خطبة مكتوبة عن فضل القرآن الكريم وبعض معانيه التي جاء بها

خطبة مكتوبة عن فضل القرآن الكريم

ونلتقي بالإخوة والأكارِم الأئِمَّة والوُعَّاظ في ملتقى الخطباء والدعاة بموقع المزيد؛ مع خطبة مكتوبة عن فضل القرآن الكريم وبعض معانيه التي جاء ونزل بها. نسوقها إليهم ليُذكروا الناس بهذه المعجزة الخالدة، التي عكف كثير من المسلمين عنها وعن تدبرها والعمل بما جاء فيها.

فاستعينوا بالله -تعالى- وابدأوا في القراءة وانهلوا من هذه الخطبة الدروس والمواعِظ وانقلوا وانشروها للناس؛ علَّ الله أن ينفع بكم.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه؛ بلغ الرسالة وأدي الأمانة ونصح للأمة. فصلوات الله وسلامه عليه عدد من صلى عليه المصلون وذكره الذاكرون.

أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

الخطبة الأولى

عباد الله؛ لقد أكرمنا الله -جل وعلا- بإنزال خير الكتب وإرسال خير الرسل عليه الصلاة والسلام، أنزل الله القرآن رحمة وهدى للعالمين، أنزل الله -جل وعلا- كتابه من أجل إسعاد البشرية ومن أجل إنقاذهم من الزَّيغ.

بطل السحر بقدرة الله -سبحانه- بعصا موسى، فآمن السَّحرة بالله -جل وعلا- وعلموا بأن ذلك من عند الله.

ولما جاء عيسى عليه الصلاة والسلام إلى قومه، وقد تفننوا بالطب بأنواعه وأشكاله؛ جعل الله -جل وعلا- الشفاء على يد عيسى.

يبرِئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.

وهذه وتلك بعض المعجزات التي كان لدى أنبياء الله ورسله ممن كانوا قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم.

لكن هناك الكثير من المعجزات في زمن الحبيب عليه الصلاة والسلام مِما شاهده العرب الذين دعاهم رسول الهدى للإسلام؛ كانشقاق القمر ونبوع الماء من بين أصابعه الشريفة.. وغيرها.

أما المعجزة الخالدة، وهي القرآن الكريم. فما أن سمعت قريش حديث النبي ﷺ عن هذا القرآن حتى أتاه أبو جهل وطلب منه أن يقول قولا في القرآن، وما زاد على أن قال أنه سِحر.

الله أكبر؛ إنها المعجزة الخالدة يا أمة القرآن، فاشكروا الله -جل وعلا- أن جعلكم من خير أمة، وأرسل إليكُم خير الرسل، وأنزل إليكم أفضل الكتب؛ فلله الحمد والمِنّة.

وإذا أراد الإنسان أن يتحدث عن القرآن وعن علومه وفنونه؛ فقد أفرد العلماء المجلدات عن القرآن وما فيه من العلوم. حتى أن السيوطي في كتابه [الإتقان في علوم القرآن] ذكر ثمانين علمًا من علوم القرآن، ثم قال: وهذا على سبيل الإيجاز، ولو أُفرِدَت لتجاوزت الثلاثمائة.

إنَّه القرآن يا أمة القرآن.

وانتشر الإسلام بفضل الله -جل وعلا- وانتشرت اللغة العربية بفضل الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ بل إن بعض العجم ممن يتقنون اللغة العربية أصبحوا مرجعا فيها، كسيبويه، وهو من بلاد فارس.

بل؛ وفي القاموس المحيط الذي ألَّفه الفيروز آبادي الذي يعتبر مرجعًا في اللغة العربيَّة من بلاد فارس.

فكُل من تعلَّم العربية فهو عربي كما قال حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-.

فالعربية والتحدث بها نعمةٌ كبرى لا يعرفها كثير من أهلها، فمن لا يجيد العربية إذا أراد أن يفهم القرآن لا بد من أن يتعلم اللغة العربية حتى يفهم كلام الله.

وأنت أيها العربي، يا من اصطفاك الله وأكرمك وشرَّفك وجعلك تتحدث بهذه اللغة؛ هل شكرت الله -جل وعلا- بالقول والفعل وتعلمت القرآن وعُنيت بتعليمه ونشره وكذلك بتعليم أولادك؟

ألا يحزن الإنسان يا أمه الإسلام أن يصل الطالب إلى المرحلة الجامعية وهو لا يجيد قراءة القرآن؟ أليس هذا من التفريط العظيم؟ أليس مما يحزن القلب أن تجِد الإنسان لا يجيد اللغة العربية ولا قراءة القرآن وهو من الأمة العربية ممن نزل القرآن بلغتهم وهو يعدل عنها إلى غيرها؛ ويجيد اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات.

ولا يقول قائل إن الإنسان يتعلم اللغات الأخرى؛ نقول نعم، يتعلم جميع اللغات التي تدعو الحاجة إلى معرفتها، ولكن لا يتخلى عن عن لغة القرآن.

وكما قلت لكم، الحديث عن القرآن وعلومه وفنونة يطول، لكنني أتحدث عن شيء من معانيه في هذه الدقائق؛ فأقول مستعينا بالله، وتأملوا يا أمة القرآن، يا أمة الإسلام؛ ما تميز به القرآن من الوضوح والسهولة واليسر.

كما قال الله -جل وعلا- في سورة القمر {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.

خاطب الله به القلوب والعقول. واقرأ في سورة يوسف {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.

من المعاني التي جاء بها القرآن يا أمة القرآن، معنى الوعد من الله -جل وعلا-؛ وإذا سمِع المسلم الوعد من الله -جل وعلا- انشرح قلبه واطمئنَّت نفسه. كيف لا؟ وقد وعده ربه -سبحانه وتعالى-.

ومن الأمثلة على وعد الله لعباده المؤمنين، قال الله -جل وعلا- في سورة الإنفطار {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}، وقال -سبحانه وتعالى- في سورة النحل {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، وقال -جل وعلا- في سورة فصلت {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ | نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}.

عبد الله؛ إذا سمعت هذه الآية، ردد هذه الآية، يعدك ربك -جل وعلا- أنك إذا استقمت على طاعته  وتركت معصيته ستسعد بالدنيا والآخِرة، وعدك بجنة عرضها السماوات والأرض؛ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ومن المعاني التي جاء بها القرآن الكريم، الوعيد.

فإذا سمعت هذه الآيات احذر يا عبد الله أن تقع بشيءٍ منها. فالله -جل وعلا- يقول في سورة طه {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}. فمن أعرض عن ذكر الله وعن طاعته وعن القرآن فإن له معيشة ضنكا ويُحشَر يوم القيامة أعمى، وأكمِل {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا | قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}.

وكثير من الآيات، ومنها ما جاء في سورة إبراهيم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ}.

وغير ذلك من الآيات.

وجاء القرآن، وتأملوا يا أمة القرآن، وأُنزِل للتدبر وللعمل، واقرأ في سورة النساء {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.

جاء القرآن بمعنى الأحكام، يأمرنا -جل وعلا- بآيات كثيرة، وينهانا عن أشياء. فإذا أمرنا الله -عز وجل- وحرَّم علينا شيئا يجب على المسلم أن يمتثل لأمر الله -حل وعلا-.

وعلى سبيل المثال؛ قال الله -جلَّ شأنه- في سورة البقرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.

فالإنسان يا أمة الإسلام يحذر الربا بأشكاله وأنواعه، فالربا -نسأل الله السلامة والعافية- محق بركة في الدنيا والآخرة، كيف لا؟ والذي يتعامل به يحارب الله -جل وعلا-.

فالذي يتعامل بالربا ممحوقٌ ماله ومنزوعة منه البركة.

فليحذر الإنسان من الطمع والجشع ويعلم علم اليقين أن الأشياء التي قدرها الله -جل وعلا- سوف تأتيه بالطرق المشروعة وليس بالطرق المحرمة، فإن الله إذا حرَّم شيئا فله في ذلك حكمة -سبحانه وتعالى-.

ومن المعاني التي جاء بها القرآن، القصص. واقرأ في سورة هود {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}.

عبد الله؛ تأمَّل في قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وانظر إلى العاقبة لهم ولأتباعهم، وانظر إلى العاقبة لمن أعرضوا ولم يستجيبوا لهم.

أتوا إلى هذه الدنيا ودعوا أقوامهم؛ عاند من عاند وتكبَّر من تكبَّر وتجبَّر من تجبَّر واستجاب من استجاب. أين هؤلاء وأين هؤلاء؟

ونحن على الأثر سائرون. أتانا رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- بهذا القرآن ودعانا لسعادتنا بالدنيا والآخرة.

فعلينا أن نعتبر بأخبار الأنبياء والرسل، وما حصل لهم مع أقوامهم.

ومن المعاني التي جاء بها القرآن، معنى المعاد وما سيكون فيه، واقرأ في سورة فاطر {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}.

أخبرنا الله -تبارك وتعالى- في آياتٍ كثيرةٍ ما سوف يكون يوم القيامة. ومنها ما جاء في سورة الحج {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ | يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}.

وغير ذلك من الآيات يخبرنا ربنا -جل وعلا- ما سيكون يوم القيامة حتى نعمل بطاعته وننتهي عن معصيته.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثَّانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد، فيا عباد الله؛ اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

عباد الله، من المعاني التي جاء بها القرآن، التوحيد. وهذه هي دعوة الأنبياء والرسل جميعا. وستقرأ في سورة البينة {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.

فلتعلم عبد الله أن الله ما خلقك إلا لعبادته، فلتوحِّد المولى -جل وعلا- ولا ترجوا غيره، ولا تعلق قلبك إلا بالله. واقرأ قوله -تعالى- في سورة الذاريات {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. وقال -جلَّ شأنه- في سورة الأنبياء {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}.

فوحدوا الله وأفردوه بالعِبادة وعلقوا قلوبكم بالله -جل وعلا-، واحذروا مما يناقِض التوحيد من الذهاب إلى الأضرِحَة والقبور ودعاء الأموات والنذر لهم، والذهاب إلى السحرة والكهنة والمشعوذين؛ وتعلَقوا بالله -جل وعلا-.

الدعاء

أسأل الله -سبحانه وتعالى- يرزقنا وإياكم فَهم القرآن والعمل بالقرآن، وأن يجعل القرآن شاهدا لنا، لا شاهد علينا؛ وأن يملأ قلوبنا من حب القرآن ومن تعظيم وإجلال القرآن، وأن يجعل القرآن سائِقًا ودليلا لنا إلى جنَّات النعيم.

هذا واعلم أن الله أمركم بأمر بدأ به بنفسه؛ فقال -جل من قائل عليم- في سورة الأحزاب {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

اللهم صلَّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين؛ يا رب العالمين.

اللهم احفظ علينا عقيدتنا وأمننا يا رب العالمين؛ من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم فاشغله بنفسه يا قوي يا عزيز يا جبار يا عظيم يا متكبر.

اللهم أصلح أحوال المسلمين واجمع كلمتهم على الكتاب والسنة.

اللهم فرج هم المهمومين واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرضى المسلمين وأنزل السكينة والطمأنينة وراحة البال على جميع المؤمنين يا حي يا قيوم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى