خطبة عن صلة الرحم «مكتوبة – مشكولة الآيات» جاهزة كُلّيًا

إن إلقاء خطبة عن صلة الرحم في مساجدنا لا يحتاج إلى وقت معيَّن أو مخصوص. فما نراه من الهجر والخصام والقطيعة بين أبناء البيت الواحد والعائِلة الواحدة لا يخفى على مسامعنا. بل إنَّ يُنْشَر من جرائِم تحدث داخل الأُسَر المُسلِمة لهو من أهم الأسباب التي يجب أن تُلهم الأئِمَّة والخطباء كي يُلقوا -دوريًا- خُطبًا تحث المسلمين على صلة الأرحام، وتُحَذّرهم من القطيعة وخطورتها وعواقِبها.

وكعادة موقع المزيد، بقِسمه الخاص بأئِمَّة المنابر؛ صوت الدعاة وملتقى الخطباء. كتبنا وراجعنا هذه الخطبة والموعظة من أجل أن ينتَفع بها الجميع، أئِمَّة ومؤتمون.

خطبة عن صلة الرحم , مكتوبة , مشكولة

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد؛ فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله ﷻ. والمسابقة في الخيرات والقربات والطاعات إلى رب الأرض والسماوات.

فربنا العظيم الكريم شرع لنا من الوسائِل التي تُقربنا إليه من أنواع العبادات التي ترفع مقام العبد. وبعض الناس يُقبِل على بعض العبادات، وربما يغفل عن فضلها.

ومن العبادات الجليلة العظيمة التي ينبغي لنا أن نسابِق بها وأن نتفقد أحوالنا معها؛ عبادة صلة الرحم.

فضل صلة الرحم

إن صلة الرحم -يا مسلمون- عبادة جليلة. من أوجب الواجبات. قال الله ﷻ ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.

وهنا أيضًا حديث الرسول عن صلة الرحم ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة، أن النبي ﷺ قال «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله».

كما جاء في صحيح البخاري أيضًا حديث قدسي عن صلة الرحم. حيثُ لمّا فرغ الله من من خلقه. قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال ﴿ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك﴾ قالت: بلى يا رب. قال: ﴿فذاك﴾.

فمن وصل رحمه وصله الله برحمته ومغفرته ورضاه.

واعلموا يا مسلمون أن من أسباب دخول الجنة صلة الأرحام. قال حبيبنا ﷺ كما جاء في حديث عبد الله بن سلام -رضي الله عنه-. الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني أن النبي ﷺ قال «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».

وهناك أحاديث عن صلة الرحم كثيرة وردت في السنة المطهرة، ومنها ما جاء في صحيح البخاري، أن رجلا قال للنبي ﷺ: أخبرني بعمل يدخلني الجنة. قال «تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم».

ومن ثمراتها وفوائدها أنها بركة على الإنسان. بركة عليه في صحته، في نفسه، في وقته، في ماله، في ولده، وفي حياته كلها. ففي الحديث الشائِع والمشهور بعبارة [حديث صلة الرحم تزيد في العمر]، وهو كما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال «من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه».

فهي بركةٌ في العمر، فينجز الإنسان أشياء كثيرة في وقت يسير؛ لأن الله بارك في وقته.

وصلة الرحم -يا عباد الله- تأسّي في الحبيب -عليه الصلاة والسلام-. فلما نزل الوحي على حبيبنا ﷺ وجاء إلى خديجة، وذكر لها ما ذكر. قالت: كلا، والله لا يخزيك الله. إنك لتصل الرحم.

فصلة الرحم -يا مسلم- عبادة جليلة لها خيرات وبركات في الدنيا والآخرة.

عقوبات قاطع الرحم

كما أن قطيعة الرحم من أكبر الكبائر. قال حبيبنا ﷺ، كما جاء في الصحيحين «لا يدخل الجنة قاطع رحم». فالذي يقطع رحمه عليه وعيد شديد.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال «بابان يعجلان في الدنيا: البغي وقطيعة الرحم».

ومن حديث عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال «الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته».

كيف تكون صلة الأرحام!

وصلة الرحم -كما قال أهل العلم– ليس لها ضابط معين، لا في المدة ولا في الكيفية.

قال النووي -رحمه الله- كما جاء في شرح صحيح مسلم: أن صلة الرحم تكون على حسب صلة الواصل والموصول. فتكون أحيانا بالمال، وتكون أحيانا بالخدمة، وتكون أيضا بالزيارة والسلام. فحسب حاجة الموصول.

فبعض الأقارب قد يكون فقيرا، فمن أعظم صلة أن نصله بالمال.

والصلة -كما ذكر أهل العلم- ليس لها حد. فالإنسان يصل أرحامه بكل ما تعارف عليه الناس بأنه صلة. فمرجع ذلك إلى العُرف. فما عده الناس صلة فهو صلة. وما عده الناس قطيعة فهو قطيعة. وكل منا أدرى بنفسه وبحاله، فعليه أن يتفقد حاله.

ومن الصلة؛ أن ينوّع بالفوائد التي تُدخِل السرور عليهم؛ كالزيارة، ومشاركتهم في أفراحهم وفي أتراحهم، وفي تخفيف الآلام والأحزان والمصائب عليهم، والاتصال عليهم ودعوتهم في المناسبات، وحضور مناسباتهم.. وغيرها.

فوسائل الصلة كثيرة. فكل ما يدخل السرور على القريب فهو صلة. فعلى الإنسان أن ينظر إلى حاله ويتفقد نفسه مع أقاربه ولا تلهيه الدنيا والانشغال بها وبحسنها وبمالها وبأموره وأحواله ووظيفته عن هذا الواجب العظيم.

ولله الحمد والمِنّة، في هذا الزمن تيسّرت وسائل صلة الرحم. فالاتصال بالهاتف يعتبر من الصلة. والرسالة بالجوال كذلك تعتبر من الصلة. فعلى الإنسان أن لا يقطع أقاربه. وخيركم الذي يبدأ صاحبه بالسلام.

صلهم وإن قطعوك

ولنحذر مما يقوله بعض الناس أنه لا يصل إلا من يصله. يقول: أنا أصلهم ولكنهم لا يصلوني.

ففي صحيح مسلم وغيره، أن رجلا جاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني. وأحسن إليهم ويسيئون إليّ. وأحلم عليهم ويجهلون عليّ. فقال النبي ﷺ «لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك». والمل يعني: الرماد الحار. أي كأنما تضع في أفواههم الرماد الحار.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

هذا هو الوصل، الذي يصل وإن قطعت الأرحام؛ وخيركم الذي يبدأ صاحبه بالسلام.

أسأل الله أن يجعلنا وإياكم مِمّن يصل رحمه. وأن يتجاوز عن تقصيرنا وتفريطنا.

أقول هذا القول. واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا يليق بجلال الله وعظمته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد، فيا عباد الله؛ أوصيكم ونفسي بتقوى الله ﷻ. وأحذركم من قطيعة الرحم.

نسمع بعض الأخبار من التقاطع والتهاجر بين الأقارب مما يُدمي القلب. نعم. وإذا بحثت عن سبب، وإذا به سبب من أسباب الدنيا.

فعلي أن يتقي الله ﷻ ويبادر. وليعلم أنه إذا حصل بينه وبين أحد أقاربه في أمر من الأمور، لا يجوز له أن يهجره أكثر من ثلاثة أيام. لا يجوز أصلا أن يهجر المسلم أخاه أكثر من ثلاثة أيام؛ فكيف بالقريب!

فعلى الإنسان أن يتقي الله ﷻ ويتعامل مع أقاربه مع ربه، لا مع تصرفاتهم وأقوالهم وأفعالهم؛ ويقابل إساءة الأقارب بالإحسان والعفو والتجاوز.

المسلم مطلوبٌ منه أن يتعامل مع المسلمين عموما بالعفو والتجاوز، فكيف بالقريب!

فأنت ترى بعض الأقارب، ربما من الإخوان؛ من صلب واحد، من رحم واحد. يتقاطعون، ويتهاجرون ويتدابرون من أجل الدنيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فإني أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله ﷻ. وأن لا ينتصر علينا الشيطان. لأن هو الذي يثير العداوات بين الأقارب وبين الزوج وزوجته، وبين الإخوان.

وأُذَكّركم بحديث نبينا المصطفى ﷺ «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم». فعلى كل واحدٍ منا أن يراجع نفسه مع أقاربه وليتق الله ﷻ.

ولنعلم جميعا أن الدنيا قصيرة وحقيرة، ولا تستأهل أن الإنسان يتقاطع ويتهاجر مع أقاربه. فالعمر محدود؛ وكم من شخص ندم ندمًا شديدا على فقده لأحد أقاربه الذي كان بينه وبينه من القطيعة، ولكن لا ينفع الندم.

هذا واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ به بنفسه؛ فقال ﷻ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

الدعاء

اللهم صل وسلم وبارك وتفضل وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرج هم المهمومين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.

اللهم أعنا على صِلة الأرحام. واسل سخائم القلوب يا حي يا قيوم، وألّف بين المتخاصمين يا رب العالمين، وأعنا على أنفسنا يا رب واستعملنا فيما تحب وترضى.

نسألك يا كريم، يا من ترانا وتسمع كلامنا؛ من الخير كله، عاجله وآجله. ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله.

نسألك يا الله، يا من تحب السائلين؛ من خير ما سألك منه محمد ﷺ. ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه محمد ﷺ.

اللهم احفظ علينا عقيدتنا وأمننا واستقرارنا، ووفق ولاة أمرنا يا رب العالمين.

من أراد بلادنا بسوء أو سائر بلاد المسلمين؛ اللهم اجعل كيده في نحره يا رب العالمين.

يا رب كما جمعتنا في بيتك، في أطهر بقعة؛ اللهم اجمعنا بأعلى الجنان مع سيد الأنام؛ عليه الصلاة والسلام.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


وبعْد؛ فكانت هذه خطبة جمعة مكتوبة جاهزة، بعنوان: فضيلة صلة الرحم وفضلها وثمراتها ووسائلها. ألقاها فضيلَة الشيخ د. عبدالعزيز الفايز؛ جزاه الله عنَّا خيرا.

بالطَّبع قد يكون أحدكم قد استمع بالفِعل لعديد خطب عن صلة الرحم للشيخ العريفي أو راتب النابلسي، أو الشيخ محمد حسَّان؛ وغيرهم. حسنًا، يُمكنك اعتبار أن هذه الخطبة امتداد لما سمِعت آنفًا، واعتبرها مزيد إثراء لما في جُعبتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: