خطبة عن الأم… فضلها، وفاءها ومكانتها

هذه خطبة عن الأم مكتوبة وبها الاستشهاد من القرآن الكريم ومن سُنَّة النبي ﷺ. يتحدَّث الخطيب فيها عن فضل الأُم ووفاءها ومكانتها. وغيرها من الجوانب الجمَّة في موضوع الخطبة هذا؛ بل أننا بحاجة إلى العديد من الخطب المنبريَّة لهذا الموضوع، وأيضًا لم نوفيه حقه.

لكِن لا عليك، فنحن هنا في ملتقى الخطباء وصوت الدعاة بموقع المزيد، نعمل على أن نوفر لكم هذه الخطب بشكل دوري ومُكثَّف. فتابعونا لتجدوا كل جديد.

خطبة عن الأم , فضل الأمهات

مقدمة الخطبة

الحمد لله عدد ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. بديع السماوات والأرض إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.

فيا متابِع الملاحِدة، مشايع العصبة الجاحدة، ومُنكِر الحقيقة الواحدة؛ ما للأعمى والمرآة. وما للمقعد والمِرْقاة. قُم إلى السماءِ تَقَصَّ النظر، وقُصَّ الأثر، واجمع الخُبْرَ والخَبَر. وانظر؛ كيف ترى ائتلافَ الفَلَك، واختلافَ النور والحَلَك. وهذا الهواء المشترك، والطيرُ تحسَبُه تُرِك، فاستُهدَف فما نجا حتى هَلَك، تعالى الله! دلَّ المُلْك على المَلِك.

أو قِفْ بالأرضِ وسَلْهَا: من زَمَّ السحابَ وأجراها، وأرسل الرياحَ وعَرَّاها، وأقعد الجبالَ وأنهضَ ذُراها، تعالى الله! دلَّ المُلْك على المَلِك.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وليُّ الصالحين. وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيبين وصحبه الغُر الميامين.

أوصيكم يا عباد الله، ونفسي الخاطئة المذنبة المسرفة المقصرة بتقوى الله العظيم وطاعته، ولزوم وكثرة مخافته.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

ثم أما بعد. أيها المسلم الغالي والحبيب، آثرت اليوم أن أتكلم عن مقام الأُم. الأُم التي لها فضل عليك بعد الله -تبارك وتعالى-. والحديث عن الأم حديثٌ عن الحنان والرقة والرأفة والرحمة. فهي مصدر الأُنس، وأساس الهناء، وموطن الشكوى، وكاتمة الأسرار، وعِماد البيت، وذكريات الصبا.

لأمك حق لو علمت كبير — كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي — لها من جواها أنَّة وزفير
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها — وما حجرها إلا لديك سرير
وكم جاعت وأعطتك قوتها — حنوا وإشفاقا وأنت صغير
فضيعتها لما أسنت جهالة — وطال عليك العمر وهو قصير
فدونك فانعم في عميم دعائها — فأنت لما تدعو إليه فقير

فضل الأم ومقامها

يأتي رجل إلى النبي ﷺ، فيقول: يا رسول الله ائذن لي بالجهاد معك. فيجيبه النبي ﷺ: «ألك أم حيَّة؟» قال: نعم يا رسول الله. قال «الزم رجلها فثم الجنة».

ومن نافلة القول إن حديث الجنة تحت أقدام الأمهات حديثٌ ضعَّفه المحدثون كابن عدي في الضعفاء. لكن الحديث الصحيح الذي ذكرته آنفا.

أيها المسلم الغالي والحبيب؛ والله لا تشعر بعظمة الأم إلا يوم أن تفقدها. سلوا الذي ماتت أمه: كيف وجد طعم الحياة بعدها؟ يقولون: لا يزال الإنسان شابا حتى إذا ما ماتت أمه، شَاخ فجأة.

الأم وما أدراك ما مقام الأم؛ فضلها عظيم. هذه الأم التي عاشت لأجلك، والتي سهرت لأجلك، والتي دمعت عيناها من أجلك. والله تتمنى أن تمرض لأجل شفائك.

وفاء الأم

يُروى أن أُمّا تعرضت يدها للتلف، فلما عرضوها على الأطباء خيّروها بين أمرين اثنين. قالوا لها: إما أن تُبتر يدكِ وإما أن تعالج بعمليات مكلفة جدا. ماذا قالت الأم؟ قالت: بل ابتروا يدي. لا إله إلا الله. لماذا أيتها الأم الفاضلة؟ أتعلمون لماذا يا عباد الله؟ أتعلمين لِم يا أَمة الله؟ اسمعوا أيها العاقّون، ولأمهاتكم شاتِمون متجاوزون. قالت كلمة تكتب بماء العيون. قالت: ابتروا يدي حتى لا تؤثر تكاليفها على مصروف ابني الذي يدرس في الجامعة. لا إله إلا الله.

ووالله ليس غريبا. الأم التي تُفَضل أن تعيش عمياء على أن يكون ولدها الكفيف مُبصرا.

واقرأ هذه أبيات شعر جميلة في حب الأم:

أحبك يا أمي على القرب والبعد — أحبك يا أمي ولو كنت في اللحد
أحبك حبا لو مزجت رحيقه — بماء البحر لصار البحر أحلى من الشهد
أحبك حبا لو سقيت بمائه — فيافي نجد أورق الشيح في نجد
سلام على الدنيا تناثر عقدها — وقد كنت يا أماه واسطة العقد

مكانة الأم

واقرأ معي -يرحمك الله- هذه الرواية التي رواها البخاري في الأدب المفرد. أن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ أتاه رجل قاتل. قال: ما شأنك؟ قال: هل للقاتل من توبة؟ فإني خطبت امرأة فرفضتني، فخطبها غيري. فوافقت عليه. فتحركت غيرتي حميّة، فقتلت الرجل. فقال ابن عباس: ألك أم؟ قال لا. قال: اذهب. وأكثر من الاستغفار والصدقة.

فلما أدبَر، قال الجالسون عند ابن عباس: يا ابن عم رسول الله؛ لِم سألته عن أمه؟ قال: لأني لا أعلم عملا أحب إلى الله من بر الوالدة.

وهذا صخر بن الشريد، في الجاهلية. أخو الخنساء التي قالت فيه الأشعار، ورثَته بدواوين القصائد والبكاء. لما أُصِيب في المعركة، ونقلوه إلى خيمته. كانت تمرضه أُمه وزوجته سليمة.

وذات يوم؛ لمّا ما عاد أن ينهض، ولم تحمله رجلاه؛ سمع حوارًا. قالوا لزوجته: كيف حال صخر؟ فقالت -بلسان الكلل والملل-: لا حيٌّ فيرجى، ولا ميت فينسى… كلمة قاسية.

فسألوا أمه: ما حال صخر؟ قالت: لا زال بخير، وهو عمود بيتنا.

فأنشد صخر يقول:

أرى أم صخر لا تمل عيادتي — وملت سليمى مضجعي ومكاني
وأي امرئ ساوى بأم حليلة — فلا عاش إلا في شقا وهوان
لعمري لقد نبهت من كان نائما — وأسمعت من كانت له أذنان

أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك

يأتي رجل إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، من أحقّ الناس بصحبتي؟ قال: «أمك». قال ثم من؟ قال «أمك». قال ثم من؟ قال «أمك». قال ثم من؟ قال «أباك». بفعلٍ محذوف تقديره: بر أباك.

ولِمَن يقول أن: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك حديث ضعيف؛ فلا وألف لا. إنه حديث صحيح أُخرج في صحيح البخاري ومسلم.

وإذا أردت جنة عرضها السماوات والأرض، وأردت التوفيق في حياتك، فدونك مفتاح البر لامك. ولذلك؛ هي سبب قبول الأعمال.

لذلك لما تحدث الله ﷻ عن البار بأمه -في سياق آية-، قال الله ﷻ عن البارين ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.

فيا أخاه، لا تجعل دمعة أمك تنزل بسبب قطيعتك. لا تجعل أمك تشتكيك إلى الله. لا تُسجَّل عند الله من العاقين.

جاء في بعض الآثار -ولا بأس أن نستأنس بها- أن رجلا كان مُسرفًا على نفسه، وما من معصية إلا وطرق بابها. فقال: يا أُمّاه، إن أنا مِت، فأسألك بالله عند شفير القبر، ضعي رجلك على رأسي. وقولي: اللهم إني رضيت عن ولدي فارض عنه.

فلما مات ولدها. لم يكُ أحد يحضر جنازته، لفرط معاصيه. فاستأجرت أربعة من الرجال. ولما حُمل على الأعناق، وأوصلوه إلى شفير القبر، وأخرجوه من التابوت. جاءت أمه، ووضعت قدمها على رأسه؛ وقالت: يا رب إني راضية عن ولدي فأرض عنه.

فلاحظ عالِم من العلماء المشهد. فلما جلس على شفير القبر. قال: والذي لا رب سواه، سمعت صوتا يقول: انصرفي يا أَمَة الله، فقد رضيت عن ولدك برضائك عنه… لا إله إلا الله.

أويس القرني وبره بوالدته

أين من أويس القرني؟

النبي ﷺ كان يقول لأصحابه «إذا لقيتم أويسا فسلوه أن يستغفر لكم».

تأمَّل… الصحابة الذين جاهدوا مع رسول الله، والذين نظروا إلى رسول الله، والذين مشوا خلف رسول الله، وصلوا خلف رسول الله ﷺ. يقول لهم «إذا لقيتم أويسا فسلوه أن يستغفر لكم».

وأويس من اليمن، لم يلتحق بالنبي ﷺ. كان يُطعِم الفقراء طعامه، ثم يأكل من حشاش الأرض.

فلما لقوة بعد رحيل المصطفى -عليه الصلاة والسلام-، قالوا: ما شأنك؟ ولماذا لم تلتحق برسول الله؟

أتدرون لماذا لم يلحق بالنبي؟ حبسه بره بأمه، كان بارا بأمه، يخدمها. فرفعه الله هذا المقام الجلي العلي.

﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.

الخطبة الثانية

الحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد؛ فيا عباد الله، يا شبابنا ويا فتياننا ويا بناتنا ويا فتياتنا؛ الله الله في الأم، الله الله في دمعتها. ووالله قرأنا من القصص وسمعنا من روايات العقوق. ما تستحي الملائكة من تدوينه.

أحدهم ضربته أمه، فبكى. فقالوا له: كانت تضربك دوما. لماذا بكيت الآن؟ قال: والله كنت أشعر بقوة ضربتها. واليوم أشعر أنها ضعيفة، فشعرت بخفة يدها.

الدعاء

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ومن العمل ما ترضى.

اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وشافي مرضانا ومرضى المسلمين.

اللهم اجعل الدين لشبابنا، والحياء والحجاب والعفة لنسائنا، والغيرة لرجالنا، وقول الحق لعلمائنا.

اللهم تول أمورنا، اللهم حسّن خواتيم أعمالنا.

يا جابر بالمنكسرة؛ أجبر اللهم انكسارنا، واقبل اعتذارنا، واختم بالصالحات آجالنا، وحقق بالسعادة آمالنا. ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا ومستقرنا.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

نتوجه إليك في هذا اليوم العظيم؛ إن من المسلمين من يئنون تحت وطأة المرض ورماح والقهر. اللهم نتوجه إليك، رفعوا أكف الضراعة إليك، يقولون بدمعتهم، أرسلوها على بريد خدودهم: يا رب.

يا صاحب السرطان يناديك، والذي ضاقت أنفاسه يناديك، والذي ضاقت نفسيته يناديك؛ يا حي يا قيوم عجز الطبيب فداونا بدوائك الخافي عن الأعيان؛ إن الحمام ينوح من ألم النوى، وأنا أنوح مخافة الرحمن.

اللهم فرج عن بلادنا، واجعل بلدنا آمنة مطمئنة مستقرة وسائر بلاد المسلمين.

اللهم يا رب العالمين لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته وعافيته.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وأقِم الصلاة.


وبعد، فقد قدَّمنا لكم أعلاه خطبة عن الأم مكتوبة ومشكولة الآيات، ومؤثرة أيضًا. وبها من القصص والأحاديث والآيات الكثير.

ألقى هذه الخطبة المباركة فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحميد جدوع الجميلي؛ فجزاه الله خيرًا، وزاده علما.

وهذه أيضًا -إن أردتم المزيد-: خطبة عن بر الوالدين مكتوبة كاملة ومعززة بما يلزم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: