خطبة جمعة قصيرة عن شهر رمضان وتربية النفس فيه

هل هناك توقيت أنسَب من هذا؟ نعم؛ هي خطبة جمعة قصيرة عن شهر رمضان المبارك، والحديث عن تربية النفس فيه وحثّها على فعل الخيرات ولزوم طاقة رب الأرض والسماوات، وترك المعاصي والمنكرات والمنهيَّات.

الخطبة قصيرة لكنها معبرة وقويَّة، وتُناسِب توقيت الخُطَب في هذه المراحل والأزمنة التي يمر بها المسلمون والعالَم.

خطبة جمعة قصيرة عن شهر رمضان وتربية النفس فيه

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ خير نبي أرسله. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد؛ فأوصيكم عباد الله بتقوى الله ﷻ في السر وفي العلانية. ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾.

البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، فكما تدين تدان.

يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف — ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته — إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

الخطبة الأولى

يا معشر الإخوة يقول مولانا ﷻ في سورة الشمس ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا | فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ الله ﷻ في سورة الشمس يقسم بالنفس وما سواها. وهذا القَسَم جاء في سياق إقسامات كثيرة في هذه السورة، عددها أحد عشر قسما. لم يجتمع في القرآن الكريم إقسامات مثل هذه الإقسامات. ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا | وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا | وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا | وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا | وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا | وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا | وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أحد عشر قسما بمخلوقات الله ﷻ. ولله ﷻ أن يقسم بما يشاء من خلقه، ولكنه إذا أقسم بشيء فإن ذلك يدل على أن ذلك المُقسم به عظيم، والله ﷻ يلفت أنظارنا إليه.

يا معشر الإخوة؛ في مثل هذه الأيام وقعت غزوة بدر الكبرى التي سمَّاها الله ﷻ ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. وحصل على مدار التاريخ في شهر رمضان انتصارات كثيرة. وسمَّاه المسلمون شهر النصر والانتصار.

ولكنني لا أريد أن أتحدث عن هذا النصر؛ إنما أريد أن نتحدث عن نصر آخر، ألا وهو الانتصار على هذه النفس الأمارة بالسوء. لا سيما في هذه الأيام، أيام شهر رمضان المبارك. فهو زمنٌ مبارك، ووقت نفيس لتربية هذه النفس، وللانتصار على الإرادة، ولقيادتها، ولحملها على ما تكره؛ حتى تتربى وتكون بعد ذلك تبعا لهواك الذي يريده الله ﷻ.

يا معشر الإخوة؛ إن عوامل الإغواء للإنسان ثلاثة: شيطان الجن، وشيطان الإنس، وهذه النفس الأمارة بالسوء.

فأما شيطان الجن فقد كفاك الله إياه في هذا الشهر. فقد أخبر فقد أخبر نبينا ﷺ أن الشياطين تصفد -إي تقيد- في هذا الشهر الكريم.

فماذا بقي؟ بقي شيطان الإنس وبقيت هذه النفس.

أما شيطان الإنس فهو تبعٌ لمرادات نفسك. فإنك إذا كبحت جماح نفسك، لم يستطع شيطان الإنس أن يغويك. ولهذا؛ يا أيها الإخوة، يقول الله ﷻ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى | فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.

هذه النفس لها قائد، وهذا القائد الذي يقودها إلى الضلالة هو الهوى؛ الذي هو آفة العقل. وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد نجا.

إنارة العقل مكسوفٌ بطوع هوىً — وقلب عاصي الهوى يزداد تنويرا
والنفس كالطفل إن تهمله شب على — حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وجاهد النفس والشيطان واعصهما — وإن هما محضاك النصح فاتهم

هكذا أيها الإخوة؛ نحتاج إلى أن نُربي أنفسنا. ولقد قال أحد قادة دعاة الإسلام -رحمه الله ﷻ رحمة واسعة-: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تستقِم لكم في أرضكم.

فالناس إذا أصلحوا أنفسهم فإنّ من وُلي عليهم سوف يصلح. فعلى كل إنسان أن يبدأ بنفسه، وأن يصلح نفسه. فإن الناس إذا أقاموا دولة الإسلام في أنفسهم وفي قلوبهم صار بعد ذلك كل شيء تبعا لتلك النفس الصالحة. نسأل الله ﷻ أن يصلح أنفسنا وأن في هذا الشهر المبارك، وأن ينقيها وأن يخلصها من شوائب الدنس والعصيان وقاذورات الهوى.

نسأل الله ﷻ أن يؤتي نفوسنا تقواها وأن يزكيها؛ إنه خير من زكاها، إنه هو وليها ومولاها.

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ أنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين.

وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله؛ أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا. صلى الله عليه وعلى آله السادة الغرر ما اتصلت عين بنظر وسمعت أذن بخبر.

عباد الله، يقول الحق ﷻ في سورة الكهف ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

فعليك نفسك، سُقها إلى فعل الخيرات سوقا.

الدعاء

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وصلواتنا وصدقاتنا وزكاتنا وجميع أعمالنا.

اللهم لا تدع لنا في هذا المقام حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وتولى أمرنا، واغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.


ما قرأتم أعلاه كان خطبة جمعة قصيرة عن شهر رمضانمكتوبة-. ألقاها فضية الشيخ الدكتور عبدالعزيز الحربي -حفظه الله-؛ بعنوان تربية النفس في رمضان.

ولدينا أيضًا خطبة مقترحة من أجلِكم، وهي: خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك

نتمنَّى أن تنتفعوا بكل ما نقدمه لكم من خُطَب ودروس ومقالات علميَّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: