خطبة عن الإيمان.. وأثره في سلوك الإنسان – مكتوبة

خطبة عن الإيمان.. وأثره في سلوك الإنسان – مكتوبة

عناصر الخطبة

  • الإيمان هو الركن الأول من أركان الدين، والإسلام هو الركن التطبيقي له، والإحسان خلاصة السلوك لهذين الركنين العظيمين.
  • الإيمان شلال عظيم يحرك سواكن القلوب فتنقلب من سوء الاعتقاد إلى نور الإيمان.
  • إن تحقيق الإيمان في قلب الإنسان يعمق محبة الخالق ﷻ، وهي أدعى للالتزام بأوامره واجتناب نواهيه.
  • بالإيمان الراسخ نحلُّ مشكلاتنا، ونتغلب على معضلاتنا، ونربط قلب الإنسان بالإنسان فيعم التوافق وينتشر الأمن والأمان في أرجاء المعمورة.
  • من أعظم علامات الإيمان في سلوك الإنسان أن يتوجه العبد لخالقه بخالص الدعاء، وأن يظل لسانه رطباً بذكره، يدعوه بقلب مخلص ليرفع ﷻ عن الأمة الوباء والبلاء.

الخطبة الأولى

الإيمان هو الركن الأول من أركان الدين ومحله القلب، وأما الإسلام فهو الركن العملي التطبيقي للاعتقاد، وترجمة للشهادتين، ويأتي الإحسان ليكون خلاصة السلوك لركني الإيمان والإسلام بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

إنَّ الإيمان في قلب الإنسان يزود المؤمن بنور اليقين، فيصبح ربانياً في سلوكه بما يعبِّر عن مكنون إيمانه بالله ﷻ وملائكته وكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله ﷻ، يقول الله ﷻ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ البقرة: 285، وبالإيمان يهتدي الإنسان إلى الطريق القويم ويتبع الصراط المستقيم، قال الله ﷻ: ﴿مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ التغابن: 11.

وقد جاء من حديث عمر: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ← أخرجه مسلم.

والحق أن الإيمان يحرك سواكن القلوب لتتقلب من سوء الاعتقاد إلى نور الإيمان، فقد خلّص الإيمان أهل الجاهلية من مستنقع الوثنية، فأصبح الصحابة رضي الله عنهم مصاحف حية تمشي على الأرض، وكل المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من زمنهم إلى قيام الساعة حسنة من حسناتهم، وأثر متميز من سلوكهم المستقيم.

ولئن بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قبل بعثة سيدنا محمد ﷺ قال ﷻ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ البقرة: 213، فإن نبينا ﷺ هو خاتم النبيين، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء في تعليم الناس الإيمان قولاً وعملاً، وهو مما يجب أن يكون منهج العلماء والدعاة في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن والمحن.

عباد الله: إن تحقيق أركان الإيمان في قلب الإنسان يعمّق محبته لخالقه ﷻ، فنرى المؤمن مواظباً على ذكر الله ﷻ بدافع المحبة والشوق للقائه ورغبة بما عنده: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28.

ولا ريب أن الإيمان يحث الإنسان على الاقتداء بسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد ﷺ، فقد وصف الله ﷻ المؤمنين ببعض الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة في قوله ﷻ:﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المؤمنون: 1-9.

ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ← متفق عليه، ويقول عليه الصلاة والسلام:«لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ» ← سنن الترمذي.

فحريٌّ بنا معاشر المؤمنين أن نهتدي بهدي القرآن العظيم الذي هو هدى للمتقين، لنسير على الطريق المستقيم في أقوالنا وأفعالنا وجميع مناحي حياتنا حتى يأتينا اليقين.

عباد الله: تعالوا نتدبر آيات بينات من سورة الأنفال لنتخلق بما جاء فيها من صفات المؤمنين، ونحقق الإيمان في سلوكنا وتصرفاتنا، ونكون ممن أثنى الله عليهم (أولئك هم المؤمنون حقاً) في سياق الآيات الكريمات يقول الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الأنفال: 2-4.

فكلّ عمل صالح يقوم به الإنسان هو أثرٌ من أثار الإيمان، وعمله شعبة من شُعب الإيمان، قال النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون – أو بضع وستون – شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ← متفق عليه.

والإيمان في قلب المؤمن بناء يشيده الإنسان ويعلي أركانه بكثرة الطاعات والعبادات حتى يكتمل بناؤه ويُعلي أسواره، فيصبح منيعاً أمام الشهوات، ولا تزعزعه الشبهات، بل يصلح فيه أمر الدنيا، وينعكس أثره على سلوك الإنسان ليعمّ خيره على جميع الخلائق، إن بناء الإيمان كما يزداد بالطاعات فإنه ينهدم ويتضاءل بارتكاب المعاصي والآثام والذنوب، وسلوك الإنسان وعلاقته مع ربّه ونفسه ومجتمع هي ما تحكم درجة الإيمان في قلبه، يقول النبي ﷺ: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ» ← سنن الترمذي.

فالفحش بالقول والعمل، دليل على ضعف الإيمان في القلب، وحياد عن الطريق الحق، واتباعٌ للهوى، لأنه دليل على ضعف مراقبة الله ﷻ في النفس، وعدم إيمان باليوم الآخر الذي يقتص الله ﷻ فيه من الظالمين وينتصر للمظلومين، يقول النبي ﷺ: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» ← سنن أبي داود.

ولضعف الإيمان في النفوس أثر خطير على النفس والمجتمع، لأنه يهدد المجتمع بارتكاب الجرائم ونشر الرذائل، واعتداء على الأعراض، واضطراب الأمن والأمان، يقول النبي ﷺ: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» ← متفق عليه.

⬛️ وهنا: خطبة الجمعة عن الإيمان بالقدر خيره وشره

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

إنَّ الإيمان الراسخ يجعل الإنسان يحلُّ كل مشكلة، ويتغلب على كل معضلة، فإن طاقة الإيمان تبني الإنسان في تصوره للإنسان والكون والحياة، ثم ينتشر نور الإيمان

في المجتمع؛ لأن الإيمان يربط قلب الإنسان بالإنسان فيعم التوافق وينتشر الأمن والأمان في أرجاء المعمورة، فيسير الراكب في الصحارى والقفار آمناً فضلاً عن المدن والحواضر، وهو ما يبحث عنه العالم في هذا الزمان.

وإن من أعظم علامات الإيمان في سلوك الإنسان أن يتوجه العبد إلى الله ﷻ بخالص الدعاء أن يرفع عن الأمة الوباء والبلاء، وخير ما ندعو الله ﷻ به، هو دعاء يونس عليه السلام ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ الأنبياء: 87، أربعين مرة في اليوم والليلة.

والحمد لله ربّ العالمين..

أضف تعليق

error: