لنا هذا -يا عباد الله- مزيدا من الشكر؟ وهل الشكر إلا بالعمل؟ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.

وفي الجُملة -أيها الإخوة- وعطفا على ما سبق في هذه الخطبة؛ مهما قام في قلبك أيها الأخ الكريم من عزم وقوة رغبة في الطاعة. فإياك أن تركن إلى هذا العزم الذي في قلبك. بل تعلق بالله ﷻ، واعتمد عليه. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. ليكن هذا لسان حالك. وأكثِر -بلسان الحال والمقال- من قول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

فوالذي نفسي بيده، ما صام صائم، ولا قام قائم، ولا عبد الله عابد؛ إلا بفضله ومِنته وإعانته وتوفيقه. لا بما يقع في القلوب من الرغبة فحسب.

الدعاء

فاللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم بلغنا شهر رمضان، اللهم بلغنا شهر رمضان، اللهم بلغنا إياه بقلوب مُقبلةٍ على الخير، مدبرة عن الشر؛ اللهم بلغنا إياه بقلوب حببت إليها الإيمان وزينته في قلوبها، وكرهت إليها الكفر والفسوق والعصيان.

اللهم إنا نعوذ بك يا عظيم يا كريم، يا من قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، اللهم إنا نعوذ بك من قسوة في قلوبنا. وغفلة تحجبنا عن معرفة قدر زماننا.

اللهم أعذنا من ذلك كله، اللهم أعذنا من ذلك كله؛ ووفقنا بمنك وكرمك وفضلك وجودك لصالح العمل الذي ترضاه عنا يا رب العالمين.


وفَّرنا لكم أعلاه خطبة قصيرة عن قدوم شهر رمضان الفضيل؛ ألقاها فضيلة الشيخ د. عمر المقبل، حفظه الله وبارك فيه.

نسأل الله ﷻ أن ينال استحسانكم وإعجابكم، وأن ينتفع بها المسلمون عامَّة، والأئمة والخطباء خاصَّة.

وهنا أيضًا: خطبة جمعة عن شهر رمضان مكتوبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: